محمد عبد النبي
في روايته حكاية الليلة الثانية بعد الألف، يستحضر الكاتب النمساوي يوزف روت أجواءَ ألف ليلة وليلة، ليس في صياغة عنوانها فقط، والمشابِه لعناوين أعمال أخرى سابقة، بل لأنَّ روايته مُشرَّبة بروح الليالي في بنيتها ونسيجها الأقرب إلى متاهة من الحكايات المتوالدة والمتجاورة.
صدرت هذه الرواية مَطلع عام 2024 في نسخة إلكترونية متاحة مجانًا على موقع هنداوي، بترجمة حسن الحديدي ومراجعة هِبة عبد المولى أحمد. سبقَ للمترجم أن قدَّم روايتين قصيرتين للكاتب في كتابٍ واحد، أسطورة السِكِّير المقدَّس ومَصير ناظر المحطة، صدر الكتاب ورقيًا في 2020 عن دار المحروسة. وكانت هاتان الروايتان أوَّل تعرُّفي شخصيًا بروت (يُكتَب اسمه أحيانًا جوزيف روث بحسب نطقه الإنجليزي)، وأحببت أسلوبه، ثمَّ بحثت عنه حتَّى عثرت على رواية أخرى تُرجمت قديمًا له هي مدفن الكبوشيين، لعلَّها أوَّل ما تُرجمَ للعربية من أعماله، ترجمتها ماري طوق عن اللغة الفرنسية في الأغلب، وصدرت عن الفارابي في 1997، وهي رواية في غاية الأهمية لأنها تلتقط لحظة الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية النمساوية-المجرية ومعها طبقة كاملة بعصرها وتراثها، وربما تكون هذه الرواية بحاجة إلى ترجمة جديدة، أدق وأوضح. وتوالى ظهور أعمال جديدة للكاتب نفسه مؤخرًا، ربما بسبب سقوط حقوق الملكية الفكرية. منها الهروب بلا نهاية بترجمة آية عبد الحكيم عن دار عصير الكتب، واعترافات قاتل ترجمة بسمة الخولي عن دارك. لم أطَّلع عليها بَعد.
ومن المشروع هنا أن نخشى التساهُل والتعجُّل لاقتناص أعمال كاتب على هذا القدر من الخصوصية الأسلوبية، إذ لن يكون بمقدور أي مترجم بلا ذائقة أدبية خاصة أن ينصت للنبرات المرهفة في صوره البلاغية أو سُخريته المبطَّنة أو شجنه الرقيق الذي لا ينزل إلى درجة التباكي أبدًا. وهو ما نجح فيه حَسن الحديدي، بقدر ما أحسستُ من قراءتي.
حياة روت ذاتها (1894-1939) تكاد تكون رواية مُحكمة الحبكة ومفعمة بالمنعطفات الدرامية. وُلدَ في مدينة صغيرة تُدعى برودي في أوكرانيا، وكانت ضمن الحدود الشرقية للإمبراطورية النمساوية المجرية قبل تفككها مع الحرب العالَمية الأولى. لعبت الثقافة اليهودية دورًا كبيرًا في تكوينه نظرًا لأعداد السكان اليهود الكبيرة في هذه المدينة، وقد عُرفَ بكتاباته الأدبية عن حياة العائلات اليهودية، وهجراتهم مِن أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية، في أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية.
لم تَخلُ حياته مِن انعطافات درامية مشوّقة وانتقالات بين النمسا وألمانيا وفرنسا، وقد تخلَّى في عام 1914 عن مواصلة تعليمه الجامعي، في جامعة فيينا، حيث كان يدرس الفلسفة والأدب الألماني، من أجل أن يتطوَّع في الحرب لخدمة جيش الإمبراطورية النمساوية-المجرية، وإن لم يتعدَ موقعه حسب بعض المصادر المراسِل الصحفي الحربي، لكن تلك التجربة تركت أثرًا مستديمًا على حياته، بنفس قدر انهيار الإمبراطورية التي انتمى إليها ودافعَ عنها، وهي اللحظة التي وسمت بداية حياته شريدًا منتقلًا، ذلك التشرد الذي ظلَّ نغمة أساسية في أعماله اللاحقة.
أنجزَ الكاتب البريطاني كيرون بيم سيرة ذاتية كاملة عنه تحت عنوان رحلة لا نهاية لها (2022)، هي أوَّل سيرة شاملة له، من نشأته اليتيمة الفقيرة في بلدة برودي، حتَّى موته بتليّف الكَبد بتأثير الإفراط في الشراب مُشرَّدًا في باريس وهو في الخامسة والأربعين من عمره.
اعتبرَ بورخيس (عنوانَ "ألف ليلة وليلة" مِن أجمل العناوين في عالَم الكُتب. ورأى في كلمة "ألْف" مُردافًا لكلمة "اللا نهائي" وأنَّ صيغة "ألف ليلة" تَعني ليالي لا نهائية، ليالي غير قابلة للعَد والحَصر. ورأى، تبعًا لذلك، أنَّ صيغة "ألف ليلة وليلة" تعني إضافة ليلة إلى ليالٍ لا نهائية).[1]
لكنَّ ليالي أخرى، على ما يبدو، كان مقدورًا لها أن تضاف إلى الأبدية، وكأنَّ كتاب ألف ليلة وليلة يأبي أن ينتهي، فهو كتاب لا تنتهي قراءته، وربما لا تنتهي كتابته كذلك.
في مرتين على الأقل، غير هذه الرواية التي نعرضها هنا، استدعى مؤلفون غربيون الليالي العربية في عَنونة نصوصهم، بافتراض المواصَلة مِن حيث انتهت الليالي بالضبط.