لغة الجسد والصمت بديلة للحوار في الصراع الدرامي المسرحي

د. أديم الأنصاري

يُعدّ المسرح فنًّا حيًّا يقوم على تجسيد الصراع الإنساني عبر وسائل تعبيرية متعدّدة، لا تقتصر على الكلمة المنطوقة وحدها. ومع تحوّلات المسرح المعاصر، برزت عناصر درامية أخرى لها دورها الفاعل في إنتاج المعنى وبناء التوتر بعيدًا عن الحوار التقليدي، ولم يعد الحوار المنطوق في العرض المسرحي المعاصر قادرًا وحده على احتواء الصراع الدرامي بكل تعقيداته، الأمر الذي دفع المسرح إلى البحث عن بدائل تعبيرية أكثر قدرة على ملامسة العمق الإنساني، وفي مقدمتها لغة الجسد والصمت، ومن هنا برزت أهمية توظيف لغة الجسد والصمت في العرض المسرحي بوصفهما خيارًا جماليًا وفكريًا يعيد صياغة الصراع الدرامي، ويمنح الجسد دورًا مركزيًا في التشكيل الإخراجي، بما يفتح أفقًا تأويليًا أوسع أمام المتلقي، ويؤكّد تحوّل المسرح من خطاب لفظي مباشر إلى تجربة أدائية مركّبة تتجاوز حدود الكلمة إلى فضاء الإحساس والدلالة البصرية. يُعرَف الجسد في المسرح على أنه ميل الجسم، والأداة المركزية التي تجسد التشكيل الإخراجي العام [1] ، أي إن الجسد لم يعد في العرض المسرحي مجرّد وسيط للحركة، بل أصبح أداءً مهيمنًا يوجّه الرؤية الإخراجية ويؤسّس للخطاب الدرامي خارج حدود الحوار اللفظي.

وأصبح الجسد يحتلّ موقعًا محوريًا ضمن عناصر العرض المسرحي بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما في النصف الثاني من القرن العشرين [2] ، فقد تزايد الاهتمام به بوصفه أداة تعبيرية قادرة على حمل الدلالة وبناء الصراع بعيدًا عن مركزية النص.

وطبيعة العرض المسرحي تقوم على جدلية الحركة والصوت، إما من خلال صراع جدلي تتمحور حوله فكرة المسرحية وأحداثها، أو من خلال علاقة الممثل بالفضاء المسرحي، حيث تتحدد قيمتها التعبيرية من خلال موقعها ضمن حدود خشبة المسرح، واتجاهها بالنسبة إلى المنظر المسرحي وبقية العناصر الساكنة. فالحركة لا تكتسب معناها بمعزل عن المكان، بل من خلال تفاعلها مع الفراغ المسرحي وما يفرضه من قيود وإمكانات.

اتجه المسرح في كثير من تجاربه الحديثة إلى إعادة الاعتبار للجسد بوصفه حاملًا أساسيًا للمعنى وبؤرة لتوليد الدلالة، فالجسد المسرحي لم يعد وسيطًا ثانويًا يشرح النص أو يزيّنه، وإنما غدا خطابًا قائمًا بذاته، قادرًا على تفجير الصراع الدرامي، وكشف التوترات النفسية والاجتماعية، واستدعاء أسئلة الوجود والهوية بعيدًا عن المباشرة اللفظية، ثم إن اعتماد العرض المسرحي على لغة الجسد يفتح أفقًا تأويليًا واسعًا أمام المتلقي، إذ يتحول الحوار المنطوق إلى سلسلة من العلامات الحركية، والإيماءات، والإيقاعات الجسدية التي تتكامل مع الصمت لتشكّل بنية دلالية مركّبة، ولا يُعد هذا التحوّل تراجعًا عن اللغة، بل انتقالًا من خطاب منطوق محدود إلى خطاب بصري حركي أكثر كثافة، ينسجم مع تحوّلات المسرح المعاصر وسعيه إلى تجاوز النص نحو العرض بوصفه تجربة جمالية شاملة.

ومن النماذج المسرحية التي اتضح فيها دور لغة الجسد في تشكيل الصراع الدرامي (مسرحية ريتشارد الثالث) إذ وظف وليم شكسبير بها هذه الحيلة "في المشهد الأول من الفصل الثاني يحاول ريتشارد الثالث إغواء آن، وتتشكل البنية الشعورية لموقف المواجهة هذا من التقابل الحاد بين مشاعر آن الصادقة التي يمتزج فيها الغضب بالخجل والبلبلة، وبين زيف كلمات ريتشارد المعسولة وزيف تعبیرات وجهه، فكأن هذا المشهد يجسد الحكمة الشعبية المأثورة التي تقول إن الوجه يفضح النفاق وزيف المشاعر[3] " . فالتعارض بين الخطاب اللفظي والمظهر الجسدي كما جسده هذا المشهد أسهم في خلق صراع درامي واضح، في حين عبرت آن بلغة جسدها الصادقة عن مشاعر الغضب والارتباك والخجل، مما جعل الصراع مرئيًا أكثر مما هو مسموع، وهكذا تقوم لغة الجسد بدور بديل للحوار المباشر في كشف النفاق وتكثيف التوتر الدرامي، إذ يدرك المتلقي حقيقة الموقف من خلال الأداء الجسدي لا من خلال الكلمات وحدها.

أما في مسرحية (الملك هو الملك (لسعد الله ونوس يتجلّى دور لغة الجسد بكونها عنصرًا حاسمًا في تكثيف الصراع الدرامي، خاصة في مشهد ارتداء أبي عزة للتاج وحمله الصولجان واتخاذه وقفة صارمة [4] ففي هذه اللحظة، يعلن الجسد وحده تحوّل الشخصية من فرد عادي إلى سلطة حاكمة، عبر فعل جسدي تمثيلي يؤسس لانتقال درامي واضح، وتكشف هذه الوقفة أن السلطة لا تنبع من الجوهر الأخلاقي، ولكن من تمثّل الجسد لرموز الحكم، حيث يصنع الأداء الجسدي علاقات القوة دون حاجة إلى حوار، وهكذا يتحقّق الصراع بوصفه فعلًا مرئيًا يجسد آليات السلطة، منسجمًا مع رؤية ونوس الفلسفية التي تعرّي البنى القمعية عبر الفعل المسرحي.

أما الصمت فيعود في أصله إلى العصور اليونانية ويعد شكلاً من أشكال الفن الشعبي، وورد في كتاب فن الشعر لأرسطو باسم التمثيل الإيمائي [5] . والصمت في المسرح هو "غياب الكلام وكل ما هو مسموع من موسيقى وضجيج ومؤثرات سمعية [6] ويتجلّى دور الصمت ولغة الجسد في بناء الصراع الدرامي بوضوح في مقطع من مسرحية )الصرخة أو تمرين مسرحي) لصباح الأنباري: الممثل: (يبدأ بالاستيقاظ، يجلس ببطء، يرى الأشياء التي تحيطه ببرود) أظنّ أنّي سمعتُ صرخة أُمّي مرّة أخرى، تنطلق من الفراغ، إلى أعماق نفسي المسكونة بالموت. تُرى أهي صرخة حقيقية أم مجرّد وهم وحسب؟ (صمت) من أين لي أن أعرف وأنا هنا وحدي، مع هذه الأشياء الباردة، ودون أن تكون لديّ القدرة على ضخّ الدفء إليها تعترف، أمام الجميع، وتشهد أنّها سمعتها، مثل إنّني محاط بهذه الجدران الصمّاء، التي تحوّل المكان إلى قبرٍ رطبٍ تتطاير من مساماته الروائح النتنة، ولا تسمح بدخول الصوت إليّ) (يتوقف مفكّرًا) أقالت إنّها لا تسمح بدخول الصوت إليّ؟ (حائرًا) ولكنّي سمعتها وهي تخترقني كما تخترق قطرة ماء قطرة أخرى. (صمت) تصوّروا، إنّني أقنع نفسي، أحيانًا، أنّني سمعتها ممتزجة مع الصرخة الأولى لي وأنا أغادر ظلام الرحم إلى نور الحياة، وفي أحيانٍ أخرى، لا أقتنع بأيّ شيء على الإطلاق، لهذا عرضت نفسي على طبيب نفسي [7] يعمل الصمت في هذا المشهد كـمرآة عاكسة للتمزق الداخلي، مما يجعل من السكون لحظة درامية فارقة ، لا بوصفه فراغًا بين الجمل؛ بل بوصفه لغةً موازية واستجابة شعورية مكثفة، إن توقُّف الكلام عند السؤال عن مصدر الصوت يضاعف التوتر النفسي، ويكشف عجز الشخصية عن الإمساك بالحقيقة عبر الحوار اللفظي، ويجسد ثقل الضغوط النفسية التي ترزح تحتها الشخصية، ويرتبط الصمت هنا بالسكون الجسدي والبرود الشعوري، حيث الجلوس البطيء والنظرة الجامدة إلى الأشياء يعكسان حالة الانغلاق والعزلة، فالصراع لا يُعبَّر عنه بفعل خارجي أو مواجهة مباشرة أو بحوار صريح، وإنما يتكثّف داخل الذات عبر لحظات الصمت التي تحاصر الشخصية وتدفعها إلى الانكفاء على نفسها. كما يؤدّي الصمت وظيفة كشفية، إذ يضخّم قسوة الفضاء المسرحي المتمثّل في الجدران الصمّاء والمكان المنغلق، ليصبح الصمت صدىً لخرس المكان نفسه. وبالتالي نجد أن الصراع الدرامي يضرب بجذوره في المساحات الصامتة التي تعبر عن انسداد الأفق وعجز الشخصية عن الفعل، وهو ما يدفع الصراع نحو ذروته الدرامية.

وخلاصة القول إن لغة الجسد والصمت لم تعد مجرّد عناصر تكميلية أدائية في العرض المسرحي المعاصر، بل أضحت جوهر العملية الدرامية ومحركاتٍ مفصلية للصراع، لقد نجح المسرح في الانفتاح على طاقات تعبيرية تتجاوز محدودية الكلمة المنطوقة، محولاً الجسد إلى نص بصري كثيف قادر على كشف عوالم النفس البشرية، وجاعلاً الصمت لغة بليغة تضج بالتوترات الوجودية. إن هذا التحول من مركزية النص إلى فضاء العرض يعيد صياغة العلاقة مع المتلقي، الذي لم يعد مجرّد مستمع لخطاب لفظي، ولكنه أصبح شريكاً في عملية تأويلية تعتمد على الإحساس والدلالة البصرية، وهكذا، يظل المسرح وفياً لجوهر التجدد، عبر توليف عناصر الصمت والحركة في خطاب بصري وسمعي متكامل، ينصهر في تجربة إنسانية كلية تنفذ إلى جوهر الواقع في أبعادها المادية والوجدانية.


    المراجع:

    [1] ينظر: بافي، باتريس، معجم المسرح، ترجمة: ميشال ف. خطار، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2015، ص 148.
    [2] ينظر:حجازي، عبير منصور، جسد الممثل في مسرح صمويل بيكيت، المجلة العلمية لكلية التربية النوعية، ع2، ج1، يونيو 2014، ص 381.
    [3] هاتون، جوليان، نظرية العرض المسرحي، ترجمة: نهاد صليحة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994م، ص 160.
    [4] ونوس، سعد الله، الملك هو الملك، دار ابن رشد، بيروت، ط3، ص23 . والنسخة الكترونية من النسخة الأصلية الصادرة عن الدار.
    [5] ينظر: بافي، باتريس، معجم المسرح، ص 330-331.
    [6] الياس، ماري، قصاب، حنان، المعجم المسرحي مفاهيم ومصطلحات المسرح وفنون العرض، مكتبة لبنان، بيروت، 1997، ص 291.
    [7] الأنباري، صباح، طقوس صامتة ( مسرحيات ) ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2000 ، ص 39.