طامي السميري
ليس من مهام المترجم أن ينتج نسخة أفضل من الأصل. المهم أن يكون مخلصا قدر المستطاع للنص الأصلي وثقافته
- د. غزال الحربي
يتفق الجميع على أن الترجمة تمثّل أحد الجسور المهمة التي تصل بين الشعوب وتخلق فضاءات معرفية وإبداعية مشتركة. وأيضًا يتفق الجميع على أن ملف الترجمة يظل الملف الثقافي الشائك الذي تجدد قضاياه وأسئلته وإشكالياته، سواء داخل النص أو في المسارات الثقافية التي تتعلق بالترجمة. وفي ظل اهتمام هيئة الأدب والنشر والترجمة -والتي أطلقت مبادرة (ترجم)- بهذا الملف؛ كان هذا الحوار للمختبر السعودي للنقد مع د. غزال الحربي أستاذ مساعد الدراسات الثقافية والأدب المقارن في جامعة الملك سعود، والحاصلة على درجة الدكتوراه من قسم ثقافات الشرق الأوسط ولغاته من جامعة إنديانا في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد اقتصر الحوار على إشكاليات ترجمة الأعمال السعودية إلى اللغة الإنجليزية:
1-هناك العديد من الروايات السعودية التي ترجمت إلى اللغة الإنجليزية؛ في تصورك ما هي أسباب أو دوافع تلك الترجمات وكيف كان تلقي تلك الروايات؟
الأسباب والدوافع متعددة لترجمة الرواية السعودية إلى اللغات الأجنبية، ولعلّ أهمها بروز ظاهرة الروايات المثيرة للجدل في المشهد الثقافي السعودي والتي حققت أعلى نسبة مبيعات محليًا وإقليميًا، بسبب تناولها للموضوعات الحساسة في المجتمع السعودي المحافظ. حيث قادت هذه الظاهرة إلى بروز اتجاه جديد في الترجمة يركز على ترجمة الروايات الأفضل مبيعًا في السعودية والعالم العربي عمومًا. ولعلّ أبرز الأمثلة على ذلك رواية (شقة الحرية) لـ (غازي القصيبي)، وروايات (تركي الحمد) الثلاثة: (العدامة)، و(الشميسي) و(الكراديب)، وأيضًا رواية (رجاء الصانع) المثيرة للجدل (بنات الرياض). حيث اكتسبت مثل هذه الروايات السعودية الشهرة الواسعة؛ بسبب جرأتها في تصوير الصراعات الاجتماعية والدينية والسياسية في المجتمع السعودي، وكشفها عن قضايا المجتمع الغامضة، فحققت نسبة مبيعات عالية بسبب محتواها المثير للجدل وحظيت باستحقاق الترجمة إلى الإنجليزية واللغات الأخرى.
الدافع الثاني المهم لترجمة الروايات السعودية تمثّل برأيي في الجوائز الأدبية التي حققتها بعض الأعمال الروائية السعودية، حيث لعبت الجوائز الأدبية العربية دورًا مهمًا في إعطاء قيمة إضافية للرواية السعودية وتسليط الضوء عليها، وجذب انتباه دور النشر الأجنبية. فاز (عبده خال) بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2010 عن روايته (ترمي بشرر) التي صدرت في نفس العام. ونتيجة لهذه الجائزة؛ تُرجمت الرواية إلى الإنجليزية في عام 2012 تحت عنوان ((Throwing Sparks، ونشرتها دار بلومزبري قطر للنشر. ثم برزت (رجاء عالم) بوصفها أول روائية تفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2011 عن روايتها (طوق الحمامة) التي نُشرت عام 2010. أدى الفوز بالجائزة إلى ترجمة الرواية إلى خمس لغات عالمية. كما حصلت (أميمة الخميس) على جائزة نجيب محفوظ للآداب عام 2018 عن روايتها (مسرى الغرانيق في مدن العقيق)، ودخلت القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية عام 2019. ونتج عن هذا الفوز صدور الترجمة الإنجليزية عبر دار هوبو للنشر التابعة للجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2021 تحت عنوانThe Book Smuggler) ).
الدافع الثالث للترجمة جاء نتيجة الدعم الحكومي لنشر وترجمة الأدب السعودي، حيث عزز الدعم الحكومي السعودي للمؤسسات الثقافية والتعليمية مشاريع الترجمة الأدبية ونشر الأدب السعودي عالميًا. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مشاريع ترجمة القصص القصيرة التي ترعاها الأندية الأدبية السعودية، مثل مشروع الترجمة في نادي جازان الأدبي الذي أصدر أول مجموعة قصصية سعودية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية عام 2012، وتضم 47 قصة قصيرة كتبها 28 كاتبًا سعوديًا من مدينة جازان. والمشروع الثاني هو مجموعة (زينب الخضيري) بعنوان (رجل لا شرقي ولا غربي)، والتي صدرت باللغة العربية عام 2013 عن نادي الرياض الأدبي، وترجمها نادي جازان الأدبي عام 2017 إلى الإنجليزية تحت عنوان (A Man from No Man's Land). كما أصدر نادي المنطقة الشرقية الأدبي مختارات قصصية باللغة الإنجليزية عام 2019 بعنوان (قصص من المملكة العربية السعودية 1983-2010). هذا بالإضافة إلى جهود المركز السعودي للبحوث والتواصل المعرفي الذي تأسس في الرياض عام 2016، ومن برامجه الترجمة الأدبية والثقافية للروايات السعودية المتميزة إلى اللغات الآسيوية مثل الأوزبكية والصينية والتركمانية والمندرينية. وقد صدر عن المركز عام 20019 ترجمة روايتين سعوديتين إلى اللغة الأوزبكية: (ثمن التضحية) لـ (حامد دمنهوري)، و(سقيفة الصفا) لـ (حمزة بوكيري)، وذلك بالتعاون مع دار النشر والإعلام الأوزبكية أوكيوجي في طشقند. وفي عام 2021. كما أطلقت وزارة الثقافة أولى مبادراتها في مجال الترجمة، مبادرة (ترجم)، لدعم حركة ترجمة الأدب السعودي، وتعد هذه المبادرة اليوم من أقوى المبادرات الثقافية التي تهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين المملكة العربية السعودية والعالم من خلال الترجمة.
توجد أيضًا بعض المبادرات الفردية من قِبل بعض الروائيين السعوديين لترجمة أعمالهم إلى اللغات الأخرى، ومن ذلك ما قامت به الكاتبة السعودية (أميمة الخميس) حيث تولت ترجمة روايتها (البحريات)، وقامت بنفسها بالتواصل مع دور نشر أجنبية، وكان من ضمنها إحدى الدور الأمريكية التي رحبت بها ونشرتها عام 2019 تحت عنوان (Sea Wafted Women).
وأخيرًا، لعبت بعض دور النشر الجامعية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة دورًا حيويًا في نشر الروايات السعودية الحديثة، من خلال أقسام الدراسات الشرق أوسطية التابعة لها. وكان من ضمن تلك الترجمات أعمال روائية سعودية مثل رواية (هند والعسكر) للكاتبة السعودية (بدرية البشر)، ورواية (موتٌ صغير) لـ (محمد حسن علوان)، وكانت هذه الترجمات جزءًا من برنامج جامعة تكساس الذي ينفذه مركز دراسات الشرق الأوسط تحت مسمى سلسلة أدب الشرق الأوسط الحديث في الترجمة.
أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى وصول الأدب السعودي إلى القارئ الأجنبي، أما تأثيرها في الثقافة الأجنبية وطبيعة استقبال القارئ الأجنبي لها؛ فهذه قضية أخرى تحتاج إلى استقصاء ودراسة نقدية تقيس جودة هذه الترجمات من جهة وطبيعة انتشارها واستقبالها من جهة أخرى.
2-هل ستكون النسخة المترجمة من الروايات السعودية أفضل من النسخة العربية؟ وهل سيلعب المترجم دورًا في تحسين جودة النص كما حدث لبعض الروايات العربية التي فازت بجوائز لأنها ترجمت بشكل جيد؟
في رأيي ليس من مهام المترجم أن ينتج نسخة أفضل من الأصل، المهم أن يكون مخلصًا قدر المستطاع للنص الأصلي ولثقافة النص الأصلي، مع الأخذ في الاعتبار بطبيعة الثقافة التي سيترجم إليها. ينبغي أن يكون لدى المترجم الأدبي وعي كبير بالتقاليد الأدبية للغة التي يترجم إليها، وأن يقدم أسبابا مقنعة تجعله يقترح مثلًا بعض التغييرات والتعديلات في النصّ المترجم، بما يتوائم مع محتوى النص الأصلي وتقاليد الثقافة الأدبية في الغرب، فيلجأ إلى بعض الحلول الإبداعية مثل تغيير العنوان أو ترتيب أبواب الرواية أو إضافة عناوين لكل باب كما حدث في رواية (جوخه الحارثي) (سيدات القمر). لكن ينبغي أن يحرص المترجم على إجراء هذه التغييرات بتنسيق مع المؤلف الأصلي ودار النشر. مثل هذه المبررات التي تقود لإنتاج نصّ أدبي مترجم لا يمكن أن نعدّها تحسين للنص في اللغة الأخرى، بقدر ما هي تكييف له في الثقافة الأخرى؛ وهو تكييف قائم على وعي بطبيعة ذائقة القارئ الأجنبي التي تجعل من النص المترجم نصّا مقروءًا بطريقة تتوافق مع طبيعة قراءة النصوص الأدبية في اللغات الأخرى.
3-في رأيك أيهما أنسب لترجمة الروايات السعودية المترجم السعودي أم المترجم الغربي؟
أتوقع أن المؤهل منهما والأكثر معرفة بالثقافتين أجدر وأحق بهذه المهمة، وأعتقد أن النتيجة ستكون مذهلة في حال تعاون المترجم السعودي مع مترجم أجنبي تكون لغته الأم هي اللغة التي يترجم إليها، وتكون لدى كل منهما الخبرة اللازمة في الترجمة الأدبية. وذلك لتعمق الأول منهما في لغة النصّ الأصلي وقدرة الآخر على مراجعة وتدقيق وتكييف النص المترجم وفقًا لطبيعة القراءة في الثقافة المستهدفة. وقد شاهدت في مؤتمرات الترجمة في أمريكا مثل هذا التعاون بين المترجمين ممن يعملون على عمل واحد محدد وكلاهما من ثقافتين مختلفين ويتقنان اللغتين لكن بمستوى مختلف.