أ.د. عادل الزهراني
كثيراً ما يظهر الحب ليكون فرصة النجاة الأخيرة التي تلوح للإنسان في لحظة يأس واغتراب وجودي. يستحيل الحب إلى ما يشبه الملجأ والمنفى في الوقت ذاته.
وترد هذه الفكرة في الشعر بصور مختلفة شكلاً ومضموناً، ولعل المثال الذي يرد على ذهني الآن هو الأمير بدر بن عبدالمحسن -رحمه الله- الذي يعبر عن هذه الفكرة في شعره بعمق وجمال وبساطة. تسعى هذه المقالة إلى تحليل قصيدة (عطني المحبة)، وهي إحدى القصائد الشهيرة التي تبرز فيها ظاهرة الحب بوصفه معادلاً موضوعياً للوجود.
عن الوجود الشعري
لأن الشعر -على عكس اللغة العادية- امتداد في الفراغ كما يقول لوتمان، [1] فإنه يعمد إلى بناء وجود موازٍ في واقع افتراضي ندعوه ’الخيال‘، ويؤسس في هذا الوجود عالماً بمواصفات معينة، مصنوعاً من اللغة لا من مصادر الطبيعة (كالماء والنار والتراب والهواء)، ولكنه يستفيد من هذه المصادر في بناء عالمه اللغوي. ويؤثث هذا العالم بالجماليات؛ بالاستعارات، والصور، بالموسيقى، والمفارقات، وبالأفكار المدهشة. بتركيب ما لا يُركّب عادة، والتأليف بين ما هو متناقض، يبني الشعر وجوداً ممكناً، يكون نموذجاً للأمل، ويخلق فكرة تشع في عقل الإنسان بأنه يستطيع أن يتجاوز أزماته، وأن يتعامل مع تناقضات عالمه. هذه التناقضات -التي تقود حياته للفوضى واليأس أحياناً- تجتمع في قصيدة، ويكون اجتماعها جميلاً، تطرب له النفس وتتغنى به ويكتشف أنه يمكن أن يعيش بالتناقضات، وأن يجمع بينها، وأن يكون لوجوده معنى، وأن الحياة تستحق مشقتها.
"يذهب الشاعر إلى إعادة الخريطة السيمانطيقية للغة، وبالتالي إعادة رسم الخريطة الأنطولوجية للأشياء"، هكذا يعبر عنها عادل ضاهر، والشعر بذلك ينبهنا "إلى أن هناك أكثر من طريقة للنظر إلى الواقع ولفهم الأشياء، أي أن هناك عوالم ممكنة كثيرة يعجز الفكر العادي عن تصورها، وأن العالم بالتالي مليء بالعوالم الممكنة". [2] والعالم الذي تقترحه قصيدة البدر هو ’الحب‘، يصبح الحب في القصيدة البديل الجميل لهذا الإنسان المغترب الباحث عن معنى، يصبح الحب ملجأ الغريب ومنفاه المختار. نص (عطني المحبة) [3] من أوائل نصوص البدر؛ أسمعه لطلال مداح في العام1968-1969م [4] فأُعجب به، ولحّنه ثم غنّاه على مسرح التلفزيون. غناء طلال للنص كان يعني ظهوره الأول للمتلقين، وقد لاقت الأغنية نجاحاً كبيراً، أسست لمسيرة تعاون استثنائية بين البدر وطلال امتدّت لعقود وأنتجت أعمالاً خالدة مثل (قصّت ضفايرها، ليلة تمرين، صعب السؤال، سيدي قم) وغيرها الكثير. مع هذا النجاح للعمل الأول على عدة مستويات، يمكن القول إن البدر ولد عبقرياً، وعاش حياة عبقري.
المقولة وأسرار الشعرية
تبدو مقولة النص بسيطة غير معقدة، مقدمةً في قالب بسيط غير معقد؛ مجموعة من المقاطع الثنائية المركبة على لحن شائع وغير معقد أيضاً. خطاب من الشاعر (صاحب الصوت) الذي يمر بما يبدو أنه حالة قنوط ويأس، تجاه محبوبه بأن يبادله الحب إحساساً وفعلاً، لكي يستعيد حياته، أو ليشعر بأنه حي وأن الحياة تستحق، وفي المقابل سيرد له الحب بحب أكبر يملأ حياته أملاً يواجه به مصاعب الحياة.
ترد المقولة على شكل جمل إيقاعية قصيرة ومتوازية، مبنية على الأمر وجواب الأمر بصورة مباشرة وغير متكلفة. فعل الأمر الأساسي الذي يتكرر بين المقاطع هو عطني (أي أعطني أو هبني). وفعل العطاء يقوم على طلب شيء مفقودٍ لدى الطالب موجودٍ لدى المطلوب. لكن العطاء المرغوب يمتد من المحبة إلى أشياء أكبر وأبعد من قدرة المحبوب ربما (الحياة، الوجود، مدى الوجود….).
وهكذا تسير القصيدة في كل مقاطعها تقريباً؛ طلبٌ يعتمد على فعل الأمر: (عطني) الذي يتكرر عدة مرات، وهناك أيضاً فعلا الأمر (سمّعني واملأ). وفي مقابل الطلب يأتي جواب الطلب ليعرض ما يمكن أن يقدمه الطالب الآمر مقابلاً لما يطلبه:
عطني المحبة = أعطيك أملاً غالياً
عطني المحبة = أعطيك حياتي (ما بقي وما مضى مع كل الذكريات).
غير هذه الجمل الطلبية التي يعبر فيها الشاعر عن رغبته في الحب، ليس في النص إلا جملة خبرية واحدة تتكرر لتذكّر المحبوب بمسوغات الطلب؛ إذ الغربة التي تعيشها أغلى الأماني، تحتاج إلى عطاء الحب لتعيش عمراً ثانياً بعيداً عما قاسته من قبل.
لكن هذه البنية التركيبية البسيطة -نوعاً ما- تقابلها بنية إيقاعية ومجازية مكثفة ومركبة، حيث يتشكل الإيقاع كما قلت من مقاطع شعرية متوازية تعتمد على جمل قصيرة تتكون من كلمتين أو ثلاث، مع تقفيات صغيرة ومتنوعة (الحياة/مداه - الأماني/ثاني - غربة/المحبة – نهار/دار - شمعة/دمعة...)، ومقابلات رشيقة: (سكة/دار - حلوه/مره - ليل/نهار - بقى لي/ مضى لي - بسمة/دمعة…). ولا يمكن بالطبع تجاوز الاستعارات المتتالية التي تمثل جوهر الصور الشعرية في النص، من الأماني المغتربة، وليل اليأس، وغدر الليالي، إلى بسمة النهار والدروب المفروشة بالفرح.
نتيجة شعرية: الحب بوصفه وجوداً
قلت إن الشاعر يصنع عالماً موازياً يقيم فيه بناءه الشعري المميز، ويحدث أن يكون هذا العالم مستحيلاً، لا يقوم إلا في النص، ولا يكون ممكناً إلا داخل الصورة الشعرية، ولعل خلف هذا الأمر يكمن واحد من أهم أسرار الخيال (أي أنه لا يجعل المستحيل ممكناً وحسب، ولكنه يجعله ممكناً وجميلاً تهف له النفس، وتنجذب إليه، وتتعلق به).
والبدر يصنع شيئاً مثل هذا في الصورة الرئيسة في نصه حين يطلب المحبة، ويجعلها مقابلاً للحياة. (عطني المحبة/ كلَّ المحبة/ عطني الحياة). وتكتمل الصورة حين يلح بالطلب على محبوبه بأن يعطيه وجوده، لأنه يريد وجوده، ويريد أن يعرف أبعاد هذا الوجود وأفقه: (عطني وجودي/أبغى وجودي/أعرف مداه). نلاحظ هنا أن:
المحبة = الحياة
المحبة = الوجود
المحبة= إدراك مدى الوجود
وبهذا يصل الحب إلى العمق الجوهري حيث يصبح مرادفاً للحياة، للوجود، ولسر الوجود كذلك. توقعنا اللعبة الشعرية دون أن نشعر في قبول تناقض منطقي ندرك معه أن هذا الواقع لا يمكن أن يتحقق إلا في ظاهراتية شعرية (وجود شعري بتمظهرات محددة).
يكمن التناقض بين صيغة الطلب وطبيعة المطلوب؛ فالذي يطلب يختار فعل الأمر (افعل كذا)، وأول شروط الذات الفاعلة الآمرة أن تكون ’حيةً موجودةً‘، ليكون لها القدرة على أن تصبح فاعلةً توجه الأمر، لكنّ طبيعة هذا الشيء المطلوب تجعلنا نقع في شَركِ المفارقة والتناقض حين تطلب الذات -وبصيغة الأمر- حياتها ووجودها.
ليقع السؤال المهم هنا: كيف لذاتٍ أن تكون أولاً، وأن يكون لها أن تأمر وتطلب دون أن يكون لها حياةٌ ووجودٌ يسبقان القدرة على الأمر وفعل إدراك الذات؟! بعبارة أخرى: إذا كانت الحياة شرطاً للطلب، والوجودُ شرطاً لإدراك وجود الذات، كيف يطلبُ الحياةَ من ليس له حياة؟ وكيف يعرف أنه موجود من ليس له وجود؟! بهذه المعادلة المتناقضة -والعذبة في الوقت ذاته- يصبح الحب حياةَ الإنسان، وإن كان يشعر أنه حي دونه، لكنها حياة فارغة من المعنى، ويكون الحب مرآة لإدراك وجود الذات، وإن كانت الذات موجودة دونه، إلا أنه وجود أثيري شفاف لا يعكس الذات ولا يضع حدوداً حقيقية لوجودها.
وهكذا لا يبقى للبشري غير الحب، ملاذاً لمخاوفه، ومنفى لمطامعه؛ يصبح الحب الإجابةَ الأخيرة للدازاين؛ [5] هذا الإنسان الذي وجد نفسه متروكاً هنا دون اختياره، يعيش غربةً وجودية لا جَملَ له في بدايتها، ولا ناقةَ في نهايتها.
المراجع:
انظر: يوري لوتمان، تحليل النص الشعري: بنية القصيدة، ت. محمد فتوح، القاهرة: دار المعارف، 1995، ص60.
عادل ظاهر، الشعر والوجود، دمشق: دار المدى، 2000، ص108.
بدر بن عبد المحسن، عطني المحبة، الديوان، موقع إلكتروني.
ترد القصة على لسان البدر في أحد اللقاءات التلفزيونية، انظر مقطع الحلقة على اليوتيوب بعنوان: قصة أغنية (عطني المحبة).
يشير أصل المفهوم في الألمانية إلى دلالة (الموجود هناك أو الإنسان الموجود هناك)، لكن هايدقر يطور مفهومه الخاص انطلاقاً من هذه الدلالة، ليعني الإنسان المنفتح على كينونته والقادر على إعطائها معنى وفق إطار زمني. يقول محمد سبيلا شارحاً: "والدازاين أو الإنسان أو الكائن الإنساني هو الكائن الذي يمتلك القدرة على فهم الكينونة، ومن ثمة فإن مساءلته هي الطريق إلى فهم الكينونة ذاتها". محمد سبيلا، مصطلحات هايدغرية، مجلة الاستغراب، خريف 2016، ص474.