حسن عبد الموجود
من التعريفات البسيطة لأدب السيرة الذاتية أنه فنٌ من فنون الحكي الذاتي، يُعرِّي فيه الكاتب حياتَه أو محطاتٍ منها أمام القرَّاء، بهدف البوح، أو إظهار تغلبه على الصعاب حتى يصل إلى مكانته. وتحتاج السيرة أن يكون لدى الكاتب خبرة حياتية ممتدة وغير عادية، وقدرة على استخلاص الحكمة أو العبرة من كل المواقف التي مرَّ بها.
تعتبر الرواية ملتقى فريداً حيث تتقاطع الفنون بالعلوم، مكاناً يخلق فيه الكاتب عوالمَ خيالية تجذبوبرغم أنَّ هناك نماذجَ ممتازةً للسيرة الذاتية في الأدب العربي إلا أن هذا النوع الكتابي يبدو، مقارنة بنظيره الغربي، في مرحلة الحبو، ولا دهشة في هذا، فالكاتب العربي محاصرٌ، في الغالب، بالعيون المتلصصة، وأولها عين العائلة، التي تمتلك سلطة قوية لا يمكنه تجاوزها بسهولة، وإلا يخسر أفراداً فيها أو يخسرها كلها، ولذلك فإنه يفكر ألف مرة قبل أن يشرع في الكتابة، ويفكر ألف مرة أخرى وهو يكتب، ويصارع الرقيب الذاتي العتيد الذي يقفز من رأسه ويضغط على أنامله مذكِّراً إياه بهذا الشخص أو ذاك، وبأنه لو كتب بوضوح يقع الشقاق والفراق، وأبسط ما يمكن أن يحدث له في حالة عدم إيذائه، أن حماية العائلة تُرفع عنه، ويصبح غريباً منبوذاً وسط أهله، وهذه تضحية كبيرة لا يمكن أن يقدمها الكاتب العربي غالباً.
يعرفُ الكاتب العربي أيضاً أنَّ للمرأة في عائلته شأناً مقدساً، فلا يستطيع أن يقلِّد الكتَّاب الغربيين ويكتب عن فضائحها، كما فعل مثلاً الشاعر الصربي الأمريكي تشارلز سيميك، في سيرته "ذبابة في الحساء"، حيث خصص فصلاً كاملاً لهجاء وذم وشتم أفرادٍ من عائلته، بعضهم عمَّاته وخالاته، وسماهن بالاسم، وقال فيهن ما لا يمكن حتَّى كتابته في هذا المقال، فهل يجرؤ الكاتب العربي أن يكتب شيئاً شبيهاً؟ الإجابة طبعاً: لا، بل لن يجرؤ على التفكير في ذلك أصلاً، وبالتالي تظل سيرته، إن كتبها، ناقصة تماماً، وخالية من لمسة الأنوثة، باستثناء حكايات عابرة عن الأمهات ربما.
وإذا كانت هناك صعوبات تتعلق بالكاتب فما بالك بالكاتبة العربية نفسها، التي تدخل في حرب، غالباً، لتوافق العائلة على فكرة امتهانها الكتابة من الأساس، ويخضع كلُّ عملٍ جديد لها لنوعين من الرقابة المبدئية، الرقابة الذاتية التي تمارسها هي على نفسها، حيث تحاول تمويه الأحداث وتغيير الأسماء والأماكن والمدن، ثم تأتي رقابة العائلة التي يقوم أفرادُها بتفتيش العمل ونفضه والبحث بين سطوره وصفحاته عما يدين الكاتبة، كأن تكون مسَّت سمعة الآباء بأي شيء مشين.
وإن أفلت الكاتب من رقابة العائلة يكون هدفاً لرقابة السلطة في بلده، لكن "التابو" المسموح بكسره يختلف من بلد إلى آخر، فهناك من يجيز كسر "تابو الجنس"، وأحياناً "تابو الدين"، باعتبارهما لا أب لهما، لكن تابو السياسة يُواجَه بالمنع غالباً، كما أنَّ معظم الكتَّاب العرب، الذين كتبوا سيرتهم الذاتية، آثروا السلامة وساروا بجوار الحائط، في مواجهة ثقافة تتعامل مع "أدب الاعتراف" على أنه "كتابة فضائحية"، أو "كتابة نميمة".
وحتى لو أفلت الكاتب من الجميع، الرقيب الذاتي، والعائلة، والسلطة، قد يجد في مواجهته ناقداً يفتِّشُ عن أخطائه أو خطاياه، ويحاول أن يربط بين حياته وبين ما يكتبه، حتى لو كان مجرد رواية لا سيرة ذاتية، كما فعل الناقد المصري فاروق عبد القادر مع الكاتبة المصرية لطيفة الزيات، في كتابه «من أوراق الرفض والقبول»، الصادر عن دار «شرقيَّات» عام 1993، حيث أكد أن روايتها "الباب المفتوح" تفضح قصتها مع طليقها الكاتب المصري رشاد رشدي، رابطاً كل تفصيلة في الرواية بتفصيلة في الواقع، اصطادها من زلة لسان للطيفة الزيات في حوار إذاعي أو تلفزيوني، أو معلومة كتبتْها في مقالٍ، أو نميمةٍ شخصية حصل عليها من أصدقائه.