الرواية كخيال متعدّد الأبعاد

هيثم حسين

كيف يمكن للحكايات المتخيّلة أن تنقلنا إلى عوالم أخرى لتعرّفنا إلى شخصيات جديدة، وتمنحنا الفرصة لفهم أنفسنا والآخرين بطرق لم نكن لنتصوّرها؟ كيف يمكننا استلهام القوّة الكامنة في القصص لنستفيد منها في حيواتنا؟ لماذا يُنظر إلى الكتابة الروائيّة كأحد أهمّ وسائل التعبير الإبداعيّ؟ وكيف يمكن للرواية أن تحفّز خيالنا وتساعدنا في اكتشاف جوانب جديدة من قدراتنا العقليّة والنفسيّة؟ كيف تساهم في الحفاظ على التراث الإنسانيّ وإلهام الآخرين؟ وكيف يمكن لها أن تحفّز خيالاتنا وتقودنا في مسارات إبداعيّة مبتكرة؟

تعتبر الرواية ملتقى فريداً حيث تتقاطع الفنون بالعلوم، مكاناً يخلق فيه الكاتب عوالمَ خيالية تجذب القرّاء وتثير فضولهم بلا حدود. وفي عالمها، يحتاج الكاتب إلى قدرات مميّزة لبناء عوالم دقيقة، حيث تتلاقى الشخصيات والأحداث في خطوط درامية مترابطة. هذه العملية تتطلّب خططاً متقنة وفهماً عميقاً لبنية القصة وتطويرها بأسلوب يجعلها تنبض بالحياة والمعنى.

الكتابة الروائية تكون نتاج تعبير عن مجموعة من الأفكار المترابطة والتفاصيل المتماسكة التي تشكل بنية الرواية، بحيث يكون الكاتب قادراً على جمع هذه الأفكار بأسلوب يحقّق التوازن بين الجماليّة اللغويّة والعمق الفكريّ، ما يتطلب منه العمل الدؤوب والتحليل الدقيق لكلّ جزء من الرواية.

عندما يفتح القارئ صفحات الرواية، يتخيّل نفسه في عوالم لم يكن يتوقّعها أو يتخيّلها يوماً. هنا تكمن قوّة الرواية في توسيع آفاق القارئ وإغنائه بتجارب ومغامرات يمكن أن تكون غير ممكنة في الواقع. عوالم الخيال تعكس تفاصيل دقيقة من الخيال الإبداعي للكتّاب، وتتيح للقارئ فرصة لاستكشاف أبعاد جديدة من التفكير والتخيّل.

تشجّع الرواية الأفراد على استخدام خيالهم بطرق غير تقليدية، وهي فرصة للهرب من واقعنا اليومي. هذا التحفيز للخيال يمكن أن ينعكس إيجاباً على جوانب حياتية أخرى، مثل الابتكار في العمل وحلّ المشكلات النفسية والاجتماعية.
تمثيل دقيق متخيّل للحياة
تتيح الكتابة الروائية للناس فرصة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بطريقة إبداعيّة، ويمكن أن تكون وسيلة لفهم الذات والآخرين، إذ أن كتابة الروايات تتيح للكاتب استكشاف مشاعر وتجارب متعددة قد لا يواجهها في حياته اليوميّة.

وفي الرواية، بينما يتابع القارئ حياة الشخصيات ويشاركها في تحدياتها وانتصاراتها، يربط ذلك بتجاربه الشخصية ويجد تأكيداً لمشاعره وأفكاره الخاصة. هذا التمثيل الدقيق المتخيّل للحياة يمنح القارئ لحظات للتأمّل والتفكير في حياته الخاصة ومستقبله.

يعتبر أورهان باموك، الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام 2006، من أبرز الكتاب المعاصرين الذين تناولوا موضوع الرواية وأهمّيّة الخيال الروائيّ في كتابه "الروائيّ الساذج والحسّاس"، (الجمل، ترجمة ميادة خليل، 2016)، إذ يقدّم باموك رؤية عميقة وشاملة عن قدرة الرواية على مخاطبة البشر في جميع الثقافات واللغات، مستنداً إلى مفهومها كخيال متعدّد الأبعاد، وهو ما يجعلها وسيلة فعّالة لنقل المعرفة وتشكيل الوعي الفرديّ والجماعيّ.

يؤكّد باموك أنّ الروايات تمتلك خاصية فريدة تتمثّل في كونها خيالاً ثلاثيّ الأبعاد. هذه الخاصية تتيح للقراء الغوص في عالم مركب من الشخصيات، الأحداث، والأماكن، ما يخلق تجربة شاملة وحيّة. يمكن للقارئ من خلال هذه التجربة أن يعيش حياة الآخرين، يفهم مشاعرهم، ويشاركهم تجاربهم، ما يعزز من قدرته على التعاطف مع غيره وفهمهم.

يشبّه باموك قراءة الروايات بعملية الحلم، حيث ينغمس القارئ في عالم الرواية وينسى كلّ شيء من حوله. ومن خلال قراءة الروايات، يمكن للأفراد التعرف على ثقافات متنوعة، ممّا يساهم في بناء جسور من التفاهم والتعاون بين المجتمعات. ومن هنا فإنّها أداة سحرية تأخذ القارئ في رحلة استكشافية عبر عوالم مختلفة تعكس جمال الإبداع البشريّ وعمق الطبيعة الإنسانية. من خلال تجارب الشخصيات وصراعاتها، تنقل الرواية القارئ بعيداً عن واقعه المحدود إلى بعد آخر من التجارب والمشاعر.

وكتطبيق عمليّ روائيّ لتنظيراته في فنّ الرواية تبرز رواية "غرابة في عقلي" لأورهان باموك (الشروق، ترجمة عبدالقادر عبداللي، 2017)، كتجربة فريدة في استكشاف النفس البشرية والوقوف على حواف الواقع والخيال، حيث يأخذنا في رحلة عبر عقل الشخصيات المتقلّب، يناقش قضايا الهوية والذات والعزلة بطريقة تجعلنا نتساءل عن تعقيدات العالم ومكنونات الإنسان، وما إن كان بإمكان الرواية أن تكون مرآة تعكس حقائقنا الخفية، أم أنها فقط تضيف لغزاً جديداً لحياتنا المعقّدة...! ربما تكون الرواية تذكيراً بأنّ الحياة نفسها غريبة في كثير من الأحيان، مليئة بالمفاجآت والتناقضات، وأن الإجابات قد تكون أكثر غموضاً من الأسئلة التي تدور في ذهننا، وتراها تمضي قدماً في لعبة مستمرّة بين الواقع والخيال، حيث يلتقيان ويتداخلان في عقولنا وتجاربنا اليومية. وربما يكون جمال الرواية هو أنّها توفّر لنا منصّة آمنة لاستكشاف هذه التناقضات والتعقيدات بدون الخوف من الانتقاد أو الحكم.

الخيال في خطر!
هل يمكن القول إنّ الخيال بات في خطر في واقعنا الراهن أم أنّ ذلك سيكون من باب المبالغة والتهويل؟

لعلّ ما بات يشكّل تهديداً على الخيال الروائيّ في الآونة الأخيرة، الاعتماد على تقارير إخبارية وتفريغ مقاطع الفيديو، في بعض الأحيان من قبل روائيّين هنا وهناك. ومع أنّه يمكن أن يظهر استخدام تقارير الأخبار ومقاطع الفيديو في الرواية الحديثة كطريقة لتوثيق الواقع أو تقديم رؤية نقدية، إلّا أنّه يمكن أن يؤدّي إلى تقليل قدرة الكاتب على التحليق بخياله، ممّا قد يحصر العمل الأدبيّ في عملية تجميع لمواد واقعية بدون تحويلها إلى تجربة أدبية عميقة ومفكّرة، وهنا بدون الخيال تبقى المشاهد المسجّلة جافّة مفتقدة اللمسة الأدبيّة التي تنقلها إلى عالم متخيّل متفرّد.

ويمكن أن يؤدّي الانغماس الزائد في هذا النوع من الكتابة إلى التسرّع في إعلان "وفاة الخيال" أو "دفن الإبداع" بدون استبدال ذلك بشكل فعّال بأساليب أدبية بديلة أو أفكار جديدة تساهم في التطوير الأدبي.

ممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ إنسان يحمل في داخله تجارب، مشاعر، ورؤى فريدة للعالم من حوله. وهذه التجارب قد تكون مليئة بالتحديات، الأفراح، والأحلام. والرواية تتبدّى فرصة مميّزة للتعبير عن هذه التجارب بطريقة تجعلها ممتعة ومؤثّرة للآخرين، ذلك أنّه من خلال نسيج الكلمات والحبكات، يمكن تحويل أبسط الأحداث اليومية إلى قصص ملهمة ولافتة.

وعندما يكتب المرء رواية، فإنّه يخلق فرصة لإلهام الآخرين، وقد يساهم في تغيير نظرة شخص ما للحياة، أو يمنحه الأمل في لحظة صعبة. الأدب يحمل قوة تأثير لا تُضاهى، والكتابة الروائية هي إحدى أهم أدواته. من خلال السرد والخيال، يمكن للكاتب أن يعكس مشاعر الفرح والحزن، الحب والخسارة، الأمل واليأس. هذا الانعكاس يُمكّن القراء من الشعور بأنهم ليسوا وحدهم في تجاربهم، وأنّ هناك آخرين يشاركونهم نفس المشاعر والتجارب.

الحكايات المتخيّلة التي يرويها الكاتب تشكّل جزءاً من هويته الثقافية والشخصية، وهي تخرج البشر من إطار التنميط والتقييد وتمنحهم قدرة على التحليق في عوالم أكثر رحابة..

ومن هنا يجب التأكيد على ضرورة أنّ الكتابة الروائية ليس فرضاً للإجبار، بل دعوة لاستكشاف جانب إبداعيّ قد يكون مخفياً في داخل كل فرد، وهي وسيلة لتحفيز النفس والآخرين، لإيجاد الجماليات المخبوءة في الكلمات، والهرب إلى عوالم خياليّة قد لا نستطيع الوصول إليها في واقعنا. كما يجب التأكيد على أنّ التحليق في الخيال ملح الكتابة الروائيّة وعلامتها الفارقة ونبعها المتجدّد.