يا مل ويا وجودي في الشعر النبطي

ناصر بن فهد المجماج

الشّعر النّبطي هو الامتداد للشّعر الفصيح، لا يختلف عنه سوى في لغته العامية وتحرّره من قواعد النحو وإن كان يزيد قيدًا على الفصيح بإلزام شاعره بقافيتي الصدر والعجز في أغلب بحوره، ونلاحظ التأثر الكبير من شعراء النّبط حتى العوام منهم بالشعر الفصيح، ومن هذا ما نجده في مطالع قصائدهم بعبارة (يا مل قلبٍ) كقول فهيد المجماج:

يا مل قلب من شديد العرب جا ض              كما يجوض إلى أونس الكي ممرو ض

وهي محرّفة من: (يا من لقلبٍ) في مثل قول خفاف بن ندبة السلمي:

يا مــن لقلبٍ شديد الهمّ محزون              أمسى تذكر ريّا أم هارون

فخفاف يتساءل: من لقلبه المحزون عندما يحنّ شوقًا لمحبوبته؟ ومثله يتساءل فهيد: من لقلبه الذي أنّ ألمًا (جاض) كما يئنّ المريض إذا اكتوى بالنّار؛ وسبب ألمه رحيل قبيلة معشوقته، وهذه العبارة تكررت في أغلب مطالع قصائد النبط القديمة.

وإذا نظرنا إلى مواضيع الشعر وجدنا أن شعراء النبط قد توسعوا في بعض المواضيع التي استلهموها من الفصيح فأصبحت سمة أشعارهم، مثل: وصف الوجد، فاشتهر ما يعرف بمصطلح (التوجّد) أو (التوجاد) كقول سعد بن جدلان:

لو التوجاد قدمي فات متوجد               قلت آه ثم آه يا وجدي مية وجده

وأصل وصف الوجد أن يصف الشاعر مشهدًا لمن أصابه حزن شديد ثم يشبّه حزنه أو يقارنه بحزن ذلك المهموم كقول المجنون:

فما وجدُ أعرابيَّةٍ قذفت بها صُروفُ النّوَى من حيثُ لم تكُ ظنَّت
إِذا ذَكَرَت نَجداً وَطيبَ تُرابِهِ وَخَيمَةَ نَجدٍ أَعوَلَت وَأَرَنَّتِ
بِأَكثَرَ مِنّي حُرقَةً وَصَبابَةً إِلى هَضَباتٍ بِاللَوى قَد أَظَلَّتِ
تَمَنَّت أَحاليبُ الرِعاءِ وَخَيمَةً بِنَجدٍ فَلَم يُقدَر لَها ما تَمَنَّتِ
لَها أَنَّةٌ قَبلَ العِشاءِ وَأَنَّةٌ سُحَيرٌ فَلَولا أَنَّتاها لَجُنَّتِ
بِأَوجَدَ مِن وَجدٍ بِلَيلى وَجَدتُهُ غَداةَ اِرتَحَلنا غَدوَةً وَاِطمَأَنَتِ

فهو يصف ما يجده من حزن بأنّه أشد مما وجدته الأعرابيّة حين غربها النّوى، ويستطرد بوصف ما تتذكّره في موطنها؛ محاولاً جذب القارئ ليتخيّل المشهد المحزن في حياتها، ويقارنه بحزنه لفقده ليلى، ومن هنا انطلق شعراء النّبط فاستطردوا في تصوير حالات حزن عميق بمشاهد دراميّة، مثل قصيدة ضويحي الهرشاني: حين يشبّه حزنه على محبوبته صاحبة الضّفيرة الشقراء التي (تلّت) شدّت قلبه شدًا عنيفًا كما يُشد السيب (الغيص) من عمق البحر؛ لإخراجه قبل انقطاع نفسه والسيب: من يشدّ الحبل المربوط بالغوّاص (الغيص) الباحث عن اللؤلؤ في عمق البحر، وذلك بقوله:

صاحب القرن الأشقر شد قلبي وتله              تلة السيب غيصه من بحور الظلامي

إلى قوله:

يا وجودي عليها وجد من فاطـر له غره النوم عنها في فروع المظامي
فوقها قربته ونعوله ومزهب له واختفت جرة الفاطر غطاها العسامي
بالحتيفة لحاله والدحل ما يدله ما حواليه من يعطيه حمض العلامي

فيصور ما يجده من حزن بما وجده ذلك المسافر الوحيد الذي غلبه النوم وهو في الصحراء القاحلة (فروع المضامي) فهربت ناقته وعلى ظهرها حذاءه و قربته و زاده ، وهو في أرض وعرة مليئة بالصخور (حتيفة) فيصعب السير فيها، ولا يستطيع كذلك أن يتتبع ناقته لأن (العسام) الهواء المصحوب بغبار قد أزال أثر أخفافها، ولايعرف مكان(الدحل) وهو تجويف أرضي من أنواع الكهوف يكون فيه الماء في الغالب، فلا يستطيع أن يسير لصعوبة الأرض ولعدم توفر الماء ولا يهتدي للمورد، فهو يصور لنا مشهدًا دراميًا تراجيديًا ينقلنا من خلاله لمساحة حزنه ، فما وجده صاحب هذه الناقة من حزن وهم في هذا الموقف مماثل لما يجده شاعرنا بسبب حبه لمعشوقته، هذا من تصوير الشعراء لمشهد واحد في القصيدة.

وأحيانا يصور الشاعر حالات عديدة يجمعها حزن أصحابها الذي يشبه حزنه، مثل قول حمد العيطلي:

يا وجودي وجد من حط معروفه وضاع بين بوّارٍ وما بين جحّاد الجميل
أو وجود اللي ورد له على تسعين باع لطّموا الأنذال ذوده وهو ربعه قليل
أو وجود مدور بكنّة الجوزا ضياع وانثنى طرادها بعد بار به الصميل
أو وجود اللي فقد ماقف القرم الشجاع محزمه بالضيق لا جاه مختف الشليل
ووجود صغير فاقٍدٍ حلو الرضاع ماتت أمه والمنايح حلال القوم حيل
لا بعد يشرب من الما ولا ياكل متاع كل ما هزوا مهاده يطنب بالعويـل
من مفارق واحد حط في قلبي رقاع كل مطلب رحمته قال لي خلك ثقيل

فالشاعر يصوّر لنا عدّة مشاهد والجامع بينها حزن أصحاب هذه المواقف المشابهة لحزنه على فراق محبوبته، ففي المشهد الأول يصوّر حزن الرّجل الباذل للمعروف بسبب خذلان أصحابه الذين أنكروا فضله والمشهد الثاني يصوّر فيه حزن صاحب الإبل الظمأ التي أوردها لبئر عُمقها تسعون باعًا، وقد كان على المورد أوغادٌ ضربوا إبله وطردوها فلم يستطع سقيها، ولا حيلة له بهم لأن أعوانه قليل، ثم ينتقل للصورة التالية: وهي حزن صاحب الإبل حين ضاعت في أشدّ مواسم الصيف حرارة (كنة الجوزاء) فذهب للبحث عنها ولكنه اضطر للعودة وتركها (انثنى) حين أدرك أن قربته لا تسعفه (بار به الصميل) فلا يستطيع إكمال البحث حتى لا يهلك عطشًا، وفي الصّورة التي تليها: نشاهد حزن شخص يتعرض لهجوم سريع من عدوه (مختف الشليل) وقد فقد سنده في الحياة ذلك الرجل الشجاع (محزمه في الضيق) ثم يختم هذه المشاهد بمشهد الطفل الرضيع الذي ماتت أمه وهو لازال في سنٍ لا يستطيع شرب الماء أو أكل الزاد ، وكل بهائمهم (حيل) جمع حائل وهي غير منجبه فلا حليب فيها، فهو دائم البكاء وكلما هزوا مهاده زاد صراخه (يطنب بالعويل).

كل هذه المشاهد التي وصفها شاعرنا يحاول أن يصوّر لنا حزنه المماثل لحزن أصحابها ولوعتهم؛ والسبب: فراق محبوبته الذي أورث قلبه آلامًا بالغة، فأصبح قلبه ممزقًا مليئاً بالرقع التي حاول من خلالها ترميمه.

هذان نموذجان لظاهرة سائدة في الشعر النبطي وإن كان الشعراء المعاصرين لا تستهويهم رسم مثل هذه الصور في قصائدهم، حتّى أن ابن جدلان عندما أراد وصف وجده في مطلع قصيدته، عدل عن ذلك فاكتفى بدعاء الله أن يصلح أمره: (في قوله يا وجودي؛ يالله إنك تزينها تزين).