تحديات الناقد الثقافي العربي وأسئلة المستقبل

أ.د. محمد الشحات

هل يستطيع الناقد العربي المعاصر الذي تشكَّل وعيه في العشرين أو الثلاثين عامًا الماضية -في ظِلّ هذا الفضاء المتخم بالفوضى واللايقين وغياب الحريّات وتلاشي حلم الدولة المدنيّة التي تتأسّس على مبادئ الحرية والعدل الاجتماعي والتسامح- استئنافَ مشروع التنوير العربي الجديد؟ هل يمكن، وفقًا لطموحات النقد الثقافي العربي الذي بدأ خطابه (النظري) في التشكّل حثيثًا، أن يُقدّم النقّاد العرب الجدد في السنوات العشر أو العشرين المقبلة ما يجعلهم امتدادًا أصيلًا لمشروعات طه حسين ومحمود أمين العالم ولويس عوض وشكري عيّاد ونصر حامد أبو زيد وجابر عصفور وجمال حمدان وعبد الوهاب المسيري وحسن حنفي، وغيرهم؟[1] ما صورة ذلك الناقد بعد عشرين أو خمسين عامًا؟ ما طبيعة التحديّات التي سيواجهها [2]الناقد أو النظرية ذاتها؟ وكيف ستكون استجابة الناقد العربي المعاصر لهذه التحديات سلبًا وإيجابًا؟

ليس ثمة نقد ثقافي cultural criticism ونقد أدبي literary criticism يقفان موقف التضاد الذي يعني خلود أحدهما وفناء الآخر. فالقول بتضاد النقد الأدبي والنقد الثقافي قول مجازي أو استعاري محض، والفصل بينهما فصل إجرائي محض أيضًا، نقوم به نحن النقّاد والأكاديميين في قاعات الدرس ومختبرات تحليل النصوص لضبط بوصلة المنظور المنهجي لكل عملية قراءة نصّية أو تحليل ظاهرة من ظواهر الأدب والثقافة ليس إلَّا. لكننا عند خوض غمار الممارسة الفعلية نتخلّى عن أغلب هذه التقسيمات الافتراضية ليكون التركيز التام على النصوص فحسب في استقراء أنساقها المتعدّدة. وكما أطلق دريدا عبارته الشهيرة "ليس ثمة شيء خارج النص"، واعتبرها فنسنت ليتش "بروتوكولًا" أو شعارًا للنقد الثقافي، وهي صحيحةٌ في جملتها شريطة أن نضع "النص" في سياقه الأوسع الذي هو دائرة الثقافة أولًا وآخِرًا، وإلّا استحال النصّ كيانًا "أصوليًّا" منغلقًا على ذاته، فإن "الثقافة" ذاتها هي في الأصل "نصّ" هو حاصل ضرب[3] -لا حاصل جمع- سلسلة تناصّات متتالية.

أصبح الناقد العربي اليوم مطالبًا بمواجهة حزمة من التحدّيات هي أشبه باختبارات التأهيل. وهي تحديات ثقافية عامة تواجه المثقَّف قبل الناقد المتخصِّص؛ كي ينتقل خطابه النقدي الذي هو خطاب فكري من مستوى تحليل النصوص (أي تحليل الجزئيات في تمظهراتها البنيوية أو الأسلوبية أو الثيماتية)، إلى تأويل الخطابات والأنساق (أي تركيب الكُلّيّات في ضوء مرجعياتها)، ومن تحليل الأساليب والبِنَى ووصف شعريّتها إلى تحليل الأنساق وتفكيكها أو نقضها وتعرية مضمراتها التي هي مضمرات الثقافة الكامنة وراء تشكّل النصوص. وعلى الرغم من تنوّع هذه التحدِّيات وتعالقاتها، يمكن إجمالها في سبعة عناصر رئيسة متداخلة تواجه الناقد الثقافي العربي [4]. أولها "تحدّي الهيمنة الأيديولوجية" (من المواءمة إلى المناهضة)، ثانيها "تحدّي سلطة الجِندرية" (من التماثل إلى الاختلاف والتعدّد)،

ثالثها "تحدّي نقاء النوع الأدبي" (من النقاء إلى الهُجنة)، رابعها "تحدّي الأحادية المنهجيّة" (من أحادية المنظور إلى تعدّد الممارسات)، خامسها "تحدّي المرجعية الثقافية" (من المحلّية إلى القومية والإنسانية)، سادسها "تحدّي القيمة الجمالية"[5] (من المعيار الثابت إلى المعايير المتغيّرة)، سابعها "تحدّي التخصّصية الدقيقة" (من الانغلاق والاكتفاء إلى الانفتاح والتلاقح)، فضلًا عن عدد آخر من التحدِّيات التي تشتبك مع العناصر السابقة بدرجات متفاوتة من التداخل أو التقاطع؛ تشكِّل جميعها تحديات الثقافة العربية المعاصرة.

هل ثمة مستقبل للنقد الأدبي؟ ما الكيفيّة التي سيكون عليها بعد عشرين أو خمسين عامًا؟ للإجابة عن هذا السؤال، لابد من العودة إلى الفلسفة أولًا. ولنبدأ بطرح السؤال ذاته عليها. هل ثمة مستقبل للفلسفة؟ إذا افترضنا أنه يجب علينا أن نسلك سلوك المؤرّخ فلن نكون قادرين على تحديد الطريقة التي سيكون عليها مستقبل الفلسفة إلّا فيما يتعلق باستنتاجاتنا المستمدّة من معرفتنا الدقيقة بصيرورة الماضي والحاضر. في حقيقة الأمر، علينا عدم الوثوق بأي نظام أو نسق أحادي البُعد. هكذا يُنبئنا تاريخ الأفكار الآن. لنكن ديكارتييّن أو سبينوزييّن أو كانطيّين، ليس هناك نظام حقيقي للفلسفة، وليس ثمة شيء يُدعَى التقدّم الفلسفي. فالفلسفة ذاتها ليست سوى تاريخ الفلسفة وتاريخ الأفكار أو تاريخ الفكر الفلسفي. يمكن أن نعثر على بعض الدعم لهذه الفكرة من لدن التاريخانيين أو التاريخانيين الجدد أو من المُستقبليّين [6]. بزغت الفلسفة في بداياتها بوصفها نشاطًا فكريًّا منشغلًا بالبحث عن الحقيقة. والبحث عن الحقيقة بحث عن المعنى. لذا، لم يكن ثمة فارق كبير بين رجل العِلم (العالِم) ورجل الفلسفة (الفيلسوف). لقد تداخلت الوظيفتان والهويّتان في خطاب الفلاسفة العرب والمسلمين، منذ أبي يعقوب الكندي وأبي نصر الفارابي والشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا. ولم يفترق العالِم عن الفيلسوف إلا مع تبلور الاهتمام بالفلسفة بوصفها نشاطًا [7]جامعًا يمكن أن يستغرق حياة المرء بأكملها، كما حدث مع أبي حامد الغزالي وأبي الوليد ابن رشد ، ومن تبعهما. وقد انقسم العقل العربي في فترات لاحقة بين الغزالي (الأشعريّ)

وابن رشد (العقلانيّ)، ونظروا إليهما بوصفهما ثنائية ضدية كما ذكرنا سابقًا. الفلسفة نشاط معرفي، وليست علمًا بالمعنى الذي تنطوي عليه العلوم الطبيعية. والنقد الأبي كذلك نشاط فكري وممارسة لمبادئ العلم في مجال مخصوص هو قراءة النصوص وتحليلها. فإذا كان العلم بمعناه الطبيعي يخضع للتراكم وتتابع النظريات التي يُلغي الحديثُ منها القديمَ أو ينسخه أو يُعدِّله، فإن النشاط الفكري حركة دائرية لا تتوقف، كحركة الفلسفة والنقد الأدبي. لا موت للنقد الأدبي ولا بقاء للنقد الثقافي إلا في ارتباطهما معًا.

ربما بعد عشرين أو خمسين عامًا، سوف يصبح النقد الثقافي جزءًا من أرشيف النقد في العالم؛ أي جزءًا من تاريخه الموضوع على أرفف المكتبات، جنبًا إلى جنب التاريخانية الجديدة والتفكيكية ودراسات ما بعد الاستعمار والجنوسة، بينما مجتمع النقّاد يترقّب بزوغ مقاربة جديدة يحملها المستقبل في أحشائه.


    المصادر و المراجع
  • [1] يطرح يحيى بن الوليد هذا السؤال المهمّ من منطلق ثقافي واضح، متسائِلًا عن أسباب حضور أو غياب المثقف العربي في السنوات الأخيرة. راجع: يحيى بن الوليد: أين هم المثقفون العرب: سياقات وتجليات، تحليل ثقافي، دار أزمنة، الأردن، الطبعة الأولى، 2010.
  • [2]يمكن طرح التساؤل ذاته على النقّاد العرب من الجيل الجديد بما يجعلهم امتدادًا أصيلًا لمشروعات أدونيس ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وهشام شرابي وجورج طرابيشي وطيب تيزيني وبرهان غليون وعلي الوردي وفيصل دراج ويُمنَى العيد وسلمى الخضراء الجيوسي وعبد الله الغذامي ومحسن جاسم الموسوي وعبد الله إبراهيم وسعيد يقطين، وغيرهم. وهنا يتساءل محسن جاسم الموسوي: "ما الضير في قراءة ردّ محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس على "مستقبل الثقافة في مصر" لطه حسين على أنه نقد ثقافي؟ ثم، لماذا لا تبدو كتابة طه حسين كذلك؟ ومثل هذه الأسئلة تحتّم علينا المضيّ في تناول أسئلة مثارة الآن، كما أثيرت من قبل حول القدم والحداثة، والتاريخ والسرد، والأمة والتراث، والشعوبية والقومية، والموورث الشعبي والأدب (الرفيع). هذه الأسئلة لم تمت، كما لم تمت القراءات التي بدأت تبحث عن انقطاعات غريبة ومريبة في التاريخ". انظر: محسن جاسم الموسوي: النظرية والنقد الثقافي، الكتابة العربية في عالم متغير، واقعها، سياقاتها، وبناها الشعورية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت- الأردن، ط1، 2005، ص 28.
  • [3] في التفكير الرياضي، ثمة فارق كبير بين المعادلة د. س = أ + ب + ج والمعادلة د. س = أ ب ج. الأولى تعني حاصل الجمع الذي لا يتجاوز مجرد التراكم والإضافة، في حين تعني الثانية حاصل ضرب أو تفاعل كل العلاقات الممكنة بين الأجزاء. المعادلة الأولى أقرب إلى فلسفة التشبيه في حقل البلاغة العربية الذي يجاور بين الأشياء، والثانية تقترب كثيرًا من فلسفة الاستعارة التي تهدف إلى تذويب العلاقات وتفاعل الأجزاء وتماهي الحدود بين الموجودات.
  • [4]لمزيد من التفصيل والتحليل، انظر: محمد الشحات: النظرية وتحديات الناقد الثقافي: مساءلات وممارسات في الخطاب الأدبي والنقدي العربي، دار أثر، الدمام، 2022، ص 36-46.
  • [5] راجع: سايمون ديورنغ: الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية، ترجمة: ممدوح يوسف عمران، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يونيو، 2015، ص 307
  • [6]رمضان بسطاويسي محمد: الفلسفة والمستقبل: الدراسات المستقبلية من منظور فلسفي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2020، ص 212- 226.
  • [7] يشترك أربعة من الفلاسفة المسلمين هم الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد في ممارسة الطب والفلك والرياضيات وبعض العلوم الأخرى إلى جوار الاشتغال بالفلسفة. في حين اكتفى الغزالي بالفقه والتصوف فحسب. ويعدّ أبو الوليد ابن رشد (المعروف في أوروبا باسم Averroes) صاحب الجهد الأكبر في قراءة وترجمة وشرح آثار أفلاطون وأرسطو، وهضم أفكار الفارابي وابن سينا تحديدا. وبخصوص أثر ابن رشد في التراث الفلسفي الأوروبي، يمكن مراجعة "موسوعة كمبريدج في الفلسفة العربية": The Cambridge Companion to Arabic Philosophy, Edited by: Peter Adamson and Richard C. Taylor, Cambridge University Press, 2004, P.181-200