أخلاقيات المسرود وأخلاقيات السرد

د. كُميل الحرز

لطالما أثار السرد تساؤلات تذهب بنا إلى ما وراء تخومه الجمالية، لنستقرئ وشائجه بالقيم الأخلاقية. يمثل فعل السرد في جوهره فعلا أخلاقيا بامتياز (فيلان 1996؛ 2005؛ 2013). فحين نسرد، نتورط في عملية متواصلة تنطوي على انتقاء قرارات أخلاقية تتصل – على سبيل المثال – بنزعتنا لتوظيف تقنيات سردية محددة على حساب طيف واسع من نظيرتها، أو بإيثارنا اختزال واقعة ما أو تغييبها، أو بتفضيلنا الإطناب في وصف شخصية بعينها. أي، تفرض الخيارات السردية بالضرورة خيارات أخلاقية، وتستدعي اشتباكا حميميا مع الأحكام القيمية التي يقعد لها السرد. كما تشدد هذه الخيارات السردية على دلالة تفلّت فعل السرد من قيمة الحيادية. فهو فعل منحاز بطبيعته، ويؤثر في صوغ القيم الأخلاقية وتوطيدها.

برز حقل الأخلاقيات السردية في العقد الثامن من القرن العشرين بوصفه حقلا نقديا قائما بذاته. يُعنى هذا الحقل بدراسة العلاقة بين البُنى الشكلية للسرد، كالصوت السردي والتبئير، واللاموثوقية وبين الأحكام الأخلاقية، التي تتمخض عنها (بووث 1988؛ فيلان 2014). كما أنه يرتبط بصورة أو بأخرى، بـالجماليات، فالقيم الجمالية ليست محايدة، ولا تقف على النقيض من السلطة، وإنما هي أداة أيديولوجية، تعين على تكريس أنساق الهيمنة الثقافية. فعلى سبيل المثال، تسهم الرواية الواقعية نظرا لبنيتها الجمالية في »تطبيع« منظومة القيم البرجوازية وتسويغها، حيث تقدم هذه القيم للمجتمع بوصفها معايير أخلاقية طبيعية، بل ومحبَّذة (إيغلتون 1988).

وانطلاقا من هذا الإطار النقدي، سأقارب بإيجاز رواية هناء حجازي» يوميات حقيقية لفتاة متخيلة، أو العكس« (2022) متكئا على ما يصطلح عليه فيلان بـأخلاقيات المسرود (Ethics of the Told)، وأخلاقيات السرد (Ethics of the Telling)، وذلك في سبيل الكشف عن تجلياتهما، واستجلاء الغايات التي يصبو السرد إلى تحقيقها.

أخلاقيات المسرود وأخلاقيات السرد

يمكن أن يتبلور التمييز بين أخلاقيات المسرود وأخلاقيات السرد من خلال تحديد أربع تموضعات أخلاقية مختلفة تؤثر في طريقة تفاعلنا والسرود: (1) الموقف الأخلاقي للشخصية، و(2) الموقف الأخلاقي للسارد، و(3) الموقف الأخلاقي للمؤلف الضمني، و(4) الموقف الأخلاقي للقارئ الحقيقي (فيلان 2013: 34). تدل أخلاقيات المسرود على الموقف الأخلاقي للشخصية في العالم المتخيل. أي أنها تشير إلى كل ما يتعلق بمجريات العالم التخييلي، وسلوك الشخصيات، وأحكامها القيمية بحق الشخصيات الأخرى. إذ تصبو إلى إبانة المعضلات الأخلاقية التي تواجهها الشخصية، ومسؤوليتها تجاه أفعالها. أما أخلاقيات السرد، فتتصل بكيفية بناءه. فتشمل موقف السارد في علاقته بالسرد والمسرود والمتلقي، وكذلك موقف المؤلف الضمني فيما يتعلق بتصميمه للسرد، وتنظيمه له، وذلك بغرض استثارة استجابات معينة في ذات المتلقي. أما الموقف الرابع، فهو موقف القارئ الحقيقي، الذي يتفاعل مع المعايير الأخلاقية، التي تنجم عن المواقف الثلاثة السابقة.

تجليات الأخلاقيات في » يوميات حقيقية لفتاة متخيلة، أو العكس«

تتبدّى أخلاقيات المسرود بوضوح في مفاعيل العلاقة بين الأنا الساردة، ومختلف الشخصيات، ولاسيما الشخصيات الذكورية. فعلى سبيل المثال، تتبنى الأنا الساردة موقفا حانقا تجاه المفارقة الأخلاقية، والنزعة الأبوية، التي تمثلها شخصية العم علي صديق أبيها المؤدلج، الذي لا يزال يصر على ناصريته في وقت قد تجاوزها المصريون أنفسهم. فرغم حلاوة لسانه ودماثته، إلا أنه يتكشف لنا سلوكه المتعالي وممارسة الوصاية ووهمه كمحصلة لتشبثه بمنطلقاته الأيدولوجية المتكلسة، التي تنبئ عن الكف عن التفاعل والزمن، وكذلك خبرته الحياتية المزعومة، التي تخوله لإقصاء الآخر. تُدين الأنا الساردة هذه الذهنية الاستعلائية المتخشبة بوصفها قمعا يمارس بحق الجيل الناشئ، ولاسيما الفتيات، في حين، تنحاز إلى منطقة حوارية قوامها الانفتاح على الاختلاف، ورفض منطق الوصاية الأبوية.

ومن جانب آخر، تتسع مساحة الأحكام القيمية التي تطلقها الأنا الساردة، حينما يتعلق الأمر بطليقها؛ نظرا لمحوريته في مسار تأملها لخياراتها الأخلاقية. إليك مثلا، إضاءة الأنا الساردة على موقفها الرافض لما يمثله من المواربة العاطفية، ونزعة الاستحواذ الجسدي. يظهر محمد في السرد شخصية متناقضة أخلاقيا، حاله حال «العم علي»، لكنه أكثر تعقيدا؛ إذ يقدم على الفعل ذاته الذي طالما تهكم على عمه بسببه، ألا وهو الزواج من فتاة صغيرة. كما يتضح لنا أيضا معيار التشيء لديه في النظر للمرأة (طبعا، من خلال عدسة الأنا الساردة)، وفي رغبته في الانفتاح على علاقات متعددة، حيث يسعى لإبقاء حلقة الوصل بينهما، رغم ارتباطه بأخرى، ليبلغ تلاعبه العاطفي منتهاه حين تنقل لنا الأنا الساردة أنه كان يتخيّلها أثناء علاقته الحميمية مع »الطفلة الجديدة»، كما تطلق عليها. ومن جهتها، تدرك الأنا الساردة تبعات مثل هذه العلاقة، وما تنطوي عليه من اختلال قيمي، فتعبر عن إرادتها الواضحة للتملص من قبضة منظومة القيم التي يجسدها محمد، مؤكدة بذلك على اختلافها، واستقلاليتها، وشجبها للعلاقات المفتوحة، ومقاومتها للهشاشة الذاتية.

وأما أخلاقيات السرد، فتتمظهر في الخيارات السردية لهناء الضمنية (أي بوصفها المؤلف الضمني). فنجد أنها قد آثرت فيما يبدو تشييد السرد على صيغة يوميات؛ بغية أن تحيل – من جهة – إلى الحدود الضبابية الفاصلة بين عالمي التخييل، وكتابة اليوميات. بمعنى، أنها ترمي إلى الزج بنا في منطقة إرباكات أنماط الكتابة أو التجنيس الأدبي، لنكون إزاء نص يتحدى التصنيفات التقليدية، غير أنها – من جهة أخرى – تعزز مبدأ الإيهام بالواقع، في محاولة منها إلى خلق صلة وجدانية متينة بين القارئ الضمني/الافتراضي والأنا الساردة. فبالتالي يتسنى لنا أن ننظر بعين الرضا والاستحسان للخيارات الأخلاقية التي تبديها الأنا الساردة. تجعل هذه الواقعية وكذلك التلقائية التي تميز قالب اليوميات، الجمهور التأليفي على تماس مباشر ووجهة نظر الأنا الساردة. فيأخذ في تقبل قرارتها الأخلاقية، وربما تبريرها، والتهاون في الحكم على مواقفها. أضف إلى ذلك، أن فعل كتابة اليوميات قد يكون شكلا من أشكال مقاومة الأنساق الاجتماعية المهيمنة، إثر كونه ممارسة تعبر عن قيم المكاشفة والحرية، وإعادة تموضع الذات بمنأى عن المجهر القيمي للمؤسسات الاجتماعية كالأسرة، كما تشي بذلك المقدمة التي صدرت بها الأنا الساردة عملها.

وأما فيما يتصل بخيارات الأنا الساردة، فيبرز لنا جليا انحيازها وتوغلها في أحكامها القيمية حيال الشخصيات الأخرى. يتضح ذلك حين تواري سرديتها صوت محمد، وحين ترسخ قولبته في صورة الأناني، الذي يسعى وراء الجسد فحسب دون أن ينساق إلى التورط في علاقة جادة. ثمة انتقائية أيضا في سردها للأحداث؛ إذ لا تستفيض حكايتها – مثلا – في سرد دوافعه وآرائه ودفاعه عن قراراته. ويجيء هذا الانحياز وكذلك الانتقائية على العموم بغرض التأثير على حكمنا حين نتفاعل وهذه الشخصيات، ومن ثم توجيهنا إلى تبني موقف متعاطف ووجهة النظر الأخلاقية للأنا الساردة في مقابل تنديدنا – مثلا – بمواقف طليقها على الإطلاق، ونأينا عن وجهة نظره. إلا أننا بصفتنا جمهورًا تأليفيًا قد لا نكتفي هنا بمنظورها؛ لنتساءل عن مدى موثوقية نسختها عن القصة، فنتريث حينها في المصادقة على أحكامها القيمية، فضلا عن أن الأنا الساردة تنبهنا في ثنايا خطابها إلى مغالاتها في مواقفها إزاء الشخصيات والأحداث؛ طبقا لتطرفها وتماديها في مشاعرها، وقصور معرفتها.

ختاما، تقدّم الأخلاقيات السردية إطارا نقديا يروم إلى رفع منسوب تفاعلنا القرائي، وذلك بالتركيز على مقاربة العلاقة بين تقنيات السرد، وما يتولد عنها من الرؤى والأحكام الأخلاقية. وسعت هذه القراءة البلاغية الموجزة إلى إلقاء الضوء على الحمولة القيمية لبعض الشخصيات، وعلى خيارات البناء السردي أيضا كخيار قالب اليوميات، وتقنية اللاموثوقية. تنشد هذه القرارات السردية بلوغ غايات معينة من شأنها أن تعضد دلالات التعاطف والتشكيك لدى القارئ.


    المراجع:

    حجازي، هناء.(2002). يوميات حقيقية لفتاة متخيلة أو العكس. بيروت: جداول.

    -Booth, W. C. (1988). The Company We Keep: An Ethics of Fiction. . Berkeley: University of California Press.
    -Eagleton, T. (1988) ‘The Ideology of the Aesthetic’, Poetics Today, 9(2), pp. 327–338.
    -Phelan, J. (1996). Narrative as Rhetoric: Technique, Audiences, Ethics, Ideology. Columbus: Ohio State University Press.
    - (2005). Living to Tell about It: A Rhetoric and Ethics of Character Narration. Ithaca: Cornell University Press .
    -(2013). Reading the American Novel, 1920-2010. Malden: Wiley-Blackwell.-(2014) ‘Narrative Ethics’, in Hühn, P. et al. (eds.) The Living Handbook of Narratology. Hamburg: Hamburg University. Available at: (Accessed: 1 December 2025).