وفاء السبيل
يختزن التاريخ السعودي ثراءً إنسانيًا وثقافيًا هائلًا، تتقاطع فيه الحكاية مع المكان، والذاكرة مع التجربة، فيبدو كأرضٍ خصبة لم تُستثمر بعد بما يليق باتساعها وعمقها. فخلف الوقائع الكبرى والأحداث المفصلية، تتوارى قصص الناس، وحيواتهم، وأصواتهم التي صنعت التاريخ، وتنتظر من يعيد إليها الحياة عبر السرد. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربات إبداعية قادرة على تحويل هذا التاريخ من مادة توثيقية جامدة إلى حكايات نابضة يُوجَّه الخطاب فيها إلى الأطفال؛ فالطفل لا يلتقي مع التاريخ عبر الأرقام والتواريخ، بل عبر القصة، والشخصية، والمشهد الإنساني القريب من وجدانه. وحين يُقدَّم التاريخ السعودي في قالب سردي حي، فإنه لا يزرع المعرفة فحسب، بل يغرس الانتماء، ويوقظ الخيال، ويؤسس لعلاقة حميمة بين الطفل وماضيه.
إن هذا العنوان، التاريخ السعودي… أرضٌ خصبة تنتظر الحكاية، لا يحيل إلى نقص في المادة التاريخية، بل إلى وفرتها، وإلى الحاجة لمن يحسن قراءتها، وانتقاء بذورها، وزراعتها في تربة السرد، لتثمر وعيًا، وذاكرة، وأدبًا قادرًا على العبور بين الأجيال. وبمراجعة القصص والروايات الموجّهة للصغار واليافعين عن التاريخ السعودي، والدراسات والبحوث حول الموضوع نفسه، يظهر لنا قلتها على الرغم من الثراء والغنى اللذين يميّزان هذا التاريخ. والمسافة بين ما نملكه من وقائع وتجارب إنسانية عميقة، وما قُدِّم منها في أدب الطفل واليافع، ما تزال واسعة، وتحتاج إلى جهد سردي واعٍ يردمها؛ فالتاريخ السعودي زاخر بالشخصيات، والأمكنة، والتحولات، والحكايات الصغيرة التي لا تقل قيمة عن الأحداث الكبرى، لكنه لم يجد بعدُ طريقه الكافي إلى كتب الأطفال بوصفه مادة حيّة قابلة للحكي والتخييل. وهذه الندرة لا تعكس فقرًا في المادة، بقدر ما تكشف عن حاجة ملحّة لمن يلتفت إلى هذا الكنز، ويعيد صياغته بلغة قريبة، وحسّ إنساني، يتيح للأجيال الجديدة أن ترى تاريخها لا كوقائع بعيدة، بل كقصص تشبهها وتنتمي إليها.
ومن أوائل من اهتم بالتاريخ وروايته للأطفال الأديب والمؤرخ عبد الرحمن بن سليمان الرويشد، حيث كتب قصة "غالية: فتاة من الجزيزة". ومن أشهر ما كتب عن المؤسس الملك عبد العزيز -رحمه الله- مجموعة بطولة ملك [1] لليافعين، وقُدمت دراسات حولها منها "سيميائية العتبات النصية في قصة (بطولة ملك) دراسة في تحليل الخطاب" التي اتكأت على المنهج السيميائي، بغية الكشف عن الدلالات الظاهرة والمضمرة، لاستنباط تقنيات توظيف العتبات النصية في القصة، وبيان أثر العتبة في رفد النص بالجماليات الضامنة لنجاح القصة.
وفي الموروث الشعبي التاريخي ما كتبه عبد الكريم الجهيمان موجهاً لليافعين، مستمدا مادته مما جمعه في "الأساطير الشعبية في شبه الجزيرة العربية"، و"الأمثال الشعبية"، وقد أعيد نشرها بنسخة محدثة من قبل وزارة الثقافة، وكُتبت دراسات كثيرة عن الأديب نفسه وعن الحكايات الشعبية دون الاهتمام بما كتبه موجهاً للأطفال إلا إشارات قليلة تأتي ضمن دراسة قصة الطفل السعودية [2] . ومن تلك الدراسات: "سادن الأساطير والأمثال عبد الكريم الجهيمان: قرن من العطاء" و "الأديب عبد الكريم الجهيمان: عطاء لا ينضب" [3] ، و"تداعي الواقع في الحكايات: عبد الكريم الجهيمان نموذجاً" .
[4] أما القصص المصورة للصغار فهناك عدد منها، كـ "حكاية وطن" و"من نجد إلى المجد" و"قبعة بطل" وغيرها. ولكن ما كُتب لا يكفي، ولا يوازي اتساع التاريخ السعودي ولا عمقه. فما زالت مساحات واسعة من هذا التاريخ غائبة عن أدب الطفل واليافع؛ فلا نجد ما يكفي من القصص التي تتناول ملحمة فتح الرياض، ولا رحلة توحيد المملكة، ولا بطولات نساء ورجال الوطن في الماضي والحاضر. كما يغيب السرد القصصي عن حياة الملوك والعظماء، وعن تاريخ الحرمين الشريفين والعناية المتواصلة بهما، وعن المواقع الأثرية، والتاريخ القديم للجزيرة العربية الذي يمتد جذوره في عمق الزمن. ومن هنا، تأتي هذه الدعوة الصادقة إلى الكتّاب والمبدعين، وإلى المراكز الوطنية المعنية بتاريخ المملكة، وإلى جميع المؤسسات الثقافية والتعليمية، للاهتمام بهذا الإرث التاريخي الثري، والعمل على نقله إلى الأطفال.
كيف يقدم التاريخ للأطفال [5] ؟
للتاريخ في أدب الأطفال دور مهم بوصفه جسرًا يربط الماضي بالقراء الصغار، وذلك من خلال تقديم المعرفة التاريخية بأساليب جذابة وذات بعد وجداني. فبدلًا من التركيز على التواريخ وتكديس الحقائق، تُعلي النصوص الأدبية التاريخية الموجّهة للأطفال من شأن السرد والشخصيات والتجربة الإنسانية، مما يتيح للطفل فهم التاريخ عبر قصص بشرية قريبة منه. ويسهم هذا الأسلوب في بناء الهوية الثقافية، وتنمية التعاطف، وتعزيز الوعي التاريخي، مع مراعاة القدرات المعرفية والانفعالية للطفل. ولكي يقدم التاريخ للأطفال بالصورة المناسبة ينبغي على الأديب:
١-مراعاة المرحلة العمرية: فللأطفال الصغار يكون التركيز على الحياة اليومية، والأسرة، والمشاعر. أما الأطفال الأكبر سنًا فتوضح لهم الأسباب والنتائج، ويُستخدم التسلسل الزمني الواضح.
٢-التركيز على البعد الإنساني: حيث يكون الاهتمام منصباً على الأشخاص لا على الأحداث المجردة. وكذلك إظهار المشاعر، والاختيارات، والتحديات التي يواجهها الأفراد.
٣-الصدق مع اللطف: خاصة عند تناول الموضوعات الصعبة (كالحروب، والفقد، والظلم)، حيث لابد من الحذر والحساسية. كما يجب تجنّب التفاصيل القاسية أو المرهِقة للطفل.
الأشكال الرئيسة للأدب التاريخي الموجّه للأطفال
أولًا: الرواية التاريخية (Historical Fiction): وهي قصص تدور أحداثها في الماضي، وتضم شخصيات خيالية ضمن بيئات أو أحداث تاريخية حقيقية. وتهدف إلى جعل التاريخ حيًّا وقريبًا من الطفل.
ثانيًا: القصص السِّيرِيّة (Biographical Stories): وهي قصص حقيقية عن أشخاص واقعيين، تُقدَّم بأسلوب سردي قصصي. وتهدف إلى تقديم نماذج وقدوات للأطفال.
ثالثًا: السرد غير القصصي (Narrative Nonfiction): وهي نصوص تعتمد على الحقائق، لكنها تُروى بأسلوب قصصي. وهي تهدف إلى الحفاظ على الدقة التاريخية مع إبقاء القارئ متفاعلًا.
رابعًا: التراث الشعبي والتاريخ الشفهي (Folklore and Oral History): وهي قصص شعبية تقليدية تهدف إلى الحفاظ على التراث الثقافي، وغرس القيم من خلال الذاكرة الجماعية والثقافية.
أخيرا.. إن التاريخ السعودي، بما يحمله من ثراء إنساني وحضاري، يستحق أن يُروى لأبنائه في قصص تشبههم وتخاطب خيالهم. فحين يصل الماضي إلى الطفل في صيغة حكاية حيّة، يتحوّل من معرفة بعيدة إلى جزء من الوعي والانتماء. والاهتمام بالرواية التاريخية للأطفال ليس ترفًا ثقافيًا، بل استثمارٌ في الذاكرة الوطنية، وضمانٌ لاستمرار الحكاية عبر الأجيال.
إن هذا العنوان، التاريخ السعودي… أرضٌ خصبة تنتظر الحكاية، لا يحيل إلى نقص في المادة التاريخية، بل إلى وفرتها، وإلى الحاجة لمن يحسن قراءتها، وانتقاء بذورها، وزراعتها في تربة السرد، لتثمر وعيًا، وذاكرة، وأدبًا قادرًا على العبور بين الأجيال. وبمراجعة القصص والروايات الموجّهة للصغار واليافعين عن التاريخ السعودي، والدراسات والبحوث حول الموضوع نفسه، يظهر لنا قلتها على الرغم من الثراء والغنى اللذين يميّزان هذا التاريخ. والمسافة بين ما نملكه من وقائع وتجارب إنسانية عميقة، وما قُدِّم منها في أدب الطفل واليافع، ما تزال واسعة، وتحتاج إلى جهد سردي واعٍ يردمها؛ فالتاريخ السعودي زاخر بالشخصيات، والأمكنة، والتحولات، والحكايات الصغيرة التي لا تقل قيمة عن الأحداث الكبرى، لكنه لم يجد بعدُ طريقه الكافي إلى كتب الأطفال بوصفه مادة حيّة قابلة للحكي والتخييل. وهذه الندرة لا تعكس فقرًا في المادة، بقدر ما تكشف عن حاجة ملحّة لمن يلتفت إلى هذا الكنز، ويعيد صياغته بلغة قريبة، وحسّ إنساني، يتيح للأجيال الجديدة أن ترى تاريخها لا كوقائع بعيدة، بل كقصص تشبهها وتنتمي إليها.
ومن أوائل من اهتم بالتاريخ وروايته للأطفال الأديب والمؤرخ عبد الرحمن بن سليمان الرويشد، حيث كتب قصة "غالية: فتاة من الجزيزة". ومن أشهر ما كتب عن المؤسس الملك عبد العزيز -رحمه الله- مجموعة بطولة ملك [1] لليافعين، وقُدمت دراسات حولها منها "سيميائية العتبات النصية في قصة (بطولة ملك) دراسة في تحليل الخطاب" التي اتكأت على المنهج السيميائي، بغية الكشف عن الدلالات الظاهرة والمضمرة، لاستنباط تقنيات توظيف العتبات النصية في القصة، وبيان أثر العتبة في رفد النص بالجماليات الضامنة لنجاح القصة.
وفي الموروث الشعبي التاريخي ما كتبه عبد الكريم الجهيمان موجهاً لليافعين، مستمدا مادته مما جمعه في "الأساطير الشعبية في شبه الجزيرة العربية"، و"الأمثال الشعبية"، وقد أعيد نشرها بنسخة محدثة من قبل وزارة الثقافة، وكُتبت دراسات كثيرة عن الأديب نفسه وعن الحكايات الشعبية دون الاهتمام بما كتبه موجهاً للأطفال إلا إشارات قليلة تأتي ضمن دراسة قصة الطفل السعودية [2] . ومن تلك الدراسات: "سادن الأساطير والأمثال عبد الكريم الجهيمان: قرن من العطاء" و "الأديب عبد الكريم الجهيمان: عطاء لا ينضب" [3] ، و"تداعي الواقع في الحكايات: عبد الكريم الجهيمان نموذجاً" .
[4] أما القصص المصورة للصغار فهناك عدد منها، كـ "حكاية وطن" و"من نجد إلى المجد" و"قبعة بطل" وغيرها. ولكن ما كُتب لا يكفي، ولا يوازي اتساع التاريخ السعودي ولا عمقه. فما زالت مساحات واسعة من هذا التاريخ غائبة عن أدب الطفل واليافع؛ فلا نجد ما يكفي من القصص التي تتناول ملحمة فتح الرياض، ولا رحلة توحيد المملكة، ولا بطولات نساء ورجال الوطن في الماضي والحاضر. كما يغيب السرد القصصي عن حياة الملوك والعظماء، وعن تاريخ الحرمين الشريفين والعناية المتواصلة بهما، وعن المواقع الأثرية، والتاريخ القديم للجزيرة العربية الذي يمتد جذوره في عمق الزمن. ومن هنا، تأتي هذه الدعوة الصادقة إلى الكتّاب والمبدعين، وإلى المراكز الوطنية المعنية بتاريخ المملكة، وإلى جميع المؤسسات الثقافية والتعليمية، للاهتمام بهذا الإرث التاريخي الثري، والعمل على نقله إلى الأطفال.
كيف يقدم التاريخ للأطفال [5] ؟
للتاريخ في أدب الأطفال دور مهم بوصفه جسرًا يربط الماضي بالقراء الصغار، وذلك من خلال تقديم المعرفة التاريخية بأساليب جذابة وذات بعد وجداني. فبدلًا من التركيز على التواريخ وتكديس الحقائق، تُعلي النصوص الأدبية التاريخية الموجّهة للأطفال من شأن السرد والشخصيات والتجربة الإنسانية، مما يتيح للطفل فهم التاريخ عبر قصص بشرية قريبة منه. ويسهم هذا الأسلوب في بناء الهوية الثقافية، وتنمية التعاطف، وتعزيز الوعي التاريخي، مع مراعاة القدرات المعرفية والانفعالية للطفل. ولكي يقدم التاريخ للأطفال بالصورة المناسبة ينبغي على الأديب:
١-مراعاة المرحلة العمرية: فللأطفال الصغار يكون التركيز على الحياة اليومية، والأسرة، والمشاعر. أما الأطفال الأكبر سنًا فتوضح لهم الأسباب والنتائج، ويُستخدم التسلسل الزمني الواضح.
٢-التركيز على البعد الإنساني: حيث يكون الاهتمام منصباً على الأشخاص لا على الأحداث المجردة. وكذلك إظهار المشاعر، والاختيارات، والتحديات التي يواجهها الأفراد.
٣-الصدق مع اللطف: خاصة عند تناول الموضوعات الصعبة (كالحروب، والفقد، والظلم)، حيث لابد من الحذر والحساسية. كما يجب تجنّب التفاصيل القاسية أو المرهِقة للطفل.
الأشكال الرئيسة للأدب التاريخي الموجّه للأطفال
أولًا: الرواية التاريخية (Historical Fiction): وهي قصص تدور أحداثها في الماضي، وتضم شخصيات خيالية ضمن بيئات أو أحداث تاريخية حقيقية. وتهدف إلى جعل التاريخ حيًّا وقريبًا من الطفل.
ثانيًا: القصص السِّيرِيّة (Biographical Stories): وهي قصص حقيقية عن أشخاص واقعيين، تُقدَّم بأسلوب سردي قصصي. وتهدف إلى تقديم نماذج وقدوات للأطفال.
ثالثًا: السرد غير القصصي (Narrative Nonfiction): وهي نصوص تعتمد على الحقائق، لكنها تُروى بأسلوب قصصي. وهي تهدف إلى الحفاظ على الدقة التاريخية مع إبقاء القارئ متفاعلًا.
رابعًا: التراث الشعبي والتاريخ الشفهي (Folklore and Oral History): وهي قصص شعبية تقليدية تهدف إلى الحفاظ على التراث الثقافي، وغرس القيم من خلال الذاكرة الجماعية والثقافية.
أخيرا.. إن التاريخ السعودي، بما يحمله من ثراء إنساني وحضاري، يستحق أن يُروى لأبنائه في قصص تشبههم وتخاطب خيالهم. فحين يصل الماضي إلى الطفل في صيغة حكاية حيّة، يتحوّل من معرفة بعيدة إلى جزء من الوعي والانتماء. والاهتمام بالرواية التاريخية للأطفال ليس ترفًا ثقافيًا، بل استثمارٌ في الذاكرة الوطنية، وضمانٌ لاستمرار الحكاية عبر الأجيال.
المراجع:
عبد العزيز الثنيان، مكتبة العبيكان، ١٤١٩هـ. واليافعون هم من كانوا على أبواب المراهقة ١٢ فما فوق.
قصص الأطفال في الأدب السعودي: وفاء السبيل، النادي الأدبي بالرياض ١٤٢٠هـ، الفصل الأخير حول دراسة موازنة بين إحدى قصص الجهيمان للأطفال وقصة أخرى ليعقوب إسحق في موضوع قصص الحيوان.
محمد القشعمي: مطابع مؤسسة الجزيرة، الرياض، الطبعة الأولى،١٤٢١هـ/ ٢٠٠١م، والمجلة العربية، الرياض، ٢٠٠٢م.
عبد الله محمد العبد المحسن. جريدة الرياض، ٢٢/١/٢٠١٥م.
Historical Fiction for Children: Capturing the Past، iona M. Collins, Judith Graham · 2013.