"أدب الفسيخ لعبده خال نموذجًا"

أ.د عبدالله بانقيب

يرى اللغوي الفرنسي أزفالد ديكرو أن "اللغة تحمل بصفة ذاتيّة وجوهريّة وظيفةً حجاجيّةً[1]. ومحصّل ذلك أنّ الحجاج كامنٌ في كلّ أنواع الخطابات. في محاورات الناس اليوميّة، وفي الخطابات الدينيّة والأدبيّة والقانونية والاقتصاديّة وغيرها من أنواع الخطابات. ولا شكّ في أنّ المقالة التي تحمل رأي صاحبها من ألصق الخطابات بالحجاج، فهي تحمل وجهة نظره التي يحرص فيها على تدعيمها بأنواعٍ من الحجج تمكّن من نفاذ الفكرة، ومن إقناع القارئ بها. وليست مقالة الرأي في الصحافة السعوديّة بدعًا في ذلك، إذ تسير وفقًا لذلك المقتضى.

وليس في وسع هذا المقام التدليل على ذلك بنماذج عديدةٍ من مقالات الرأي في الصحافة السعوديّة، وسنكتفي بتحليل نموذجٍ واحد، وهو مقالة حديثة للروائي عبده خال بعنوان: (أدب الفسيخ)، نشرها في صحيفة عكاظ في 30 نوفمبر 2025م. وفكرة المقالة الرئيسية أنّ الإبداع الروائيّ موهبةٌ أصيلةٌ ليس في مقدور ورش التدريب التي انتشرت في الفضاء الأدبي والثقافي منحها للمتدربين.

وأوّل ما يُلحظ على عنوان المقالة، جمعُه بين أمرين ينطويان على مفارقةٍ حادّةٍ، إذ قرن (الأدب) الدالّ في الأذهان والوجدان على الترقي العقلي والنفسي، بـ(الفسيخ) المستجلب من معجم الطعام، والمرتبط في المخيال الجمعي بدلالاتٍ لا تخفى. ولا شكّ في أنه أراد من ذلك لفت انتباه القارئ، وجذبه إلى قراءة المقالة.

وافتتح الكاتب مقالته بما يمكن أن نسميه بحجّة السلطة التي تقوم على "الاحتجاج لفكرةٍ أو رأيٍّ أو موقفٍ اعتمادًا على قيمة صاحبها"[2]، وقد تكون حجّة السلطة "شخصيّة وقد تكون لا شخصيّة"[3]. تستند في الشخصيّة إلى الحجاج بأشخاص "معيّنين بأسمائهم وهويّاتهم؛ كأنْ نشير بالاسم إلى شاعرٍ أو نبيٍّ أو عالمٍ أو فيلسوف"[4]. وهذا ما نجده في فاتحة المقالة التي استند فيها إلى رأي (الدكتورة نورة القحطاني)، فهي أستاذةٌ مختصّةٌ في الأدب، وحائزةٌ على رتبةٍ علميّةٍ، ولها نشاطها العلمي والثقافي الملحوظ، مما يجعل لرأيها في شأنٍ أدبيٍّ قيمةً خاصّةً يعزّز به الكاتب هدفه في الاستخفاف بسَيْر عمل ورش التدريب الأدبي، وذلك حين يعرض ما أسمته القحطاني بزمن العجايب الذي نرى فيه مَن ليس لها سوى روايةٍ واحدةٍ هزيلةٍ ومع ذلك تُسنَد إليها مهمّة تدريب كتابة الرواية. ولا نستطيع أن نغفل هنا أن رأي عبده خال نفسه في هذا الشأن يمثّل سلطةً بوصفه روائيًّا معروفًا، وصاحب تجربةٍ متمرّسةٍ في الإبداع الروائي.

وفي المثال الذي ذكرته الدكتورة القحطاني ما يَبِين عن أنّ الكاتب خال كان - لتأكيد وجهة نظره – يستند إلى الشرح بالمثال واستحضار الأحداث[5]، ويعني الاستناد إلى المثال والأحداث في الحجاج "البحثَ في الواقع عن المادة التي تطلق الاتّفاق والقبول تحت لواء الحقيقة"[6] ولم يكن مثال الدكتورة القحطاني هو الحدث الوحيد الذي استند إليه الكاتب خال، بل نراه يستعين بحدثٍ شخصيّ، وهو حضوره لورشة تدريبية اتخذت المتدربة من كتاباتها نموذجًا تطبيقيًّا، وكانت كتابتها بحسب خال ضعيفةً جدًّا، وواضحٌ أنّ خال أراد من خلال هذين الحدثين التهوين من شأن التدريب الروائي، وتعزيز عدم جدواه لدى قارئ مقالته.

ومما يتصّل بذلك تجربة خال في تقويم مشاركات القرّاء بالقسم الثقافي بجريدة عكاظ سنين طوال، واقترن سَوْقه لهذه التجربة بحجةٍ أخرى، وهي حجّة المقارنة، وهي حجّة تقارن "الحقائق فيما بينها، لا من أجل الحكم بالتشابه أو الاختلاف بينها، وإنّما بغرض تقديم حجّةٍ على حكمٍ ما"[7]، والمقارنة تؤدّي "دورًا مهمًّا في الحجاج حيث يكون من الضروري الموازنة بين فكرتين أو أكثر للانتصار لهذه الفكرة أو تلك. كما أنها مهمّةٌ من جهة حاجة الـمُحاجِج إلى هذه الآلية لإبراز أوجه التشابه بينه وبين مخاطبه (نفس القيم أو نفس الرهان أو أهداف مشتركة أو موقف واحد) وأوجه الاختلاف بينه وبين خصمه"[8]. والمقارنة التي عقدها خال كانت بين النشر في الصفحات الثقافية بالصحف، والنشر الجديد الذي أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، بدءًا من ظهور المنتديات، وكيف أنّ النشر بالصفحات الثقافية كان جواز عبور الكاتب لما يستوجبه النشر فيها من فحصٍ وتقويم، في حين أنّ وسائل التواصل الاجتماعي - التي يغيب فيها ذلك الفحص والتقويم - أتاحت للجميع النشر، ممّا مكّن لأصحاب المواهب الضعيفة النشر، والحصول على الثناء. وزاد الأمر سوءًا عند خال ما تقوم به دور النشر من استسهال النشر لمن يملك ألف دولار ليحظى بلقب كاتبٍ أو قاصٍّ أو روائيٍّ.

وينهي خال مقالته بالنتيجة التي أرادها بعدم جدوى التدريب، وتدني مستوى مخرجات الأدب في السنوات الأخيرة. ويعزز هذه النتيجة إضافةً إلى كلّ ما سبق بحجة سببيّة. والحجاج السببي يقوم على ردّ النتيجة إلى أسبابها الداعية إليها[9]، فيما يصفه بيرلمان بالحجة النفعيّة، وهي "حجّة النتائج التي تستحسن فعلًا وحدثًا وقاعدةً أو أيّ شيءٍ آخر على أساس نتائجه المقبولة أو غير المقبولة. وعلى هذا النحو تنقل جزءًا من القيمة أو القيمة كلِّها من هذه النتائج إلى ما يعدّ سببًا أو عائقًا"[10]. والسببان اللذان يرد إليهما خال تلك النتيجة: ضعف المدرّب، وأنّ مَن يتدرّب ليست لديه الموهبة أساسًا.

وأخيرًا، لم يكن هدفنا في هذه المقالة تأييد وجهة نظر الكاتب أو معارضتها، بل كانت غايتنا الكشف عن المسالك الحجاجية التي اتّخذها لتمرير وجهة نظره وإقناع القارئ بها. وهذا الكشف هو الغاية الأهمّ لأيّ تحليلٍ حجاجيٍّ وإن لم يغيّب ذلك غاياتٍ أخرى.



    المراجع:


    [1]أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج، ص18.
    [2]فضيلة قوتال، حجاجيّة الشروح البلاغيّة وأبعادها التداوليّة، ص278.
    [3]محمد مشبال، في بلاغة الحجاج، ص135.
    [4]السابق، ص135.
    [5]ينظر في تفصيل هذه الآليّة الحجاجيّة: آمال المغامسي، الحجاج في الحديث النبوي دراسة تداوليّة، ص365 وما بعدها.
    [6]ليونيل بلنجر، عدة الأدوات الحجاجية، نقلا عن: السابق، ص365.
    [7]فضيلة قوتال، حجاجيّة الشروح البلاغيّة وأبعادها التداوليّة، ص178.
    [8]مارلين سعيد، الحجاج الفلسفي من التأطير النظري إلى التطبيقات الصفّيّة، الاسترجاع بتاريخ 3 ديسمبر 2025م.
    [9]محمد مشبال، خطاب الأخلاق والهويّة في رسائل الجاحظ مقاربة بلاغيّة حجاجيّة، ص43
    [10]نقلًا عن: السابق، ص43، هامش4