على حافة الحياة.. أشباح هاني نقشبندي تفرّ من الماضي

مدحت صفوت

يقول جان جاك روسو «لو انقلبت أحلامي جميعها إلى واقع، لبقيت أشعر بعدم الرضا، ولوددت أن أظلّ أحلم، وأتخيل وأرغب، فأنا أجد في داخلي فراغًا لا تفسير له ولا يملأه شيء. حنين القلب إلى نوع آخر من الإنجاز لا سبيل إلى إدراكه، لكن لا مناص من الانجذاب إليه»، وحين تتحول الأطياف/الأحلام إلى حقيقة، يصير وجودها روتينًا، نستخدم مفردة وجودها هنا بحذرٍ معرفي.

في آخر روايات الروائي والصحفي السعودي الراحل هاني نقشبندي (1963-2023) «قصة حلم»، (دار الساقي-2020)، تسقطُ الفوارقُ بين الحلم والحقيقة، بين العلم والغيبيات، إذ تدور حول أستاذ الفيزياء إسماعيل عمران الوارث لـ«علم تفسير الأحلام» عن والده، والمهموم بصناعة الأحلام من جهة، والربط بين الفيزياء وتفسير الرؤى من جهة ثانية، إلى أن يسقط في دائرة أحلامه، ويسعى إلى تفسيرها، لتبدو حياته وحياة أفراد عائلته «زوجته وابنته وشبح أبيه المتوفي» حلمًا متداخلًا.

إذن، يتطلب الدخول إلى عوالم الرواية المركبة في تقنياتها الفنية والغنية بعوالمها، يتطلب الإيمانَ بالشبحية/ الطيفية Hauntology، المبحث النقدي الذي دشنّ له فيلسوف التفكيك جاك دريدافي كتابه الشهير «أطياف ماركس»، انطلاقًا من مشهد «هاملت» حين التقى بشبح والده العائد في غير وقته للمطالبة بالثأر وليكلف ابنه بمهمة «إنقاذ العالم من العار».

وملخص رؤية دريدا أن الطيف على نحو مجرد، حالة من الوجود واللاوجود، بين الحضور الذي لم يتعين على نحو كلي والغياب الذي لم يتأكد مطلقًا، «شيء» بين الكينونة واللا كينونة، تمثيل للذات عبر الانعكاس، كانعكاس الصورة في المرآة، ما يعني أنّ الذات المتكلمة في نصّ أدبي ليست هي الذات موضوع الكتابة، وليست بالضرورة ذات المؤلف، كما أن الفرد حين يحاور ذاته لا يعني التحدث إلى الذات نفسها، لكن يعني تشظيه هو إلى فردين وجود متعين وشبح طيفي، حضور وغياب.

ونقشبندي، الذي رحل في سبتمبر/أيلول 2023، ومرت ذكراه الأولى قريبا، عَمد في خطابات روايته السابعة والأخيرة، إلى تداخل معقد بين الواقع والحلم، بين الأشخاص في وجودهم المتعين وأطياف الراحلين، فإسماعيل حياته سلسلة من الأحلام، «ما حدث لم يكن حلمًا مطلقًا ولا حقيقة عن يقين. ما حدث كان شيئًا بين الحالتين»، (الرواية ص71)، محققًا هدفه في جذب القارئ منذ الصفحة الأولى حتى نهايتها.

عدوى الحُلم تصيب ابنته ساندي، بعد أن ورثها عن الشيخ عمران، والذي يعاود الظهور «شبحًا» يستحث الابن على استكمال الطريق، في تداخل بين هاملت ووالده، وتتكاثر الأحلام حتى تحلم الشخوص وهي مستيقظة، ليبدو الحكي حلمًا بطبيعته، سياقات طيفية، يختلط فيه الواقع بالمتخيل، المادي باللامادي، الأنطولوجي بالهانتولوجي/الشبحي، الأمر الذي نحاول أن نتبينه في هذه القراءة.

الحلم أقوى من الحقيقة

أغلبنا، إن لم يكن جميعنا، قرأ في قصة ما، عن البطل الذي يحارب الأعداء الأقوياء ويدخل في سلسلة من المغامرات، حتى يصبح على وشك الموت، فيستيقظ البطل من النوم، وندرك أنه كان يعيش كابوسًا، مؤكد أن أغلبنا شعر بالخيبة كثيرًا من اللجوء إلى مثل هذه التقنيات المتاحة، والحيل البسيطة غير المركبة.

ومع هذه النظرة البسيطة لفكرة الحلم، التي تُستعمل لجذب القارئ، ثمة تقنيات أكثر تعقيدًا لاستعمال الحلم في الأعمال الأدبية عمومًا، والكتابة السردية على نحو خاص، وباتت كتابة الحلم مسألة فنية يمكن أن تكشف عددًا من المسائل حول الشخصية؛ مثل الرغبات المكبوتة، والمخاوف بشأن المستقبل أو الماضي، كذلك للتنبؤ بأشياء قد تأتي، لتهيئة الحالة المزاجية، أو للكشف عن الفلاش باك، فضلًا عن توسعة معنى الحلم وعدم الاقتصار على الرؤى المنامية، ليشمل المفهوم كل الرغبات والنوازع والأماني، وبالطبع أحلام اليقظة.

ويعتقد بعض الناس أن الأحلام ليست حقيقية لمجرد أنها ليست مصنوعة من مادة، لكنّ إسماعيل يرى أنها من صور وذكريات وتورية وآمال مفقودة، وبالطبع قبل كل ذلك من وجهات نظر، مما يجعلها حقيقة على نحو ما، أو لنكن دقيقين، صورة طيفية من صور الحقيقة. وهذه العلاقة الطيفية بين الأحلام والحقيقة، لا تسقط القوة التي يتمتع بها الحلم عن الواقع، أو بقول جيه آر. تولكين «حلم واحد أقوى من ألف حقيقة».

تبدأ معركة إسماعيل حين يكتشف أن إحدى الجامعات الألمانية التي يتعاون معها ليست نبيلة في غاياتها من دراسة الأحلام، فيقرر أن يتوقف عن التعاون معها، لكن مسؤولي الجامعة يطاردونه في كل مكان، للحصول على نتائج بحثه، وخلال مؤتمر علمي بالعاصمة السعودية تبدأ الأطياف بمطاردته، بدءًا من الحلم الرئيسي «الخيمة المثقوبة» والتي تطالبه أحلامه بـ«رتقها» ص68، مرورًا بهيئة الشيخ عمران، وليس انتهاءً بالشيخ عبد الحفيظ وأحد عشر رجلًا يشهدان على تسلم إسماعيل أمانة والده حين يبلغ الابن سنّ الأربعين.

يقرر إسماعيل البحث عن «السر»، فتبدأ رحلته السردية من ألمانيا إلى الرياض إلى القاهرة، ثم إلى إسطنبول ومراكش، قبل أن يعود أخيرًا إلى العاصمة المصرية، رحلة أدت إلى تفسخ علاقاته خاصة بأسرته الصغيرة وأصدقائه المقربين، فاتسعت الفجوة بينهم، وصار أشبه بمن يهذي طوال الوقت «فما عاد يميز بين الواقع والحلم» ص94. وتستحيل الحياة برمتها إلى حلم تخييلي Fictional Dream، الأمر الذي يؤدي إلى احتمالية ربط القارئ بين الرواية وأشهر الأعمال الأدبية في التراث الإنساني الممتلئة بالأحلام، بوصفها شبحًا للواقع، ألف ليلة وليلة، أو غيرها من الكتب التي يمكن أن نتصورها أحلامًا أو نتاج أحلام.

في قبضة الأشباح

سرديًا، تأتي الرواية بوصفها فصلًا واحدًا، حكيا مستمرا دون توقف، قصا مليئا بالتفاصيل المتوالد بعضها عن بعض، والتي تحول المشهد الواقعي، المكتمل حدثه في الماضي، والمروي بصفته حقيقة، إلى مشهد طيفي وحدث شبحي، لا نعرف على وجه الدقة هل حدث فعلًا كما تصرح اللغة في مستواها المباشر، أم لا يزال المحكي تصورًا تجري وقائعه وقت الحكي، وتُبنى تفاصيله في التو وهنا.

ورغم هذا التداخل، يقع إسماعيل في أسر الماضي، القريب أو البعيد، فالأحداث أغلبها وقعت وتمت واكتملت، لكنّ الحكايات تأتي من الذاكرة، والسرد يُستحضر من الميراث الثقافي، بشقيه الرسمي والشعبي. الذاكرة التي دفعت كثيرًا إلى استحضار تقنية الفلاش باك، وحديثنا عن التقنية السردية المعبرة عن التذكر بالضرورة هو حديث عن الأطياف، والتي يعدّها دريدا واحدة من سياسات الذاكرة والإرث والأجيال.

إذن الوقوع في أسر التذكر، أو بالأحرى أسر الموروث وقوع في قبضة الأشباح، من باب اللغة، وترى ما بعد الحداثة أن اللغة أحد أهم العوائق نحو معرفة الحقيقة. فاللغة وسيط المعرفة، لكن لا يمكنها أن تعبر عن الحقيقة بكفاية، ذلك لأن هناك شرخــًا كبيرًا بين الكلمات والحقائق التي يفترض أن تعكس فحواها. فالكلمات لن تعرض الحقيقة الموضوعية، لأنها -أي الكلمات- أفكار أو اتفاقيات بشرية. وعليه فإننا لن نتمكن من معرفة الحقيقة الموضوعية إذا ما وظفنا هذه الاتفاقيات. وكل ما يمكننا أن نحصل عليه هو خلق «شبح» الحقيقة بوساطة الكلمات، ونستحضره غالبًا من الذاكرة، وليس من طبيعتنا، فعليًا لا يوجد طبيعة بشرية بحد ذاتها. نحن ما نقوله (نحن) عن أنفسنا.

واحد من هذه الأشباح الماضوية، شبح الأب عمران «الميت الحي الذي يزوره في شرفة فندقه، ويحادث ابنته» ص80، يعاود الظهور والتوصية، ليست هنا كوصية والد هاملت، إنما السعي، هذه التكرارية ومعاودة الظهور تجعل من الفرد «الميت» ساكنًا الحاضر، حاضر إسماعيل وعائلته، وكلما سار الإنسان وراء أشباح الراحلين، اتسعت ثقوب الخيمة وأصبحت كبيرة «ستتمزق إن لم نرتقها» ص191، لكنها نتيجة يصل إليها إسماعيل ربما بعد فوات الأوان، إذ صارت حياته كابوسًا ممتدًا، ولم يعد لها معنى، وفقدَ القدرةَ على أن يحياها، رغم سعيه إلى الوصول إلى حياة أكثر هدوءًا، لكنها غاية شغلته عن الحياة نفسها.

في النهاية يدرك إسماعيل أنه خسر الحياة، بقدر انشغاله بها انشغل عنها، ذلك الانشغال في شقيه يستجلب بالضرورة الاهتمام بموضعين آخرين؛ الجسد والموت، الأول خاضع لسياسات التأديب والتطبيع والجندرة والتجنيس والعولمة، وليس ببعيد عن الجسد، كان الموت حاضرًا، ربما بسبب أن الجسد هو المظهر الملموس من الحياة، ومن ثمّ فإن خارجه يقع الموت.

أحد التأويلات التي يمكن أن تشير إليه القراءة الشبحية، أن الأب وأمانته «لا تخبر بها أحدا. وإن أعيتك فاحرقها» ص256، هي ميراث الماضي، الذي يتعلق به إسماعيل أكثر من عنايته بالحاضر، الزوجة والابنة والعمل، ذلك الاهتمام المبالغ فيه حتى الإعياء، جراء القهر الذي تمارسه أشباح الإرث، دون وجود متمردين يهبون لقطع الطريق على الذاكرة والحلم الماضوي معًا، ليقرر متأخرًا وهو على فراش الموت حرق الإرث، هل نقول يتخلص من ماضيه؟ خاصة بعد أن بقي مُطاردًا للوهم/ الشبح، دون أن ينتبه إلى أن ملاحقة الشبح جرت في المكان، دوران حول الذات، نتيجتها الحتمية الدّوار، وثمرتها الفعلية الإمساك باللا شيء.