د إبراهيم العثيم
يُعد الفقد تجربة إنسانية تلامس الشعور فتظهر انعكاساتها على الجوارح حزناً، وبكاءً، وتعابيرَ لفظية، وجسدية، وهي من التجارب التي ربما تخطّت الأفراد فشكّلت ذاكرة جمعيّة تعبّر عن المأساة المشتركة مكانًا وزمانًا، فحملتها الآداب الشعبية جيلاً بعد جيل، والعرب في تاريخهم عبّروا عن الفقد في صورٍ كثيرةٍ شملت مفارقة الأعزّاء والمكان والزّمان بالموت أو الرّحيل أو تقدّم العمر، وقد خلّدت كتب الشعر قصائد عبّرت عن الفقد، ومنها قصائد شعبية بكتِ الأطلال ومفارقة الحمى ورثتِ الموتى وتحسّرتْ على سنواتِ الشّباب، ومن الأشعار ما عبّر عن فقد المرأة أُمّاً وزوجًا وأختًا وبنتًا، وإنْ كان ظهورها في الشّعر الشّعبي قليلاً، هذهِ الورقة تستعرض بالتّحليل نماذج من الشّعر الشّعبي السّعُودي عبّرتْ عن فَقد الزّوجة أو المحبوبة، سواءً كان الفقد بالموت أو بالرّحيل أو بالفراق. تُقارن الورقة بين الأساليب الشّعرية في التّعبير عن الفقد في ثلاثة نماذج للفقد، الموت والرّحيل والفراق، عند ثلاثة شعراء مُختلفين: ابن لَعبون وابن جعيثن وابن سبيّل.
إلى أن يقول:
عفيف الجيب ماداس الملاما *** ولا وقّف على طرق المخازي [1]
في مطلع القصيدة يدعو الشاعر ربّه أن ينزل الغيث حيث المكان الذي دفنت فيه فقيدته في أرض الحجاز، ثم يواصل القصيدة بسرد صفاتها وعفّتها وحشمتها. وربما لا يصرّح الشّاعرُ باسم محبوبته، بل يكنّي ويكتفي بوصفها إجلالاً لقدرها وحفظاً لسمعتها. [2] ويغلب على رثاء من فُقدن بالموت كثرة الدعاء واستشعار الدار الآخرة وذكر محاسن الفقيدة. وتحضر هيبة الموت فلا يتطرّق الشّاعر لأوصاف حسيّة في الغالب، ويكتفي بذكر المآثر والصفات الحميدة، ثم يبين مكانتها بين النساء فيقول:
سلينا لا حلال ولا حراما *** عليهن الطلاق بلا جوازِ
فلم يعد يرغب بأي امرأة بعد محبوبته.
وقد لا يكون الفقد بالموت، بل بالرحيل والسفر والهجرة، وقد كان بكاء الأطلال في القصائد العربية مفتاحاً للحديث عن المحبوبة التي رحلت وظلت آثار أهلها وبيوتهم. وكذا الشعر الشعبي عبر عن فراق المحبوبة التي رحلت وتركت الديار. فممن كتب في فقد محبوبته التي هاجرت الشّاعر إبراهيم بن جعيثن إذ يقول:
لا والله اللي صار للبدو نجناج *** ردّوا وطووا ودّهم بالمسانيد
غادي لهم مع طلعة الشّمس لجلاج *** شدّوا بخلّي عقب جاني المواعيد [3]
يبدأ الشّاعر قصيدته بالحديث عن قلبه الذي لم يتغير في حُبّ البدو، ثم يعرج في البيت الثاني على أحاديث أهل محبوبته ونيّتهم الرّحيل، ثم مع طلوع الشّمس شدّوا خيامهم ورحلوا إلى غير رجعة. يتحدّث الشّاعر واصفًا محبوبته التي ارتحلت مع أهلها فيصف المكان الجديد الذي حلّوا به، ثم يُتابع وصف محاسنها الجسديّة ورائحة ثيابها ويتحسّر على أيّامهم السّابقة وأحاديثها معه فيقول:
وممن كتب شعرًا في فقد زوجته بالمفارقة أو الطّلاق الشّاعر عبدالله بن سبيّل، إذ تذكّر القصّة أن خلافًا وقع بين ابني عم فقتل أحدهما الآخر فحلف ابن سبيّل -وكان كبير قومه- بالطّلاق على أن يقتل القاتل، فلم يتم له ذلك فأوقع الطلاق مكرهًا من زوجته التي يحبّها، فندم وقال قصيدته:
تفرج لمن سدّه على النّاس ما ابداه *** راضي على مقسومك اللي عطيته [4]
إلى أن يقول:
قالوا ندوّر لك من البيض حلياه *** قلت آه لو غيره بكفي رميته
يغلب على هذا النوع من قصائد الفقد النّدم والتّحسّر، فالفقد بالطّلاق يُلام فيه الرّجل وليس كالفقد بالموت أو الرّحيل، وفي هذه القصيدة يبدأ الشّاعر بمناجاة الله والرّضا بقدره وقسمته، ثُمّ يستعرض ما حصل بعد الطّلاق من حوار بينه وبين من هم حوله سواءً من أهله أو أهلها. فمنهم من يلومه ويعاتبه، ومنهم من يُسلّيه ويَعرِض عليه الزّوَاج بِأُخرى علّه ينسى، فيردّ عليهم بأنّه لا يجد من يُكافئها بين النّساء ويستعرض مواقفها ويَذكُر محاسنها.
تصوّر لنا النّماذج السّابقة ثلاثة أنواع من الفقد، فقد بالموت وفقد بالرحيل وفقد بالطلاق، ومع أنّ لكلّ شاعرٍ بيئته الاجتماعيّة التي تختلف عن غيره، إلّا أنّ ثمّة ملامح للتّعبير عن كلّ نوع من الفراق، فالفراق بالموت يغلب عليه التّأثُّر والعاطفة الدِّينية، فيُكثر الشّاعر من الدُّعاء للمحبوبة وذكر محاسنها دون التّطرق لأوصافها الجسديّة، فالغرض الغالب هُنا رثاء، أمّا الفقد بالرّحيل فتظهر فيه تعابير تحمل الأمل بتجدّد اللّقاء، فيذكر الشّاعر المقام الجديد للمحبوبة ويصف موقعه وحدوده ويتمنّى أن يمطرهم الغيث، ثُمّ يسترسل في ذكر أوصاف المحبوبة ومحاسنها الحسيّة، فالغرض هنا غزلٌ وليس رثاء، والفقد بالطّلاق يتّسم بسمة مُشتركة هي النّدم، إذ الطّلاق ليس موتًا لا حيلة فيه ولا رحيل يُعاتَب الأهل فيه، بل قرارٌ للرجل يتحمل تبعاته كاملة. فنجد أن الشاعر يتحسر على من فقدها بالطلاق بذكر محاسنها والرد على العذال واللوام، بل وحتى الناصحين والمشفقين، في عتاب ذاتي يعبر عنه الشاعر غزلاً ومقارنة بالبدائل المقترحة أو المتاحة.
والاطّلاع على المزيد من النّماذج الشّعرية قد يتيح لنا صورة أكمل للفقد في الشّعر الشّعبي، إذ مازالت الدّراسات النّقديّة في الشّعر الشّعبي بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الدّراسة والرّصد والتّحليل.
- [1]الرّبيعان، يحيى. ابن لَعبون، حياته وشعره. ط 1982.
[2] بن لعبون، عبدالعزيز. أمير شعراء النبط محمد بن لعبون، سيرته ودراسة في شعره. ط 1997
[3] الأحيدب، عبدالعزيز. ديوان من الشعر الشعبي. ط 1982
[4] بن سبيل، محمد. ديوان ابن سبيل. ط 2004