المدونة بوصفها صياغة جديدة لكتابة الذات

طاهرة آل سيف

هل يمكن أن نفكر في كتابة الذات من دون إثارة قضية الأنا؟ إذن علينا أن نحدد أولاً مضمون الأنا، (لقد كانت هذه الأنا إلى زمن فرويد الذي أعاد تعريفها في المقام الأول (تجربة نحسُّ بها باعتبارها شكلاً من أشكال الداخل)، وهي شرط لهذه التجربة يمكن أن تُرد إلى الوعي باعتباره ذاتاً تفكر، فهي شرط لممكنات التفكير ضمن الزمن، فنحن لا نعي أننا موجودون فقط من خلال الأنا، بل أكثر من ذلك! إننا نعرف ذلك) [1] .

لقد كان لديكارت تصور أيضاً أنها ذات ضامنة لوجودها الخاص وليست في حاجة إلى العالم لكي تكون واعية بنفسها (أنا موجود) وهذا من باب اليقين، أنا شيء يفكر ويتميز عن كل مادية جسدية، ولكن ماذا تعني أنا شيء يُفكر؟، أي شيءٌ يتساءل حول العالم، يتعلق الأمر بذات واعية للطابع الإشكالي لوجودها (أنا أفكر إذن أنا موجود) وفي مقابل هذا الذي يؤكد وجود الذات والوعي بها والاختيار الحُر وجب التفكير أن محل الأنا هنا هي انفتاح على الذات [2] .

ومن هنا يمكن طرح السؤال الآتي: ماذا يعني أن يحاول المرء أن يكتب ذاته، إن لم يكن محاولة لإعادة السؤال (من أنا)؟! فأن يقوم المرء بتدوين يومياته،وأفكاره، وصوره، بل أكثر من ذلك هو يدون ما يؤرقه ويدفعه لإثبات ذاته واستشعار وجودها من خلال هذا العالم الرقمي، معناه أن يقوم بتجسيد لهذا التساؤل من خلال وسائط مختلفة تجاوزت التدوين الورقي السابق، وما يمر به من مراحل تحرير وإخراج مروراً بقنوات متعددة، وسائط تحرر ما يريده في ثوان معدودة، وهذا الفعل الجديد شاهد على الرغبة في اختراق الذات التي صارت غير قابلة للإمساك، لأنها عرضة لتحول مستمر، ففي اللحظة التي نكتب بها عن ذواتنا عبر الوسائط كأننا نثبتها ونشعر أننا استطعنا أخيراً أن نعكس صورة ذواتنا عبر كلمات تعبر عن مكنوناتنا .

وحيث السرد والحكي ظاهرة أصيلة في الوجود الانساني ومن خلاله استطاع الانسان أن يكوّن خلفية معرفية حول الكون والعالم [3] ، ومن خلال تدويناته الأولى لنفسه في الكهوف التي ملأها بمغامراته في مطاردة الفرائس، والحروب والترحال، رغبة منه في أن يُرى وأن تتجاوز تجربته الصيغة الفردية إلى أفق سردي مفتوح وضارب حتى أزمنة قادمة.

إن هذا التساؤل حول الذات وتضمينها عمق الزمن أصبح في وقتنا الحاضر وفي ظل الثورة الرقمية تساؤلاً لا يُطرح على الذات فقط ولا على الآخر، بل يتجاوزهما لتكون الآلة شريكاً، لقد أصبحت وسيطاً بين الذات ونفسها، إننا نكتشف وجود تناظر مهم مع (مرحلة المرآة) [4] كما يحددها النفساني جاك لاكان حيث يحل الذكاء الاصطناعي محل المرآة، ويجدر بنا هنا أن نقف قليلاً على مدى التأثر بالذكاء الاصطناعي وانعكاسه على الذات في ظل هذه النظرية. مرحلة المرآة يعني بها اللحظة التي يتعرف فيها الطفل على صورته في المرآة، ويبدأ في تكوين إحساس بالذات، إذ كان قبل هذه اللحظة في حالة تشبه التشتت الجسدي من دون تكوين وحدة واضحة بين نفسه والعالم، وبعد رؤية الصورة يبدأ بفهم نفسه وتكوين صورة مثالية متماسكة، هذه الصورة المثالية تصبح مرجعاً للذات لكنها في الوقت نفسه مختلفة عن واقع الذات الحي، [5] وهنا يمكننا تشبيه ما يحدث في الذكاء الاصطناعي بمرحلة المرآة، ولكن بصورة موسعة قليلاً، فعندما يستخدم الذكاء الاصطناعي بياناتنا وكتاباتنا وأفكارنا التي نمنحها له ثم يعيد تقديمها لنا فإنه يصبح مرآة تظهر لنا نسخة معدلة أو محسنة عن أنفسنا، إذن نحن نستقبل ذواتنا الرقمية التي نظن أنها أكثر تنظيماً أو أكثر مثالية من الذات الحقيقية، وهذا انعكاس في غاية الخطورة إذا لم يتم ضبطه والتعامل معه بواقعية خادمة، لأن ذلك سيولد شعوراً بوجود ذات مثالية إلكترونية تطاول الأفكار والذات الحقيقية إن لم تعطلها.

أما في الحديث عن المدونة وكتابة السيرة الذاتية فلا يمكن النظر إلى المدوّنة بوصفها شكلاً حديثًا وممتدًا للسيرة الذاتية أو لليوميات الورقية، كما لا يمكن اختزالها في كونها ممارسة رقمية طارئة، فالمدوّنة في سياق كتابة الذات، تمثّل مرحلة انتقالية تطرح نفس الأسئلة التي تؤرق الكاتب على وجه الخصوص: لماذا نكتب؟ ولمن؟ وبأي وعي زمني وهوياتي نكتب؟

لقد تأسست كتابة الذات، في نماذجها الكلاسيكية، على ما عُرف بالتوثيق السيرذاتي، حيث يسعى الكاتب إلى إقناع قارئه بمسألة التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية، حتى تصبح الكتابة الذاتية على قدر من الموثوقية وبقدر من الصدق المرجعي، غير أن هذا الشرط الذي يقدم نصًا مكتملًا يُكتب من مسافة زمنية مضت، قد تعرّض في المدوّنة إلى تفكك تدريجي، وليس ذلك بسبب ضعف الموثوقية إنما بسبب تغير نمط الكتابة وقالبها الذي فرضته القفزة الرقمية.

ومن هنا يمكن القول إن المدوّنة تقدم كتابة الذات كونها مشروعًا غير منتهٍ، فبينما تقوم السيرة الورقية على فكرة الاكتمال النسبي إذ تتضمن :بداية، ومسارًا وخاتمة، وإن كانت السٍّير في غالبها غير مكتملة، إما لأسباب زمنية تلامس قدرة الذاكرة أو لأسباب رصدية تمس الأسرار الشخصية، فإن المدوّنة قابلة للرصد الهامشي، وبسقف أعلى قليلاً يتيح الكشف، لأنها تقوم على مبدأ الاستمرار، وعلى ذلك نجد إننا نعايش النص المدون وندرك تماماً أنه يقدم نصاً قابلاً للتعديل والنمو والنضج، وهذا أحد أكثر الجوانب حساسية وإدراكاً في كتابة الذات في الزمن الحديث .

إن من أبرز ما تمهّد له المدوّنة في كتابة الذات هو تفكيك عزلة الأنا، فبفعل التلقي الفوري، والتعليقات، وإمكانية المشاركة، صارت الذات تكتب في فضاء ممتلئ بشبكة من القرّاء والكُّتاب، حتى وإن كان حضورهم غير فاعل، فهو لا يُعزز فردانية التجربة، بل يعيد تشكيلها بالضرورة، فالذات في المدوّنة تُكتب وتُعاد صياغتها عبر الآخرين أيضاً، ما يجعلها في حالة تفاوض دائم مع صورتها المكتوبة، إسقاطاً على قول إن الهوية (لا تتحدد نهائيا، بل تتكون وتتحول طوال حياة الإنسان). [6]

تعد منصة كتابة [7] نموذجا حديثا للمدونة الرقمية، فهي تتيح للكاتب إنشاء مساحة شخصية ثابتة لنشر النصوص الطويلة، مع الاحتفاظ بها في أرشيف، يهتم بالكتابة والتشجيع على خلق بيئة تفاعلية للكُّتاب، حيث تضم أكثر من سبعة آلاف كاتب من الوطن العربي، ولا يخضع المحتوى في منصة كتابة لمنطق الخوارزميات أو النشر اللحظي، بل يقدم نصاً للبقاء الزمني، تؤدي المنصة الوظيفة الجوهرية للمدونة من حيث كونها مساحة مستقلة نسبيا للكتابة، تبرز صوت الكاتب ورؤيته، وتتيح له بناء مشروعه الكتابي بشكل تراكمي، وبذلك يمكن النظر إلى منصة كتابة كونها صيغة معاصرة للمدونة، تجمع بين تقاليد التدوين الكلاسيكي وأدوات النشر الرقمي .

بهذا المعنى، تمهّد المدوّنة لانتقال كتابة الذات من سؤال ماذا يقال عن الذات؟ إلى سؤال كيف تقدم هذه الذات؟ وهو انتقال قد تكون له امتداداته اللاحقة في السرد، واليوميات المرئية، والرسائل والأفكار المتبادلة وحتى مشاريع كتابة الذات عبر أجناس أدبية ربما تكون مبتكرة وغير مسبوقة.


المراجع:

تحولات الأنا في العصر الافتراضي، إلزاغودا، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي للكتاب ص 75

المرجع السابق ص 82

الشرعية وسلطة المتخيل، سعيد بنكراد، دار الحوار، ص17

تحولات الأنا في العصر الافتراضي، ص 85

Almrsal.com مقال نظرية جاك لاكان في علم النفس، جودي ملا

الهويات القاتلة، أمين معلوف، دار الفارابي، ص 35

منصة كتابة العربية