سارة سليم
هذه القطعة السردية كُتبت باللغة الفرنسية، لكن نقلتها المترجمة الجزائرية (آسيا علي موسى) إلى العربية بلغة رشيقة، ذلك أن المخزون اللغوي والمعرفي للمترجمة قريب من أفكار الكاتبة ونظرتها للفن، وكذا الفلسفة الحياتية والثقافة المعرفية، خاصة أن الكاتبة كانت رسامة، وتتقن أيضًا اللغتين الفرنسية والإنجليزية. وواضح أن المترجمة أحسنت "التفاوض مع المعنى" -بتعبير الناقد والكاتب الإيطالي (أمبرتو إيكو)- لتعيد كتابة النص مرة أخرى على سبيل الترجمة، وكأنه كتب في الأصل باللغة العربية. هنا ندرك جودة الترجمة التي لا تقف عند حدود إجادة اللغتين، بل تتجاوز ذلك إلى قدرة المترجم على نقل النص بأسلوب ذكي بارع؛ فينقل المترجم التفاصيل بإتقان يُراعى فيه السياق. وفي هذا النص لم تترجم (آسيا علي موسى) النص وحسب، بل تقفّت أثر (نجية عبير) وتقمصت شخصيتها لتترجم روايتها «باب القنطرة».
تعيدنا هذه الرواية إلى فترة ما بعد الاستقلال، وتحديدًا إلى السنوات ما بين 1963م – 1968م حيث استرجعت الكاتبة عبر تقنية السرد الذاتي سيرة أو حكاية خرّيجات دار المعلمين والمدرسة العليا للأساتذة.
واللغة في كتاباتها دائمًا في حاجة إلى تفكيك؛ تقول حين تتحدث عن الحقيبة التي كانت تأخذها معها من بيتهم إلى مدرسة دار المعلمين: "وكانت الأشياء الصغيرة تختفي في حقيبة الظهر". فهي تستخدم لغة تعبر عن الأشياء في عاديتها، لكنها لغة تنتصر لأدبية الأدب؛ كأن تتحدث مثلًا عن تحولات المدينة وما طرأ عليها، والخوف الذي كان ينتابها حين تجتاز الطريق الوطني آنذاك، وكأن: "كل شيء في هذه الطريق يجعل منه موضوعًا للقلق". أو حين تصف الطبيعة ومناظرها البديعة، فهي تشبهها باللوحة التي تتمنى أن تحافظ على هيبتها، تقول: "أغذي نظري من هذه اللوحة قبل أن يخدشها العابرون".
وحين كتبت سيرة روائية لم تكتبها كما تُكتب المذكرات؛ فهي لا تعيد تذكر أو استعادة الأحداث آليًا دون إبداع، وإنما تعتبر نفسها ذاك المؤلف الذي عبر عنه الفيلسوف الروسي (ميخائيل باختين) في كتابه (النظرية الجمالية) بأنه: "جانب من الكل الفني، وهو لا يستطيع أن يتطابق بهذا الكل مع البطل، مع جانبه الآخر. إن التطابق الشخصي في حياة الشخص، أي ذلك الذي نتحدث عنه، مع الشخص الذي يتكلم لا يقلص الفرق بين هذه الفروق داخل الكل الفني. ويكون السؤال المشروع: كيف أصور نفسي بخلاف السؤال: من أنا؟ أو على الأصح من وجهة نظر الطابع الخاص للمؤلف بعلاقته بالبطل".
و(نجية عبير) في «باب القنطرة» صورت نفسها دون الحاجة للإجابة عن السؤال من هي، وهذا هو الخيط الرفيع الذي يميز السيرة الروائية عن السيرة الذاتية الجافة؛ إذ تعكس سيرتها الروائية حساسيتها بوصفها كاتبةً ووعيها الجمالي باعتبارها فنانةً، فحين تصف هضبة المنصورة بقسنطينة أو أحد أحيائها، تقول: "أحياؤها مازالت مودعة لدى الطبيعة" وهنا تترك المجال لخيال القارئ لمعرفة كيف تكون هذه الأحياء المودعة لدى الطبيعة. الأمر نفسه بالنسبة لمعنى «باب القنطرة» الذي اتخذته عنوانًا للرواية دون أن تشرحه ضمن النص بابتذال، إذ تعرف الكاتبة متى توظف معارفها، وهي تختلف عن الكاتب الذي يلجأ أحيانًا لوصف كل شيء تغطيةً لعجزه في توظيف معارفه، أو ما تكلم عنه (آن سوريو) في «قاموس علم الجمال» فيما يتعلق بالحجر في جمالية المنظر، بقوله: "الحساسية لجمالية المناظر، الحية جدًا أحيانًا، لا تترافق دومًا مع معارف ضرورية بغية فهمها. ومع ذلك، لا يليق شح المعرفة بهؤلاء الكتّاب الذين يرتكبون في وصفهم المناظر أخطاء جيولوجية فادحة، كأن يسموا باسم الغرانيت أي حجر يعطيهم الانطباع بالصلابة أو بالتوحش، حتى لو كان في الواقع من الكلس".