هيثم حسين
تعتبر الرواية ملتقى فريداً حيث تتقاطع الفنون بالعلوم، مكاناً يخلق فيه الكاتب عوالمَ خيالية تجذب القرّاء وتثير فضولهم بلا حدود. وفي عالمها، يحتاج الكاتب إلى قدرات مميّزة لبناء عوالم دقيقة، حيث تتلاقى الشخصيات والأحداث في خطوط درامية مترابطة. هذه العملية تتطلّب خططاً متقنة وفهماً عميقاً لبنية القصة وتطويرها بأسلوب يجعلها تنبض بالحياة والمعنى.
الكتابة الروائية تكون نتاج تعبير عن مجموعة من الأفكار المترابطة والتفاصيل المتماسكة التي تشكل بنية الرواية، بحيث يكون الكاتب قادراً على جمع هذه الأفكار بأسلوب يحقّق التوازن بين الجماليّة اللغويّة والعمق الفكريّ، ما يتطلب منه العمل الدؤوب والتحليل الدقيق لكلّ جزء من الرواية.
عندما يفتح القارئ صفحات الرواية، يتخيّل نفسه في عوالم لم يكن يتوقّعها أو يتخيّلها يوماً. هنا تكمن قوّة الرواية في توسيع آفاق القارئ وإغنائه بتجارب ومغامرات يمكن أن تكون غير ممكنة في الواقع. عوالم الخيال تعكس تفاصيل دقيقة من الخيال الإبداعي للكتّاب، وتتيح للقارئ فرصة لاستكشاف أبعاد جديدة من التفكير والتخيّل.
تشجّع الرواية الأفراد على استخدام خيالهم بطرق غير تقليدية، وهي فرصة للهرب من واقعنا اليومي. هذا التحفيز للخيال يمكن أن ينعكس إيجاباً على جوانب حياتية أخرى، مثل الابتكار في العمل وحلّ المشكلات النفسية والاجتماعية.
تمثيل دقيق متخيّل للحياة
تتيح الكتابة الروائية للناس فرصة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بطريقة إبداعيّة، ويمكن أن تكون وسيلة لفهم الذات والآخرين، إذ أن كتابة الروايات تتيح للكاتب استكشاف مشاعر وتجارب متعددة قد لا يواجهها في حياته اليوميّة.وفي الرواية، بينما يتابع القارئ حياة الشخصيات ويشاركها في تحدياتها وانتصاراتها، يربط ذلك بتجاربه الشخصية ويجد تأكيداً لمشاعره وأفكاره الخاصة. هذا التمثيل الدقيق المتخيّل للحياة يمنح القارئ لحظات للتأمّل والتفكير في حياته الخاصة ومستقبله.
يعتبر أورهان باموك، الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام 2006، من أبرز الكتاب المعاصرين الذين تناولوا موضوع الرواية وأهمّيّة الخيال الروائيّ في كتابه "الروائيّ الساذج والحسّاس"، (الجمل، ترجمة ميادة خليل، 2016)، إذ يقدّم باموك رؤية عميقة وشاملة عن قدرة الرواية على مخاطبة البشر في جميع الثقافات واللغات، مستنداً إلى مفهومها كخيال متعدّد الأبعاد، وهو ما يجعلها وسيلة فعّالة لنقل المعرفة وتشكيل الوعي الفرديّ والجماعيّ.
يؤكّد باموك أنّ الروايات تمتلك خاصية فريدة تتمثّل في كونها خيالاً ثلاثيّ الأبعاد. هذه الخاصية تتيح للقراء الغوص في عالم مركب من الشخصيات، الأحداث، والأماكن، ما يخلق تجربة شاملة وحيّة. يمكن للقارئ من خلال هذه التجربة أن يعيش حياة الآخرين، يفهم مشاعرهم، ويشاركهم تجاربهم، ما يعزز من قدرته على التعاطف مع غيره وفهمهم.