الإخوانيات في الشعر السعودي: قراءة تحليلية في الشعر الجازاني

د. عائشة الشماخي

تُمثّل الإخوانيات أحد الأغراض الشعرية العريقة التي حافظت على حضورها في الشعر العربي " وهو لون من الشعر يصور العلاقات الاجتماعية بين الشعراء وممدوحيهم، أو بينهم وبين أصدقائهم، ففيه التهنئة والاعتذار، وفيه العتاب والشكوى، وفيه الصداقة والود وما إلى ذلك من المعاني الاجتماعية الواسعة التي تربط الناس بعضهم ببعض" [1] ، إذ تعكس طبيعة العلاقات الإنسانية بما تحمله من مشاعر الودّ، والوفاء، والتواصل.

ويعد هذا النوع مخالفًا لما تعارف عليه الشعراء واعتادوه، فهو شعر لا زيف فيه ولا تملق يتسم بالصراحة والصدق، وتجيش روح قائله بالوفاء والمجاملة الرقيقة، وتظهر شخصية صاحبه مفصحة عن القسمات النفسية التي تدل على سعة الخيال، ودرجة الثقافة، وعلاقته بأصدقائه ومجتمعه ومنزلته بين إخوانه من الشعراء.

ويتضح من شعر الإخوانيات في الشعر العربي أنه ليس شعرا جافا، إذ إنه "مرتبط بواقع الشاعر وحياته وأمكنته وأحاسيسه، ولذلك نشم له رائحة ونجد له روحا" [2]

وتهدف هذه المقالة إلى دراسة الإخوانيات في الشعر الجازاني من خلال نموذجين شعريين بارزين هما: إبراهيم مفتاح، وحسن أبو علّة، معتمدًا على المنهج الوصفي التحليلي، ومدعومًا بتحقيق نصوص شعرية مختارة، وضبطها توثيقيًا.

ويمكن للمقالة أن تطرح السؤال الآتي: إلى أي مدى تُعبّر الإخوانيات في تجربة كل من إبراهيم مفتاح وحسن أبو علّة عن تحوّل هذا الغرض إلى خطاب وجداني حديث في البيئة الشعرية الجازانية؟

وللتأصيل للإطار النظري، لابد من تحديد مفهوم الإخوانيات في الشعر العربي، فالإخوانيات هي أحد أغراض الشعر التي تعبّر عن أواصر الصداقة والصلات الاجتماعية، وتشمل التهاني، والعتاب، والاعتذار، والمودة. وهي تمثّل بعدًا وجدانيًا يتجاوز الوظيفة البلاغية، إلى بناء علاقة وجدانية بين الشاعر والمخاطب.

وفي سياق الشعر الجازاني، تتجاوز الإخوانيات الإطار التقليدي، لتكتسب طابعًا شعوريًا محليًا يرتبط بالمكان والذاكرة والبيئة الاجتماعية. ويتجلى هذا الطابع من خلال استدعاء مفردات الطفولة، والطبيعة، والعلاقات اليومية في القرية والجنوب.

وتنبع التجربة الشعرية في جازان من بيئة ثقافية ذات طابع إنساني ومكاني غني، حيث تتداخل عناصر القرية والبحر والجبال مع التجربة الذاتية للشاعر، مما يُضفي على الإخوانيات بُعدًا مركّبًا يتجاوز المديح أو المجاملة.

وبناء على ما يقتضيه المنهج الوصفي التحليلي، كان لابد من قراءة نماذج مختارة من إخوانيات الشاعرين وتحليلها دلاليًا وجماليًا، ضمن سياقها الثقافي والنفسي والمكاني، مع الاستناد إلى مفاهيم نقدية حديثة مثل “الآخر الحميم” و”الخطاب الوجداني”.

ويتميّز شعر إبراهيم مفتاح بتوظيف الذاكرة والمكان لاستحضار الصديق بوصفه امتدادًا وجدانيًا للذات. إذ تتحول القرية، والبحر، والطفولة، إلى رموز تعيد تشكيل العلاقة الإنسانية.

نموذج شعري :[3]
يا صاحبي…
في ضجيجِ الأمسِ كنتَ السكونَ الذي ألوذُ به،
وفي ازدحامِ الطرقاتِ كنتَ الطريقَ الذي لا يضيع.
هذا المقطع يُبرز ثنائية السكون والحركة، حيث يتحوّل الصديق إلى ملاذ نفسي في مواجهة اضطراب العالم.

أذكركَ…
كما تذكرُ القرى خطى العائدين،
وكما يذكرُ البحرُ ظلالَ المرافئ البعيدة.
هنا يتجلّى حضور المكان بوصفه وسيلة لاستحضار العلاقة الإنسانية وتثبيتها في الذاكرة الشعرية.

كما يتسم شعر حسن أبو علّة بالبساطة والشفافية، مع اعتماد واضح على المباشرة الشعورية واللغة الصافية. الصديق هنا يتحول إلى فضاء يمنح الذات الطمأنينة، ويشاركها لحظات الانكسار والسكوت.

نموذج شعري :[4]
يا صديقي…
إن ضاقتْ بي الأرضُ، كنتَ أنتَ سماءها الواسعة،
وإن أظلمتْ الطرقاتُ، كنتَ الضوء الذي يدلّني عليّ.
في هذا النص، يُجسَّد الصديق بوصفه ملاذاً وجودياً يعيد للشاعر اتزانه النفسي.
ما قلتُ يومًا إنّ التعبَ يوجعني،
لكنّ كتفكَ كانَ دائمًا يفهمُ ما لا يُقال.
هنا تتجلّى العلاقة الحميمة التي تتجاوز حدود اللغة إلى المشاركة الصامتة، وهي من سمات الإخوانيات الأصيلة.

لم تعد الإخوانيات في هاتين التجربتين مجرد وسيلة تواصل شعري، بل تحوّلت إلى خطاب وجداني يولّد المعنى داخل النص، من خلال الصور المركّبة والتكثيف الشعوري.

الصديق بوصفه “الآخر الحميم”
يظهر الصديق في هذه النصوص لا بوصفه طرفًا خارجيًا، بل بوصفه جزءًا من الذات، وهو ما يتفق مع المفهوم النقدي الحديث “الآخر الحميم”، حيث يحدث تداخل وتكامل بين الذوات.

الذاكرة والمكان بصفتها عناصر فاعلة
تؤدي الذاكرة دورًا تأسيسيًا في بنية النصوص، فهي لا تسترجع الماضي فقط، بل تعيد تشكيله. كما يتحوّل المكان إلى كيان رمزي يمنح الإخوانيات عمقًا شعريًا وإنسانيًا.

اللغة والبوح ومقاومة النسيان
تُكتب هذه الإخوانيات بلغة شفافة لا تقع في التقريرية، بل تعتمد الإيحاء. وهي بذلك تُعدّ فعلًا من أفعال مقاومة النسيان، إذ يُستعاد حضور الصديق رمزيًا داخل النص.

وهكذا نجد أن الإخوانيات في الشعر الجازاني، من خلال تجربتي إبراهيم مفتاح وحسن أبو علّة، تجاوزت الأطر التقليدية، وأصبحت وسيلة لتشكيل علاقات إنسانية وجودية داخل النص. كما برز دور المكان والذاكرة واللغة في تكوين خطاب وجداني يُثري التجربة الشعرية ويمنحها بُعدًا معاصرًا.


المراجع:

مصطفى الشكعة، فنون الشعر في مجتمع الحمدانيين، بيروت: عالم الكتب، 1981م، ص 382.

محمد عبد الحليم سالم ، موازنة بين سجع المطوق وألحان السواجع مجلة الدارة، العدد 3، السنة 1409هـ.

إبراهيم مفتاح، نصوص غير منشورة

حسن أبو علّة، نصوص غير منشورة.