صراع الأنا والآخر في السيرة الذاتية السعودية

أ.د كوثر القاضي

الأنا والآخر من الثنائيات المهمة التي شكَّلت محور اهتمام الفلاسفة والمفكرين الغربيين والعرب. فاهتمت بهما الفلسفة الغربية؛ فبهما يكتمل الوجود الإنساني. ولا يمكن أن توجد الأنا بلا آخر؛ فهما وإن تباعدا وتنابذا يتفاعلان فيما بينهما سلبًا وإيجابًا بالنظر إلى علائق القوى التي تمنح الغلبة لطرف على حساب الطرف الآخر. [1] واكتشاف الآخر من أهم ما يشغل الإنسان المعاصر؛ لأنه يتعرَّف على حقيقة لا تحوزها الأنا أو الذات بلغة الفلسفة، وإدراك لكائن يحتل مساحةَ وجودٍ لا يمكن للأنا أن تتمدد في فضائها، والآخر هو مدى الحياة المتنوعة، وصور الوجود المتعددة، وحقل إمكانات خصبة، ومحطة توليد خيارات لا متناهية. [2]
والآخر في أبسط صوره هو مثيل أو نقيض الذات أو الأنا، وقد ساد كمصطلح في الخطاب الاستعماري (الكولونيالي) كالآخر المستعمر أو العدو، وما بعد الاستعماري، وكل ما يستثمر أطروحات الكولونيالية مثل النقد النِّسوي والنقد الثقافي والاستشراق. [3]
وقد يكون الآخر: المختلف ثقافيًا واجتماعيًا، وقد يكون العدو المستعمر، وقد يكون الأسود....الخ بحسب ما تعانيه الذات معه أو بإزائه.
ودراسة هذه الإشكالية تتيح لنا فهم خصوصية الأنا التي تتشوّه حينما تقوم على تعظيم الذات، وتنطلق من نظرة واحدة إقصائية، تحتقر كل من يختلف عنها أو معها، مثلما تتيح لنا فهم خصوصية الآخر المختلف. [4]

ويبدو فن السيرة الذاتية من ألصق الفنون الأدبية بالذات الكاتبة، وقد حاول فيليب لوجون وضع حد للسيرة الذاتية بأنها حكيٌّ استعاديّ نثري يقوم به شخصٌ واقعيّ عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركِّز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته. [5]
ونظرًا لمحدودية المساحة التي نكتب فيها هنا؛ حاولت أن أوضح هذه الإشكالية في ثلاثة نماذج فحسب. أرى أن كل سيرة ذاتية هي إضافة أخرى لمضمون هذا الفن الذي لا يمكن أن يكون نقيًّا تمامًا فالذات ليست كيانًا جاهزًا وليست معطى مرئيًا تدركه الحواس بلا وسائط. "إنها سيرورة خاضعة في وجودها وفي تحقيقها لمجموعة من الشروط. وهذا يقتضي أن يكون المفهوم عملية تراكمية تتضاعف وتتنامى مع الأيام وقد يتراجع الحقل المعرفي عن نظرته استنادًا إلى معطيات جديدة تفرض واقعًا جديدًا من شأنه أن يعيد صياغة المفهوم" [6]

والذات في السرد السيري تتوجه عادة إلى تأمل نفسها ومجادلة أفكارها وهواجسها سعيًا إلى الفهم والإدراك. وتمتزج صورة الآخر أحيانًا من خلال نقد لاذع للمجتمع، وتقديم الجانب السلبي والآثار النفسية العميقة التي تركها مجتمعة في الأفكار والموروث والعادات والتقاليد التي أرهقتها في حياتها بدءًا بالأسرة إلى المجتمع الكبير. [7] وتعد حالة رفض العادات الاجتماعية الموروثة ظاهرة لافتة في السيرة الذاتية للمرأة خاصة، وقد ظهرت في سيرة ليلى الجهني "40 في معنى أن أكبر" تقول مثلًا:
ماعاد يعنيني أن يفهم أحدُ اختلافي أو حتى يتقبله، ليس يأسًا، بل لأني أدركتُ أن الفهم الذي أنشده عصيٌّ على الأقل الآن، وفي هذه اللحظة. ومادام عصيًّا فليس من الجيد أن أستنزف طاقاتي في استجلابه؛ لأن معظم الناس لا تفهم إلا ما تعرف ويربكها الاختلاف" [8] وتقول "إنني أكبر، وأزداد مرضًا بخصوصيتي، لم أعد أطيق أن أُقتحم بفجاجة، ولأسباب أشد فجاجة" [9]
وتظهر ذات الكاتبة عاجزة عن الامتثال للمجتمع وعاداته الموروثة من جهة وعن إقناعها باختلافها وتقبّله من جهة أخرى. وتتضح فكرة محاولة الكاتبة لإحداث التغيير في قناعات

أفراد مجتمعها والبيئة المحيطة بها التي ترفضها ولا تمتثل لها، والسعي للارتقاء بمستوى الوعي الذاتي والجماعي؛ إلا أن هذه العادات بقت الأقوى لذلك تصل الأنا والذات الكاتبة معًا لمرحلة الانفصال والانكفاء على النفس. [10] تقول:
"وقد عجزتُ عن أن أتبلد في مواجهة تهتك الحياة، عجزت عن ألا أشعر في مرات كثيرة بأنني في المكان والزمان الخاطئين، ليس لأنني أفضل أو أحسن؛ بل لأن طباعي وأفكاري وطريقتي في أن أحيا حياتي لا تناسب هذا المكان ولا هذه اللحظة العصية من الزمان" [11] من السيرة
تبدو الأنا هنا في صراع مع مجتمعها، وعند ليلى الجهني وكثير من الكاتبات يكون هناك تسيّد للأنا كردة فعل طبيعية إزاء سيطرة الذكورية؛ فتحشد الكاتبة طاقتها الأنثوية قبل طاقة الكتابة، لتكشف عما أصابها من تهميش، فجاءت لغتها عنيفة ومبالِغة وناقمة بشكل كبير، فكانت الكتابة تتجه للاقتصاص لحقها من الآخر أكثر مما تسعى إليها في كتابة سيرتها الذاتية والأحداث المفصلية التي مرّت بها.
وتتشكّل الأحداث في سيرة أميمة الخميس "ماضي، مفرد، مذكر" منذ العنوان لانتقاد فكرة الذكورية السائدة في المجتمع، فتوجه سهام نقدها إلى كل العوائق التي تقف في وجه الأنا الأنثوية، لتكشف عن صوت المرأة الغاضب القادم لهدم النسق الذكوري الماضوي، وكأنها تريد أن تدعم وتبرر نبرتها. [12]
وتقول د. سميرة الزهراني:
"... فالكاتبة في هذه السيرة تقدّم تجربتها في التعليم مذ كانت طالبة، ثم معلمة في مدارس عديدة، حتى تعيينها مديرة للإعلام التربوي، فهي خلال هذه المسيرة ازدادت قناعة بسلبية التعليم وأساليبه، كاشفة عن سلبيات تعشعش في منظومة التعليم، مما جعلها في النهاية تقدم على الاستقالة وترك هذه المنظومة، وتقدم الكاتبة ذلك بجرأة في طرح يمتزج فيه الذاتي مع الجماعي، مما ينبئ عن حالة نفسية متأزمة" [13] تقول الكاتبة:
"... لم أعد أدري أين حدود الذات والأنا المستقلة التي تشهد عن بعد وتراقب وترصد لتكتب، لم أعد أستطيع فرز الجزئيات التي تخللت وجداني وخلاياي من تعاليم تلك المؤسسة " [14]

ومعظم ما ورد في هذه السيرة كان نقدًا للمؤسسة العامة لتعليم البنات؛ فقد خصصت أميمة جزءًا كبيرًا من هذه السيرة لنقد قوانين هذه المؤسسة. [15]
سأنتقل إلى سيرة أخرى فيها إشكالية عند كثير من دارسي الرواية والسيرة الذاتية السعودية، فمنهم من يعدها رواية، ومنهم من يعدها سيرة، وأنا مع الفريق الثاني، وهي "المغزول" لعبدالعزيز مشري [16]
وبما إن لكل سيرة ذاتية خصوصية معينة ترتبط بنفسية الكاتب والبيئة المحيطة به، وبما أن المرض المزمن كان هو المحرك الرئيس لإبداع مشري الأدبي كله، حيث يظهر لنا في أدبه فضاء المستشفيات وضغط المكان النفسي، وحصاره له في مجمل أعماله، فيبدو مشري والحالة هذه وحيدًا سجين المرض وغرف المستشفيات الباردة، وجاءت سيرته "المغزول" مروية بضمير الغائب، وجاءت الأنا متخفية خلف تقنيات الكتابة الروائية واللغة الشعرية. [17]
وقد أرجع د. معجب الزهراني سبب عدم استخدام بعض كتّاب السيرة الذاتية السعوديين لضمير المتكلم إلى عوامل عديدة منها ما يرتبط بالثقافة المجتمعية حيث يقول:
"إن الكتابة عن الذات الفردية من المنظور الثقافي-الأنثربولوجي ليس سهلًا أو جاذبًا في إطار مجتمعنا التقليدي الذي يعد الخروج عن ثقافته السائدة عقوقًا، وكذلك المنظور الديني الذي يعد الحديث المباشر عن الأنا تعاليًا سلطويًا..." [18]
وأرى أن الكتابة بضمير الغائب تكمل لعبة التخفي؛ فالسارد لا يحكي قصة حياته هو؛ فبالتالي يستطيع التبرؤ لاحقًا مما قد يكون في هذه السيرة من تجاوزات وغيرها، وأعتقد أن للمغزول خصوصية هي خصوصية أعمال مشري كلها؛ فقد وزّع مشري ذاته -إن جاز التعبير- على أعماله كلها. [19]
في هذه السيرة كان لمشري عدد من التقنيات الكتابية التي حاول من خلالها سرد مأساته، فالكتاب لم يشمل حياة الكاتب كلها من الطفولة إلى الكهولة، فقد اقتصرت على مرحلة استشراء المرض في جسد "زاهر المعلول" فاهتم مشري بالزمن اهتمامًا كبيرًا، وجعله وسيلته الفنية التي حولت أحداث الحياة اليومية والوقائع الخارجية الحقيقية إلى واقعة فنية، فكوّن منه شبكة محكمة حول النص حتى غدا النص دوائر من الاسترجاعات الداخلية والخارجية والاستباقات الزمنية، التي يجمع القارئ خيوطها ويتلذذ بجمع الأحداث وترتيبها مرة أخرى. كما يتوسل بالتكرار الذي يخالف الطبيعة التعاقبية للأحداث، حيث الحدث المتكرر له دلالاته الكبرى في بناء النص. [20]
إنه يسرد مرات كثيرة ما يحدث مرة واحدة بأشكال وتأثرات شعورية عديدة كلها تشي بالخوف من الآخر. "زاهر يجذب اللحاف الأبيض، ويلملم أطرافه الناقصة كقبضة النحيل، يكاد لو يتوهم أن الناس جميعًا وبتساوٍ يعومون حوله تحت لحافه..." [21]
ويستدعي هذا الاسترجاع دائرة زمنية صغيرة تتكون من أربعة أسطر يعود بها إلى ذاكرة القرية والطفولة، ثم استرجاع لحادثة البتر الأولى لقدمه، ثم تداعي حر، ثم عود إلى الطفولة وقطع وصفي، فتداع آخر لزمن السليك بن السلكة، ويعود زاهر أخيرًا إلى غرفته الفلينية باردة الأطراف والحواف، التي تزداد ضيقًا كلما زاره أحد في إشارة لغربة الأنا وانعزالها عن الآخرين. إنه يصنع زمنه الخاص الذي يعزز فيه تفرده وابتعاده، بل نفيه!

مما سبق يتضح لنا أن الآخر وعلاقته بالذات أو الأنا في السيرة الذاتية له مستويات عديدة، فهناك الآخر التاريخي، والاجتماعي، والسياسي، والمعنوي كذلك وسبل مواجهة الأنا للآخر أيضًا عديدة، فقد تكون المواجهة رافضة للآخر المستبد، وقد يكون هناك مقاربة ومحاولة للتأقلم. وخرجت هذه المقالة بالنتائج التالية
1. كانت مواجهة الأنا الأنثوية للآخر الاجتماعي ومؤسسات العمل رافضة لأنها تراه مستبدًا يكسر كينونتها، مثال: أميمة الخميس.
2. واجهت الأنا الأنثوية التي تشعر بتميزها الآخر الاجتماعي والمعنوي بضعف وانكسار، مثال: ليلى الجهني.
3. حاول عبدالعزيز مشري أن يتوافق مع الآخر ويحتفظ بمشاعره وألمه.




    المراجع:


    المصادر:
    [8] الجهني، ليلى "40 في معنى أن أكبر" (السعودية: دار أثر، 2015م) ص11.
    [9] المصدر السابق، ص26.
    [14] الخميس، أميمة "ماضي، مفرد، مذكر" ط2 (مؤسسة الانتشار العربي، 2011م) ص12-13.
    [15] هذا الكتاب لا يعدّ سيرة ذاتية كاملة للكاتبة؛ بل هو لحقبة محددة من حياتها، إبان عملها معلمة في التعليم العام.
    [16] مشري، عبدالعزيز "المغزول" سلسلة الأعمال الكاملة (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 2006م) ولي بحث محكّم بعنوان "دوائر الزمن في سيرة المغزول" أثبتّ فيها سيرية هذا العمل.
    [21] مشري، عبدالعزيز "المغزول" مصدر سابق، ص74.

    الكتب:
    [1] الداهي، محمد "صورة الأنا والآخر في السرد" (مصر: رؤية للنشر، 2013م) ص11.
    [2] انظر: عبدالله، عصام "الآخر" (مصر: مكتبة الأنجلو المصرية، 2008م) ص10.
    [4] حمود، ماجدة "إشكالية الأنا والآخر-نماذج روائية عربية" سلسلة عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2013م) ص9.
    [5] لوجون، فيليب "السيرة الذاتية-الميثاق والتاريخ الأدبي" ت: عمر حلي (المغرب: المركز الثقافي العربي، 1994م) ص8.
    [17] القاضي، كوثر محمد "السرد السعودي بين التخييل والتوثيق-دراسات في الرواية والسيرة الذاتية" (مصر: دار النابغة، 2022م) ص189.
    [18] الزهراني، معجب "موسوعة الأدب العربي السعودي الحديث- نصوص مختارة ودراسات" مقدمة مج6 "السيرة الذاتية" (السعودية: دار المفردات، 2001م) ص14.
    [19] القاضي، كوثر محمد "السرد السعودي" مرجع سابق، ص.
    [20] المرجع السابق، ص.

    الرسائل العلمية:
    [3] العدواني، سمية عابد "الآخر الغربي في مذكرات الكتّاب السعوديين" رسالة دكتوراه مخطوطة، جامعة أم القرى، نوقشت بتاريخ 2024/12/18، ص13.
    [6] النعمان، أحمد علي هروبي "الذات في السيرة الذاتية السعودية- مقاربة في ضوء النقد الثقافي" رسالة دكتوراه مخطوطة، جامعة الملك خالد، ص8.
    [7] انظر: الزهراني، سميرة ضيف الله "خطاب الذات الناقدة في السيرة الذاتية السعودية" رسالة دكتوراه مخطوطة، جامعة أم القرى، نوقشت بتاريخ 2023/6/7، ص99-100.
    [10] الثنيان، هياء علي "الاغتراب في السيرة الذاتية النسائية العربية" رسالة دكتوراه مخطوطة، جامعة الملك سعود، نوقشت بتاريخ 2024/1/25، ص115.
    [11] المرجع السابق، ص116.
    [12] النعمان، أحمد هروبي، المرجع السابق، ص162. وربما يكون د. أحمد هروبي ود. سميرة الزهراني في رسالتيهما من أفضل من درس هذه السيرة كونهما يعملان في التعليم العام.
    [13] الزهراني، سميرة "الذات الناقدة" مرجع سابق، ص29.