د. محمد جعفر
إذا أردنا أن نفهم المشهد الشعري في قصيدة النثر فهمًا غير ساذج، وجب أن ننقل الصورة من خانة “التجميل” إلى خانة “الإشارة”. ففي علم الإدراك والسلوك، الإنسان لا يتحرك بالمعرفة المجردة وحدها، ولا يثبت على معنى لأنه سمعه مرة، بل لأن إشارةً دقيقة - خاطفة، شديدة الحضور- توقظ الانتباه قبل أن تعمل الحجج. اللقطة الشعرية تؤدي هذا الدور ذاته: تسبق الفهم، وتوقظ الحس، ثم تترك العقل يتبعها متأخرًا. لهذا يبدو القارئ أمام كثير من نصوص النثر كأنه لا “يفهم” مباشرة، لكنه يشعر أنه دخل منطقةً أعمق من الفهم، منطقةً تُصنع فيها الدلالة لا تُلقى. وتتقاطع هذه الرؤية مع ما تقوله أبحاث الخيال الذهني الحديثة: الصورة المتخيلة ليست ظلًّا للمشهد، بل ورشةً داخلية لإنتاجه، وكأن اللغة تتحول إلى عين ثانية داخل الرأس - لا ترى الأشياء فحسب، بل ترى أثرها في الوعي (كاثوفر وآخرون، ٢٠٢٥ م).
ومن هنا يمكن إدراك التحول الذي أحدثته قصيدة النثر: إنها لم تُلغ الموسيقى بقدر ما نقلتها. فحين يغيب الوزن الظاهر، لا تختفي الموسيقى، بل تتخفى في بنية أخرى: إيقاع اللقطة، توتر الجملة، اقتصاد الكلمات، وطريقة توزيع الضوء داخل المعنى. ولذلك لا يبدأ النص غالبًا بحكمةٍ أو خطاب، بل بومضة: نافذة تُشبه المسافة أكثر مما تُشبه النافذة، شارعٌ يزدحم بالضوء ويقل فيه اليقين، ممرٌّ لا ينتهي كأنه زمن يمشي على قدمين. هذه الومضة ليست “منظرًا” بل محرّكًا؛ فالقصيدة حين تتقن صناعتها لا تتحدث عن المعنى، بل تُنزل القارئ فيه.
وهنا يلزم معيار نقدي يقطع طريق المجاملة، ويمنح النص صرامته: ليست كل صورة شعرًا؛ بل إن الصورة ذاتها طبقات، وتُرتَّب إلى ثلاث درجات نقدية داخل قصيدة النثر:
١. صورة - مشهد: تعطي منظرًا وتؤدي وظيفة التصوير.
٢. صورة - إشارة: توقظ الانتباه وتفتح باب التأويل.
٣. صورة - مِشرط: لا تصف العالم، بل تشقّ المعنى وتدخل القارئ في جرح السؤال.
وبهذا تصبح قصيدة النثر قابلة للمساءلة: ليست العبرة بكمّ الصور، بل بنوعها. فالنص الذي يكتفي بصورة-مشهد قد يُعجب، لكنه لا يغيّر. أما النص الذي يبلغ صورة-مشرط فهو الذي يحفر أثرًا لا يُنسى.
وتظهر خصوصية التجربة السعودية حين تتحول الصورة من تقنية إلى أثر حضاري. فالسعودية ليست مكانًا يُرى بسهولة؛ إنها مكانٌ يُختبر بصريًا: اتساعٌ يدرّب العين على المسافة، وسماءٌ تجعل الأشياء أصغر مما نعتقد، وصمتٌ قديم يتعايش في الداخل حتى حين تزدحم المدينة. في مثل هذا المناخ لا يكون الضوء مجرد عنصر جمالي، بل عنصرًا معرفيًا: الضوء يكشف - وقد يفضح. والفراغ ليس مساحةً محايدة، بل معنى قائم بذاته. وفي الكتابة السعودية يتقدم الصمت أحيانًا على الإفصاح، ويُربّى المعنى على الحذر لا على الاستعراض؛ ولهذا تحمل الصورة هنا “هيبةً” لا “زينة”. وفي بلدٍ يفيض ضوءًا، يصبح الشعر محاولةً لتخفيف الضوء… حتى نرى.
ولكي يتضح عمل الصورة بوصفها هندسة وعي لا زخرفة لغوية، يكفي مثال صغير:
“في نهاية الممر كانت المرآة معلّقةً مثل تهمة… كلما اقتربتُ منها ابتعد وجهي.”
هذه اللقطة لا تصف مرآة، بل تعيد تعريف الذات: الذات الحديثة التي تلاحق صورتها فلا تمسكها، كلما اقتربت من تعريف نفسها تراجع التعريف خطوة. لم تعد المرآة أداة انعكاس، بل تحولت إلى اتهامٍ ومسافةٍ وفقدان. هذا هو المستوى الثالث: صورة - مِشرط؛ لأن الشعرية ليست في غرابة الاستعارة، بل في قدرتها على فضح الداخل دون خطاب.
لكن فتنة الصورة تحمل خطرها أيضًا. فالقصيدة قد تنزلق من “الصورة بوصفها معرفة” إلى “الصورة بوصفها إبهارًا”. وهنا تتشكل المفاضلة النقدية الحقيقية: ليست القضية في حضور الصورة أو غيابها، بل في وظيفتها. هل هي ضرورة بنائية أم فائض جميل؟ هل تولد من حاجة النص أم من رغبة الكاتب في صناعة دهشة سريعة؟ ففي التصور التأسيسي لجدل الصورة والنص، لا تُفهم الصورة بصفتها نافذة محايدة، بل بصفتها خطابًا حمل سلطةً ودلالة (ميتشل، ١٩٩٤ م)، وهو ما توسّعه القراءات الأحدث ضمن سؤال “أخلاق الصورة” في الثقافة البصرية المعاصرة (ميتشل، ٢٠٠٥ م؛ ميرزوف، ٢٠٢٣ م). في زمن الثقافة البصرية تصبح الصورة سلطةً، ويصبح الانتباه عملةً تتنافس عليها المنصات والشاشات. فإذا لم تكن الصورة الشعرية مختلفة في أخلاقها، سقطت في السوق نفسه: السوق الذي يشتري العين ولا يوقظ القلب.
وتقترح الجماليات الحديثة سندًا علميًا دقيقًا لهذا التمييز. فالتجربة الجمالية ليست مجرد إعجاب، بل بناءً إدراكيًا مركّبًا؛ وقد تكون التجربة عبر التخيّل الذهني قريبة شعوريًا من التجربة البصرية المباشرة مع اختلاف أسسها العصبية (كاثوفر وآخرون، ٢٠٢٥ م)، كما تُظهر أبحاث عصبية حديثة اختلاف البنى المرتبطة بتجارب الجمال بين الفنون البصرية والموسيقى (لوو وآخرون، ٢٠٢٥ م). ومعنى ذلك أن الصورة الشعرية لا تُقاس بلمعانها، بل بقدرتها على إعادة تنظيم الانتباه وإنتاج قيمة معرفية.
ثم تأتي العربية نفسها لتمنح هذه الصورة طبقة إضافية من الفاعلية. فالعربية ليست وعاء معنى فحسب؛ إنها جسد بصري: هيئة الحروف، اتجاهها، توترها في السطر. والقراءة بالعربية تتأثر بالانتباه البصري في التعرف على الحروف وبناء الدلالة (فالدويس وآخرون، ٢٠٢٥ م)، وهو ما يمنح قصيدة النثر مساحةً إضافية: إنها لا ترسم الصورة داخل اللغة فقط، بل تكتبها على اللغة.
تخلص هذه المقالة إلى ثلاث نتائج:
١. الصورة البصرية في قصيدة النثر السعودية بنية إدراكية تنتج المعنى، لا زخرفة بلاغية.
٢. خصوصيتها تنبع من تفاعلها العميق مع المكان السعودي: الضوء، الاتساع، المسافة، وثقل الصمت داخل حداثةٍ سريعة.
٣. المفاضلة النقدية الحاسمة ليست بين الأشكال الشعرية، بل بين صورة تُعيد بناء الرؤية وصورة تكتفي بالإبهار. وفي زمنٍ تُستنزف فيه العين وتُختطف فيه القدرة على التأمل، يصبح الشعر آخر مكانٍ تُستعاد فيه أخلاق الرؤية: أن نرى العالم بعمق… وألا نمرّ به كصورةٍ أخرى. ليست قصيدة النثر فنًّا للصور، بل فنًّا لصناعة العين التي ترى.
المراجع:
- كاثوفر، م.؛ لام، ك.؛ ليدر، هـ.؛ وكرونه، ج. س. (٢٠٢٥ م).
التجارب الجمالية بين الإدراك البصري والتخيّل الذهني: متشابهة سلوكيًا ومختلفة عصبيًا.
مجلة «آي ساينس»، المجلد (٢٨)، العدد (٦)، رقم المقال: (١١٢٥٨٨).
معرّف الوثيقة الرقمي: 2025.112588
- لوو، ي.؛ يو، ك.؛ وو، س.؛ ولوو، ي-ج. (٢٠٢٥ م).
أسس عصبية متميزة للتجارب الجمالية الناتجة عن الفنون البصرية والموسيقى.
مجلة «نيوروإميج»، المجلد (٣٠٥)، رقم المقال: (١٢٠٩٦٢).
معرّف الوثيقة الرقمي: 120962
- ميتشل، و. ج. ت. (١٩٩٤ م).
نظرية الصورة: مقالات في التمثيل اللفظي والبصري.
شيكاغو: دار نشر جامعة شيكاغو.
- ميتشل، و. ج. ت. (٢٠٠٥ م).
ماذا تريد الصور؟ حيوات الصور وأشواقها.
شيكاغو: دار نشر جامعة شيكاغو.
- ميرزوف، ن. (٢٠٢٣ م).
مدخل إلى الثقافة البصرية (الطبعة الثالثة).
لندن/نيويورك: دار روتليدج للنشر.
- فالدويس، س.، وآخرون. (٢٠٢٥ م).
أثر الانتباه البصري في تعرّف الحروف واكتساب القراءة في اللغة العربية.
مجلة «فرونتيرز في علم النفس»، المجلد (١٦)، رقم المقال: (١٦٢٨٠٥١).
معرّف الوثيقة الرقمي: 2025.1628051