مواطن الأدباء القدماء في السعودية ودورها

د. يحيى العبد اللطيف

تعالج هذه المقالة الموسومة بـ(مواطن الأدباء القدماء في السعودية ودورها في تعزيز ثقافة المكان السياحي- ابن المقرب أنموذجا) ظاهرة حضور المكان عند شعراء التراث العربي وكيفية استثمار هذه الظاهرة في تعزيز ثقافة الاستقطاب السياحي ضمن رؤية المملكة العربية السعودية في استثمار التراث المادي، وتهدف الدراسة إلى بيان ثراء المكان توثيقيا وسرديا لدى شعراء الجزيرة العربية التي تستوعب المملكة المساحة الأكبر منها.

وستحقق هذه المقالة هدفها عبر استعراض نموذج شعري ثري تتمثل فيه الظاهرة على المستوى النفسي، والمستوى التوثيقي، غير أن السؤال الذي يلح في هذا المقام: كيف نطمئن للوظيفة التوثيقية للشعر؟ ولا سيما أننا بصدد التسويق السياحي للأماكن المذكورة في مواطن الشعر، هذا السؤال ينفتح على جدلية الأدب والتاريخ، ومرد الجدلية أن الأدب فسحة للخيال، بينما التاريخ يتحرى الحقيقة والدقة، فهل يستند المحقق على المتخيل؟

يشير الدكتور جريدي المنصوري لشيء من هذه الفكرة فهو يرى أن "علاقة الشاعر بالمكان ذات أبعاد معدودة تستحضر الواقعي والتاريخي والوهمي، ويكفي أن الشاعر يعيش في المكان على مستوى الوجود الحقيقي، ويسبح في المكان في عالمه الشعري، فيستحضر المكان في المعرفة الثقافية، ويقيم لنفسه وجودا فيه، أو يعدل من صورة المكان الحقيقي، كما يخترع في الفن " [1]، وكلام جريدي صحيح على إطلاقه-كما نرى- لكن هل الشاعر في القرون الأولى يتجرأ على اختراع الأماكن، وهو تحت سلطة الجمهور الذي يعد الشعر ديوانه الذي يسجل أحداثه؟ ويكفي أن نقف على مقولة الجاحظ: " كانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليد مآثرها بأن تعتمد على الشعر الموزون والكلام المقفى، وكان ذلك هو ديوانها، وذهبت العجم على أن تقيد مآثرها بالبنيان. ثم أحبت العرب أن تشارك العجم في البناء وتنفرد بالشعر"[2] ، إذًا فالشعر كان توثيقًا للتخليد الحضاري.

أما السؤال الذي تستهدفه المقالة فهو: ما معالم حضور المكان عند شعراء الجزيرة العربية؟ وللإجابة عن هذا السؤال يمكننا الاستعانة بنموذج شعري يحقق تجلية لمعالم حضور المكان.

والنموذج الشعري الذي نراه ممثلا لاستحضار الأمكنة وتوثيقها هو شعر الشاعر علي بن المقرب العيوني من شعراء محافظة الأحساء شرق المملكة العربية السعودية، وقد حفل ديوانه بتخليد الأماكن بشكل واضح، ولكن قبل إيضاح هذه الظاهرة يلزمنا التعريف بالشاعر:

من حسن حظ الشاعر وحسن حظنا أن الشاعر عرّف نفسه بنفسه حين التقى بأحد أشهر موثقي الشخصيات والأماكن وهو ياقوت الحموي (ت 626هـ)، ونصّ ما قاله الحموي حين تحدث عن (العيون): "وبالبحرين موضع يقال له العيون، ينسب إليه شاعر قدم الموصل وأنا بها واسمه علي بن المقرب بن الحسن ابن عزيز بن ضبار بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم العيوني البحراني، لقيته بالموصل في سنة 617، وقد مدح بها بدر الدين وغيره من الأعيان ونفق فأرفدوه وأكرموه " [3]

و(العيون) مدينة في محافظة الأحساء في المملكة العربية السعودية، وكان الساحل الشرقي في الجزيرة العربية قديما يسمى البحرين، وأما مولد الشاعر فقد " أجمع من ترجم له من معاصريه ممن ذكر ولادته على أنها كانت في العام 572هـ للهجرة، وسبب هذا الإجماع يرجع للشاعر نفسه لأنه أملى ذلك عليهم كما وجدناه عند ابن الشعار الموصلي"[4] وأما وفاته فيشير ابن النجار " وبلغنا أنه توفي بالبحرين في المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمئة" [5] .

ويعني هذا أن الشاعر عاش الثلث الأخير من القرن السادس ، والثلث الأول من القرن السابع أي في نهاية الدولة العباسية ، وهو ابن الأسرة العيونية الحاكمة في الأحساء وإليها ينسب ، غير أن هذه القربى كانت سبب شقائه ، وانعكس هذا الشقاء على علاقته بالمكان ، فالشاعر كما يقول شارح الديوان ممن عاصره " أن الأمير الأجلّ محمد بن ماجد لما ملك الأحساء وهي البلدة التي بها وطنه ، وفيها أملاكه ومسكنه اجتاح جميع أملاكه من طارف وتالد، وحاز الصامت والناطق، إرضاء للعدو والحاسد ، ولم يبق له صفراء ولا بيضاء "[6] ، مما حدا بالشاعر لكثرة السفر إلى العراق حيث رصدت رحلاته بأربع رحلات ، والتقى في العراق بعدد من علمائها ، وهذه الرحلات " أكسبته التعرف على رجال العلم في بغداد والبصرة والموصل ، ومكنته من دخول بلاط الخلفاء ، إنشاد أشعاره بين أيديهم ، ولو لم يقم بهذه الرحلات لما ذاعت شهرته ، ولما عرف ابن الشعار الموصلي وأبي البقاء العكبري "[7].

وعمدنا إلى عرض سيرة الشاعر لأهمية ذلك لفهم علاقته المتأزمة مع وطنه ومجتمعه، ووجد التقدير خارجه، وهذا سبب انقسام موقفه اتجاه المكان إلى موقفين:
أ-موقف الناقم على المكان:
يقول ابن المقرب : [8]

بِيني فَما أَنتِ مِن جِدّي وَلا لَعِبي

ما لي بِشَيءٍ سِوى العَلياءِ مِن أَرَبِ

لا تُكثِري مِن مَقالاتٍ تزيدُ ضَنىً

ما الخَطُّ أُمّي وَلا وادي الحَساءِ أَبي

في كُلِّ أَرضٍ إِذا يَمَّمتُها وَطنٌ

ما بَينَ حُرٍّ وَبَينَ الدّارِ مِن نَسَبِ

يا ساكِني الخَطِّ وَالأَجزاعِ مِن هَجَرٍ


هَل اِنتِظارُكُم شَيئاً سِوى العَطب

يتضح من الأبيات موقفه الناقم على مكانين هما: (الأحساء) و(الخط) المسماة الآن (القطيف)، لكن السؤال هل هذا الموقف ناقم على المكان عينه؟ لو تأملنا قليلا لوجدنا هذه النقمة تتكرر عند شعراء كثيرين، لكن هو لا يعني المكان المادي، هو يستخدم المجاز المرسل الذي يذكر المكان ويقصد الماكنين فيه، فهو يعني أهله الحاكمين في الأحساء والقطيف.

ب-موقف العاشق للمكان:
ليس الموقف الثاني مناقضا للأول فالشاعر مهما احتدم عتبه مع مجتمعه، إلا أن الأماكن تبقى ماثلة، وفي شعر تظهر الأماكن متعالقة مع أعماقه، كما يصف هذه الظاهرة باشلار " سمات المأوى التي تبلغ حدا من البساطة، ومن التجذر العميق في اللاوعي، فيجعلها تستعاد بمجرد ذكرها، أكثر مما تستعاد من خلال الوصف " [9].

ونجد هذه الحالة طاغية عند ابن المقرب فلديه ثراء في رصد المواقع، فمن خلال تتبع فهارس الأماكن والأعلام وجدنا أكثر من مئة وثمانين موقعا في الجزيرة العربية، من بواد وحواضر ومدن وضيع وقرى، أغلبها لا تزال حاضرة وقليلا منها ما اندثر، ولكن تركزت المواقع المذكورة في المنطقة الشرقية حيث محل نشأته وصباه وقومه، يقول ابن المقرب: [10]

رَعَى الله الثـــليم وســـاكنيه               وأجــــراعاً تكـنّفها الثـّلام
وجاد من الجديد إلى المصلّى              إلى الحصنين وكّاف رُكـامُ
فــمسرح لذتي ومـراح لهوي               هــنا لـكم وجـيرتي الـكرام

و(الثليم) هو جبل غرب مدينة العيون في محافظة الأحساء، وهو اليوم يطل شامخا أمام مرأى الغادين والرائحين على طريق الأحساء الدمام، ويرتاد الطريق سكّان منطقة الخليج، وهو معلم ينبئ السالكين بالوصول أو الخروج من الأحساء، وكان هذا الجبل هو مكان الصبا لشاعر عاش مبعدا موجوعا من وطنه، يعاوده بين الحين والآخر طلبا للإنصاف، ولم يجده!
ت-الاستثمار السياحي في مواطن ابن المقرب:
لا يفصل الأحساء عن شاعرها العيوني سوى 700 عام، وهذا الرقم في عمر الحضارات ليس بالبعيد الشاحط، فأغلب المواقع التي ذكرها موجودة شاخصة، بل حتى أسماء العوائل التي ذكرها لا تزال موجودة تتناسل، ما يجعل مقومات الاستثمار السياحي متوفرة.
مضافا لسيرة الشاعر المأساوية التي تجمع المأساة بالإثارة، وقصة موته التي رصدها المحقق للديوان من خلال المرويات الشفوية في الأحساء وعُمان، ففي حكايته أنه هرب من مطاردة أعدائه، حتى وصل إلى قرية ضيوى في عُمان، و لايزال هناك مغارة فيها قبر منسوب لابن المقرب، ويذكر سكان القرية عن روايات من سبقهم أنه لشاعر جاء من السعودية اسمه (ابن المقرب) وسميت الغارة باسمه [11] .
ويبدأ الاستثمار السياحي بإنتاج فيلم سينمائي عن حياة الشاعر، مستحضرا المواقع الأثرية التي ذكرها ويظهرها ضمن سياق الأحداث، وتسرد سيرة الشاعر في المناهج الدراسية بوصفه من شعراء الجزيرة العربية الذين كانوا في سياق الأحداث الكبرى، ومن استراتجيات الاستثمار السياحي تأهيل جبل الثليم، وإضاءته ليلا، وإحاطته بمجسم شعري ليكون معلما ثقافيا وطنيا.

يتبيّن ممّا سبق أنّ حضور المكان في الشعر القديم ليس مجرد خلفية جمالية، بل وثيقة حية تكشف ملامح العصر وتفاصيل الحياة فيه. وقد تنوّعت صور هذا الحضور بين الارتباط الحميم والرفض المتأمّل، فيما ظلّت صلة الشاعر ببيئته صلة عميقة منسجمة، تشربت تفاصيلها وجدانه بحكم طبيعة الحياة آنذاك.
ومن أبرز المقترحات في هذا السياق أن تبادر المؤسسات الثقافية إلى إعادة طباعة ديوان ابن المقرب، واعتماده ضمن المناهج التعليمية لتعريف الأجيال بشاعريته وبالمواطن التي خلدها في شعره. كما يمكن للمؤسسات الإعلامية أن تتجه إلى إنتاج عمل درامي يجسّد حياته، فيتفاعل معه الجمهور على نطاق أوسع. ومن شأن ذلك أن يحفّز الجهات السياحية على تأهيل المواقع الأثرية المرتبطة بسيرته، بما يسهم في جذب الزوار وإبراز القيمة التاريخية والثقافية لهذه الأمكنة.


    المصادر والمراجع:

    [1] باشلار ، غاستون ، جماليات المكان ، ترجمة : غالب هلسا ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1984م .
    [2] البغدادي ، محب الدين (ابن النجار) ، ذيل تاريخ بغداد ، تحقيق : مصطفى عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ج4، (د-ت)
    [3] الجاحظ ، أبو عثمان ، الحيوان ، دار الكتب العلمية ، ج1، ط2 ، 2004م ، ج1، ط2، 2004م
    [4] الجنبي ، عبدالخالق ، شرح ديوان ابن المقرب ، منشورات ملتقى الواحتين ، بيروت ج7 ،،ط2، 2012م.
    [5] الحموي ، ياقوت ، معجم البلدان ، دار صادر ، بيروت ، ج4 ، 1977م
    [6] الخضيري ، علي ، علي ابن المقرب حياته وشعره ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط1، 1981م,
    [7] المنصوري الثبيتي ، جريدي ، شاعرية المكان ، شركة دار العلم للطباعة ، السعودية ، ط1، 1992م