شعرية الومضة الخاطفة في الشعر العربي الحديث

عيد الحجيلي

من الأشكال الشعرية والفنية الحديثة الومضة؛ التي تشبه لمعة البرق الخاطفة، وتَسْتنهِجُ الوجازة، وتعبر إلى ذائقة قارئها بإهابٍ لغوي مقتصد متلفِّعةً بالإيماء والتكثيف والغموض والإيحاء المفضية في نماذجها العالية إلى دلالة ثرّة متولّدة من إمكانات فنية عديدة؛ من بينها الفكرة المتفرّدة، والصَّوْغ المتميّز، والانزياح والمفارقة والقفلة المدهشة.

ومع أن للومضة جذورًا في ثقافة تحفل بالشذرة، وتثني على الوجازة، وترى أن خير الكلام ما قلّ ودلّ، وأن البلاغة في الإيجاز، كما أن "تاريخ الوجدان الشعري عند العرب مؤسّس أصلاً على الاهتزاز للإضاءات السريعة الخاطفة سواء أكانت فكرية أو وجدانية، وأن قصائد البيت الواحد ضاربه في أعماقه ووجدانه وتاريخه" [1]

إلا أنها تتناسب مع طبيعة عصرنا الراهن وتغيراته المتسارعة، وإيقاعه الحثيث، وتساير التحولات الفكرية التي يرى بعض أصحابها- كإميل سيوران على سبيل المثال- أن الشذرة هي " الشكل الوحيد الملائم لمزاجي، تمثّل كبرياء لحظة محوّلة مع كل التناقضات التي تحتويها. إنّ عملاً ذا نَفَس طويل، وخاضعاً لمتطلبات البناء ومزيّفاً بهاجس التتابع، هو عمل من الإفراط في التماسك بحيث لا يمكن أن يكون حقيقياًّ" [2]

كما أنها تحاول مجاراة التطورات الفنية الحديثة، وبعض الأشكال الشعرية في الآداب الأجنبية. " وبما أن الشعر هو سيد الأجناس الأدبية، فقد استلزمت كل هذه المتغيرات العصرية تطوير نمط شعري قادر على المنافسة، دون التنازل عن خصائص الشعرية، ودون الوقوع في مطبات الإطالة والسرد… ويخاطب الناس بلغتهم الجديدة الحية" [3]

ويمكن القول إن قصيدة الومضة، في سعيها الدائم نحو النضج، قد انتقلت من مرحلة البدايات القلقة المدفوعة بالنزوع إلى فتنة الوجازة، والرغبة في الاختزال، إلى مرحلة تعزيز وجودها، وترسيخ مكانتها بصفتها أحد أبرز أنماط التعبير الشعري المَرِن؛ المنفتح على التجريب، والإفادة من الأشكال الفنية الأخرى كالسرد والموسيقا والسينما والفن التشكيلي، والذي يطمح إلى إعادة الوهج إلى الشعر، وجذب القراء إليه في زمن وسائل التواصل الجمعي، والعزوف عن القراءة.

وقد أسهمت قصيدة النثر في تعزيز مكانة الومضة، والترويج لها، والارتقاء بقيمتها الجمالية بسبب من المشتركات الفنية بينهما، وحاجة قصيدة النثر إلى تقديم مسوغاتها الفنية إلى الساحة الشعرية، وإثبات وجودها، وحقها في مجاورة النصوص الموزونة. ومن المشتركات الفنية المهمة بينهما - وسأكتفي بالإشارة إليه لضيق المقام - التكثيف المستند إلى وعي جمالي باللغة؛ يتوقّى الجنوح إلى السرد، والوقوع في برودة النثر، وشَرَك الخاطرة بالتخلص من الحشو والزوائد الكلامية والهذيانات والاستطرادات. في ديوان (لمريض هو الأمل) يقول عباس بيضون في ومضة عنوانها (هؤلاء):

أجلس محاطًا
بكل هؤلاء
الذين جعلوني وحيدًا [4]

في هذه الومضة النثرية تتبدي طاقة المفردة التي تتجاوز معناها المعجمي إلى إيحاء متولّد من العلاقة الخاصة بين عناصر النص؛ فكلمة ( محاطًا ) المقترنة بالجلوس تنمّ على الدَّعَة والطمأنينة، وتتضمن معنى الحماية، وتوحي بالدفاءة والحميمية والاحتواء، وكأنها تحاول بهذه الدلالات المترادفة تعميق الشعور بإيحائها وتوسيعه، قبل أن يدرك القارئ ما ينفي عنها كل ذلك حين يصل إلى المفردة الأخيرة ( وحيدًا ) أو الصدمة الدلالية التي قلبت معناها لتضاعف الشعور بقسوة الغربة، وألم الوحدة عبر المفارقة؛ التي جعلت حضور الآخرين ( كل هؤلاء ) محضَ غياب. وفي ديوانه (ريش في الريح) يقول وديع سعادة:

حَمَلَ حياته مثل لعبة معطَّلة
‏أراد أنْ يعيدها إلى الحانوتي
‏ووقفَ العمرَ كلّه
أمامت حانوت مُقفَل [5]

بلا فائض لغوي ولا ألفاظ تجريدية، ومن دون عويل، أو صخب إيقاعي، وبكلمات بسيطة؛ تستمد الومضة طاقتها الدلالية والإيحائية من التركيب. يثبت المشهد في هذه القصيدة النثرية عبر التكثيف قدرة الومضة على قول الوجودي العميق بألفاظ قليلة، وأدوات شديدة البساطة. وقد أدرك شعراء قصيدة النثر بعد عقود من التجريب ذلك؛ يقول إبراهيم الحسين:

إذا كتب البرقُ كثّف لغته [6]

وهكذا يمكن القول إن الومضة من أبرز الإضافات الفنية المرتبطة بالتحولات الكتابية، والحساسية الشعرية التي تستند إلى وعي جديد باللغة، وتحتفي باللحظة المكثفة الخاطفة التي تختزل الموقف أو الرؤية في مشهد أو جملة، وهي تقنية أسلوبية متولّدة من حركة الشعر، وروح العصر، وقد أسهمت وسائل التواصل الجمعي في ذيوعها وانتشارها، وأصبحت أحد التنويعات المهمة للحداثة الشعرية.


    المراجع:

    [1]قصيدة الومضة، دراسة تنظيرية تطبيقية. هايل محمد الطالب وأديب حسن محمد. نادي المنطقة الشرقية الأدبي، الطبعة الأولى 2009 م، ص 12.
    [2]لو كان آدم سعيدا. إميل سيوران. ترجمة: محمد علي اليوسفي. أزمنة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 2014 م، ص 19.
    [3]قصيدة الومضة، دراسة تنظيرية تطبيقية. مرجع سابق، ص 11.
    [4]الأعمال الشعرية. عباس بيضون. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 2007 م، الجزء الثاني ص 263.
    [5] الأعمال الشعرية. وديع سعادة. دار أبابيل 2016 م، ص595.
    [6] من مجموعة ومضات بعنوان (توقيعات للبرق) نُشرت في موقع الكتابة الثقافي بتاريخ 2023/1/22.