الترجمة الإبداعية تنصف "السيرة الروائية": رواية «باب القنطرة» نموذجًا

سارة سليم

من جماليات السيرة الروائية أنها تستحضر الذاكرة بما يخدم الأدب، حيث يسرد الكاتب جانبا من تحولاته الحياتية، يشتبك فيه الخيالي بالواقعي. لكن مع مرور الوقت تدخل كتاباته -أو ما بدا أنها سيرة ذاتية- ضمن ما يسمى بالتوثيق التاريخي، وهذا ما يلحظه القارئ في الرواية السِيَرية «باب القنطرة» للكاتبة الجزائرية الراحلة (نجية عبير) 1948م – 2005م.

هذه القطعة السردية كُتبت باللغة الفرنسية، لكن نقلتها المترجمة الجزائرية (آسيا علي موسى) إلى العربية بلغة رشيقة، ذلك أن المخزون اللغوي والمعرفي للمترجمة قريب من أفكار الكاتبة ونظرتها للفن، وكذا الفلسفة الحياتية والثقافة المعرفية، خاصة أن الكاتبة كانت رسامة، وتتقن أيضًا اللغتين الفرنسية والإنجليزية. وواضح أن المترجمة أحسنت "التفاوض مع المعنى" -بتعبير الناقد والكاتب الإيطالي (أمبرتو إيكو)- لتعيد كتابة النص مرة أخرى على سبيل الترجمة، وكأنه كتب في الأصل باللغة العربية. هنا ندرك جودة الترجمة التي لا تقف عند حدود إجادة اللغتين، بل تتجاوز ذلك إلى قدرة المترجم على نقل النص بأسلوب ذكي بارع؛ فينقل المترجم التفاصيل بإتقان يُراعى فيه السياق. وفي هذا النص لم تترجم (آسيا علي موسى) النص وحسب، بل تقفّت أثر (نجية عبير) وتقمصت شخصيتها لتترجم روايتها «باب القنطرة».

تعيدنا هذه الرواية إلى فترة ما بعد الاستقلال، وتحديدًا إلى السنوات ما بين 1963م – 1968م حيث استرجعت الكاتبة عبر تقنية السرد الذاتي سيرة أو حكاية خرّيجات دار المعلمين والمدرسة العليا للأساتذة.

واللغة في كتاباتها دائمًا في حاجة إلى تفكيك؛ تقول حين تتحدث عن الحقيبة التي كانت تأخذها معها من بيتهم إلى مدرسة دار المعلمين: "وكانت الأشياء الصغيرة تختفي في حقيبة الظهر". فهي تستخدم لغة تعبر عن الأشياء في عاديتها، لكنها لغة تنتصر لأدبية الأدب؛ كأن تتحدث مثلًا عن تحولات المدينة وما طرأ عليها، والخوف الذي كان ينتابها حين تجتاز الطريق الوطني آنذاك، وكأن: "كل شيء في هذه الطريق يجعل منه موضوعًا للقلق". أو حين تصف الطبيعة ومناظرها البديعة، فهي تشبهها باللوحة التي تتمنى أن تحافظ على هيبتها، تقول: "أغذي نظري من هذه اللوحة قبل أن يخدشها العابرون".

وحين كتبت سيرة روائية لم تكتبها كما تُكتب المذكرات؛ فهي لا تعيد تذكر أو استعادة الأحداث آليًا دون إبداع، وإنما تعتبر نفسها ذاك المؤلف الذي عبر عنه الفيلسوف الروسي (ميخائيل باختين) في كتابه (النظرية الجمالية) بأنه: "جانب من الكل الفني، وهو لا يستطيع أن يتطابق بهذا الكل مع البطل، مع جانبه الآخر. إن التطابق الشخصي في حياة الشخص، أي ذلك الذي نتحدث عنه، مع الشخص الذي يتكلم لا يقلص الفرق بين هذه الفروق داخل الكل الفني. ويكون السؤال المشروع: كيف أصور نفسي بخلاف السؤال: من أنا؟ أو على الأصح من وجهة نظر الطابع الخاص للمؤلف بعلاقته بالبطل".

و(نجية عبير) في «باب القنطرة» صورت نفسها دون الحاجة للإجابة عن السؤال من هي، وهذا هو الخيط الرفيع الذي يميز السيرة الروائية عن السيرة الذاتية الجافة؛ إذ تعكس سيرتها الروائية حساسيتها بوصفها كاتبةً ووعيها الجمالي باعتبارها فنانةً، فحين تصف هضبة المنصورة بقسنطينة أو أحد أحيائها، تقول: "أحياؤها مازالت مودعة لدى الطبيعة" وهنا تترك المجال لخيال القارئ لمعرفة كيف تكون هذه الأحياء المودعة لدى الطبيعة. الأمر نفسه بالنسبة لمعنى «باب القنطرة» الذي اتخذته عنوانًا للرواية دون أن تشرحه ضمن النص بابتذال، إذ تعرف الكاتبة متى توظف معارفها، وهي تختلف عن الكاتب الذي يلجأ أحيانًا لوصف كل شيء تغطيةً لعجزه في توظيف معارفه، أو ما تكلم عنه (آن سوريو) في «قاموس علم الجمال» فيما يتعلق بالحجر في جمالية المنظر، بقوله: "الحساسية لجمالية المناظر، الحية جدًا أحيانًا، لا تترافق دومًا مع معارف ضرورية بغية فهمها. ومع ذلك، لا يليق شح المعرفة بهؤلاء الكتّاب الذين يرتكبون في وصفهم المناظر أخطاء جيولوجية فادحة، كأن يسموا باسم الغرانيت أي حجر يعطيهم الانطباع بالصلابة أو بالتوحش، حتى لو كان في الواقع من الكلس".

ولأن "الذاكرة لا تعرف النسيان" كما تعبر عنها (نجية عبير)، فهي تستعيد من خلال سيرتها الروائية قصتها الشخصية كونها واحدةً من أوائل خرّيجات مدرسة المعلّمات في الجزائر المستقلّة، وهي بذلك تستعيد قصة جيل كامل مر على تلك المدرسة ما بين العامين 1963م – 1965م بقسنطينة، كما أنها تسرد تفاصيل التحاقها بثانوية لافيران -المعروفة باسم الحرية حاليًا- بالمدينة ذاتها، ولا يمر هذا الانتقال بداية من ذكريات المراهقة في براءتها الأولى، إلى ذكرياتها مع المكان دون الحديث عن مدينة قسنطينة وتوثيق كل ماله علاقة بهذه المدينة التاريخية. فحين تصف حي السويقة العريق بقسنطينة تعطي الانطباع للقارئ أنه زاره من قبل، إذ تبتكر له من خلال سردها ذاكرة خيالية تجعله يستحضر أشياء لم يعشها، ويحيلني هذا إلى كتاب «القارئ الأخير» حين يقول (ريكاردو بيجليا) أن الرجل: "تصوّر مدينة مفقودة من الذاكرة، وأعادها كما يتذكّرها".

ولا تقف الرواية عند حدود ذاكرتها وذكرياتها بقسنطينة، أي الذكريات الشخصية التي تتقاطع وذاكرة المكان، بل تتجاوزها إلى ذكريات جيل، أحب الأدب، والموسيقى، والموضة، جيلًا كانت القراءة تمثل له "مفردة زهو" بتعبير الكاتب والناقد الإيطالي (إينيو فلايانو)، إذ بفضل القراءة استطاع ذلك الجيل أن يكوّن رؤيته للعالم، تقول "منذ شرعنا في قراءة نفس الكتب، ندخل أنا وليدا في مناقشات لا تنتهي. أصبحنا لا نفترق وتغير أسلوبنا في الحديث مع الوقت. نتفاهم بنصف كلمة أو أحيانًا بإشارة، ونظرة خاطفة تكفينا."

نقلت المؤلفة عن طريق السرد الذاتي وجهات نظر من درسوا في مدرسة المعلمين، وعاشوا فيها "أوقاتا مكثفة" على حد تعبيرها، كما تناولت بلغة عارفة وضعية التعليم بعد الاستقلال وما كان يعنيه أن تكون الجزائر متعلمة، وجزائرية قبل كل شيء تقول: "كان السّيد يحكي لنا مادة التاريخ بصوتٍ متوازن. صوت لا يدع مكانًا لأي التباس. لم يُحمّل التاريخ وجهة نظر شخصية أبدًا، ولكننا كنا نعرف أنه يوقن أن الجزائر لن تكون فرنسية أبدًا. شيء طبيعي بالنسبة لرجل يدرك أن التاريخ يعيد نفسه على الدوام، ولكن الكثير من الناس لا يستشيرون الذاكرة."

وثّقت هذه الرواية فترة مغيبة في الأدب الجزائري وهي مدرسة «الفتيات» ما قبل الاستقلال، إذ تسرد ما بقي مخزنًا في ذاكرتها الشخصية كي تستعيد من خلاله مرحلة مهمة من تاريخ الجزائر، وما بين التذكر والاستعادة تبرز قوة الأدب حين يسد الثغرات التي تخلفها الذاكرة البشرية لتعوض ذلك ذاكرة أدبية تعبر عن الواقع بصدق، لكنها ذاكرة مفتوحة على البحث والنقاش، فحتى: "أقدم النصوص تبقي بابًا مفتوحًا للنقاش دائمًا. وهذه سِمة كبار المفكرين. أدبهم مفتوح للبحث إلى الأبد". كما عبرت عن ذلك في «باب القنطرة»، سيرة (نجية عبير) الروائية التي عرفت من خلالها كيف تقول بلغة صادقة قصتها الشخصية دون أن تخل بشروط الفن الروائي، كما أجادت المترجمة (آسيا علي موسى) الالتحام مع النص فترجمته كما لو أنها من كتبه وكانت معنية بقول أفكاره وتساؤلاته.

عن الكاتبة:
نجية عبير كاتبة جزائرية بدأت الكتابة في سن متأخر (50) وغادرت الحياة في سن مبكر (57) في رصيدها ثلاث روايات "قسنطينة وعصافير الحائط الصغير" (2003) و "الباتروس"(2004) و أخيرًا "باب القنطرة (2005).

في رصيدها أيضًا العديد من القصائد الشعرية.
عن المترجمة:
آسيا علي موسى ناشرة وقاصة ومترجمة جزائرية، صاحبة دار نشر ميم الجزائرية، هذه الدار العربية الرائدة التي عرفت بخياراتها الجيدة وترجماتها المميزة.

لدى آسيا علي موسى القاصة والمترجمة مجموعة نصوص بعنوان «رسائل إلى آدم»، والعديد من الأعمال المترجمة منها رواية «باب القنطرة» التي نشرت باللغة الفرنسية وتكفلت آسيا علي موسى بترجمتها إلى اللغة العربية، وقد صدرت عام 2023 بترجمة ثانية منقحة.