الرحلة إلى الداخل في رواية (شرق الوادي.. أسفار من أيام الانتظار)

أ.د. زكيّة العتيبي

في الكتاب العاشر من (اعترافات) القديس أوغسطينوس [1] ، يتناول القس قضية الذاكرة في سياق رحلته في البحث عن الحقيقة، مؤكدًا أنه لم يجد الله في الأشياء الخارجية، بل حين توغّل في أعماق نفسه.

ومن هنا جاءت مقولته الشهيرة: "لا تذهب إلى الخارج، بل عد إلى نفسك، ففي الداخل تسكن الحقيقة" وهي مقولة دار حولها جدل واسع، إذ نُسبت أحيانًا إلى كتاب آخر له بعنوان (في الدين الحق).

من تلك اللحظة الفكرية عند القديس بدأت الرحلة العكسية إلى الداخل بوصفها مسارًا معرفيًا وروحيًا في معظم الأعمال الأدبية كالاعترافات والسير الذاتية والروايات التي تتخذ الطابع السيري وتخضع لتيار الوعي، لتتوالى بعد ذلك المؤلفات الغربية والعربية التي جعلت من الذاكرة والطفولة نقطة انطلاق أساسية للرحلات إلى الداخل لاكتشاف الذات.

يتجلّى ذلك بوضوح في رواية فرجينيا وولف (السيدة دلواي [2] ) حيث يُبنى السرد على التداعي الداخلي والزمن النفسي، كما تظهر الرحلة العكسية في كتاب (الأيام [3] ) لطه حسين، الذي قام على السرد الذاتي والتأمل في السيرة الشخصية بوصفها طريقًا لفهم الذات والوجود.

ويحضر هذا المنحى ذاته في روايات سعودية كثيرة من أهمها (رواية شرق الوادي: أسفار من أيام الانتظار [4] ) لتركي الحمد، التي عدّها بعض النقاد سيرة غير مباشرة لحياة الكاتب، في حين نظر إليها آخرون بوصفها رواية توثّق تحولات الحياة الاجتماعية في المملكة العربية السعودية. غير أن الرواية، في جوهرها، تقوم على فعل الاستذكار، وتتخذ من الذاكرة وسيلة لرحلة بحث متواصلة عن الذات.

يسرد الراوي ذكرياته وتجربته الداخلية في الرواية، مستعيدًا مشاهد الطفولة والشباب، ومتتبعًا تحوّلات الوعي وصولًا إلى الأسئلة الكبرى المتعلقة بالوجود والحرية والهوية والمعنى.

ومن هنا تغدو الرواية أشبه ما تكون بـ (سِفرٍ روحي) بوصفه رحلة تأملية في أعماق الذات الإنسانية، وهو ما يصرّح به العنوان نفسه: (شرق الوادي: أسفار من أيام الانتظار).

وتنبع أهمية الرواية في هذا السياق، من تركيزها على الرحلة إلى الداخل، حيث يكثر الراوي من مساءلة المعنى والوعي والحرية، متجاوزًا الحدث الخارجي إلى تفكيك التجربة الذاتية، مما يجعل النص أقرب إلى كتابة الوعي والسيرة التأملية منه إلى الرواية التقليدية القائمة على الحبكة.

تحدّث (روبرت همفري) في كتابه (تيار الوعي في الرواية الحديثة) [5] عن مفهوم تيار الوعي الذي يُعنى بالمونولوج الداخلي لنقل الأفكار كما تجري في الذهن، وعن الأسلوب الحرّ الذي يقوم على تداخل صوت الراوي مع صوت الشخصية في الرواية، وعن سيولة الزمن المتمثّلة في هيمنة الزمن النفسي، وتداعي الذاكرة الذي يعني انتقال السرد عبر الذكريات، وتعدد الأصوات، وتراجع الحبكة التقليدية في هذا النوع من الروايات التي تركّز على الرحلة العكسية إلى الأعماق أكثر من عنايتها برحلات الخارج السردي.

وقد أبرز (روبرت همفري) في كتابه الأدوات التي يستند إليها الكاتب في روايات تيار الوعي، حيث حدّد عدداً من التقنيات، أهمها: تفكيك التسلسل الزمني، وتقليص دور الراوي العليم، والاعتماد على اللغة الإيحائية، ودمج الحلم والذاكرة والهذيان والخيال في النسيج السردي.

إنّ تيار الوعي لدى (همفري) ليس مجرّد تقنية سردية، بل هو رؤية فلسفية تعيد تعريف وظيفة الرواية بوصفها مساحة لاكتشاف الذات في أكثر حالاتها هشاشة.

تقوم رواية (شرق الوادي) على رحلة عكسية؛ لتفكيك الوعي الفردي في مواجهة التحولات الاجتماعية والفكرية التي عاشها جيل بطل الرواية؛ إذ ينغمس الراوي في الداخل عبر الذاكرة التي تسرد تصدّعاته النفسية، وتُنتج تساؤلات كبرى تحت ضغط الظروف الدينية والمجتمعية؛ فمنذ الصفحات الأولى تقدّم الرواية ذاتاً مأزومة تبحث عن معنى الوجود وسط واقع متناقض؛ فالراوي لا يتوقف عند الأحداث بقدر ما يتوقف عند كيفية تلقيه لها داخلياً؛ إذ تتحول الذكريات في الرواية إلى معابر نفسية يبدأها الراوي من مرحلة الطفولة، جاعلاً منها محطةً زمنيةً للقلق، ثم تتداخل الأصوات، فيزاحم الصوت الداخلي صوت السرد، فيخفت حضور الراوي لصالح تدفّق الأفكار والتأملات الداخلية.

ويتجلّى ذلك بوضوح حين يعود الراوي إلى الأحداث الكبرى لا لوصف واقعها، وإنما بوصفها صدمات وعي تركت أثرها العميق في أعماقه؛ فنلاحظ مرور الأحداث الخارجية سريعاً، لتتمدد الصفحات حول أثرها النفسي العميق في داخله.

ولا يمكن إغفال دور الذاكرة بوصفها محرّكاً أساسياً لهذه الرحلة العكسية؛ فالذكريات في الرواية ليست مرتبة، بل تأتي على شكل ومضات تستدعي أزمنة أثّرت في أعماق الراوي. سيدرك القارئ لهذه الرواية منذ الوهلة الأولى حجم الصراع الداخلي في أعماق الراوي، وما أفرزه هذا الصراع من تعقيدات كبيرة حول العالم والذات؛ فالرواية لا تقدّم إجابات جاهزة بقدر ما تفتح مسارات للتساؤل، وتجعل من الداخل فضاءً سردياً عميقاً.

وهكذا، تعد رواية (شرق الوادي) نموذجا واضحًا للرحلة العكسية في الأدب السعودي؛ حيث تؤكد على انتقال السرد من تتبع الأحداث الخارجية إلى استكشاف الداخل الإنساني بوصفه مركزا للتجربة الروائية. لقد أصبحت الرحلة العكسية في الروايات السعودية أفقا جماليا يفكك الذات تحت ضغط التحولات بشتى أشكالها من خلال أدوات سردية تستند على تيار الوعي وسيولة الزمن النفسي دون أن تسعى إلى تقديم إجابات قاطعة، جاعلة من الرواية فضاء للتأمل.

وبهذا المعنى تسهم الرواية السعودية في ترسيخ سرد يجيد الإنصات للداخل ويعيد تعريف وظيفة الرواية؛ لتصبح فعلا معرفيا وجماليا يتجاوز الحبكة إلى الوعي.


المراجع:

يُنظر: اعترافات القديس أوغسطينوس، ت:إبراهيم الغربي،المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون(بيت الحكمة)، قرطاج،2012،ص:297 ومابعدها( الباب العاشر)

يُنظر: السيدة دولووي، فرجينيا وولف،ت: عبدالكريم محفوض، دار تكوين

ينظر: الأيام، طه حسين، ، مركز الأهرام للترجمة والنشر،القاهرة، الطبعة الأولى ،1992

ينظر: شرق الوادي أسفار من أيام الانتظار، تركي الحمد، دار الساقي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية،2000

ينظر: تيار الوعي في الرواية الحديثة، روبرت همفري،ت:د. محمود الربيعى،دار غريب، القاهرة،الطبعة الأولى،2000م