تشظي الهُويّة في نماذج من الرواية السعودية المعاصرة

حامد بن عقيل

[لا توجد هُوية نقية خالصة، بل توجد استراتيجيات للهُوية]
جان فرانسوا بايار

إن تعريف الهُوية الكلاسيكي يبدو غير مواكِب كلما تقدم العالم نحو المستقبل، في ضوء السرعة الديناميكية للتحديث في المجتمعات المعاصرة، فـ: "أزمة الهُويّة لا تظهر إلا في المجتمعات التي تدخُل في ديناميكية الحداثة، الأزمة هنا مفهومة على أنّها مجرد بدء الجهد المؤلم أو المفرح في تحديد الذات" (البزري، 1999: 108). لكن الخط العام للحديث عن الهُوية ينشأ، على الأغلب، بين خطين متوازيين، أحدهما يتعلق ببحث الهوية الفردية عن نقائها الخاص، بعد أن تلاشت الهويات الجماعية في ظل عصر العولمة المتسارع. بينما يتعلق الثاني بحقيقة أن الهُوية جزء من ضمان بقاء المجتمع/ الثقافة؛ وبالتالي الفرد، داخل المجتمعات الإنسانية، فعندما تحصر المجتمعات التاريخية هُويتها في تعريف أصلي وجوهري فإنها تمارس فعل مقاومة ضد الفناء ممثلاً في خطورة الذوبان في الآخر، مما يحدّ من الاستعارة والاشتقاق الخلّاق، وهذا الانغلاق الحمائي قد يأتي بنتائج عكسية حين يؤدي إلى فقدان الهوية الإنسانية العامة، أي الاغتراب الناتج عن الشعور بالحاجة إلى المقاومة والدفاع عن الهُويّه الخاصة في ضوء التوهم الدائم بتهديد صادر عن الهويات الأخرى.

و"يُطلق لفظ الهُويّة على نسق المعايير التي يُعْرَف بها الفرد ويُعرَّف، وينسحب ذلك على الجماعة والمجتمع والثقافة" (ميكشيللي، 1993: 7)، وهي بحسب التعريف المعجمي: "هُويّة: حقيقة مطلقة في الأشياء والأحياء مشتملةٌ على الحقائق والصفات الجوهرية: هُويّة النّفس الإنسانية، بطاقة الهُويّة. منسوبة إلى هُو" (مسعود، 2003: 938). ونسبتها إلى "هو" بوصفه آخر، وحتى بحقيقة كون الذات للفرد مجرد "آخر" لغيره، هي نسبة مؤكدة: "الهُويّة لغوياً [هي] أن يكون الشيء هو هو وليس غيره" (حنفي، 2012: 10)، إلا أن نسبتها لـ هو/ الآخر، لا يعني اكتسابه لها لارتباطه بجماعة محددة فقط، بل تعود بالأساس إلى وعيه بكيفية وماهية هذا الارتباط: "الهُويّة لا ترتبط بالسلالة بل بالوعي الخاص" (السابق: 65)

على أن الهُوية ودلالتها على الذات، ومحددات صياغة تعريف جامع لها تبدو عصيّة في ضوء ما يتم دراسته من خلالها، ويعود ذلك إلى أنّ "حدود الذات أكثر غموضاً بكثير ممَّا قد تريدنا النظرة السائدة في الفلسفة الغربية أن نعتقد فيه.⁠ وهذا شيء تؤكّده باستمرار ممارساتنا الاجتماعية والثقافية في عصرنا" (باومان، 2025:359)‬، على أنها يجب أن تتصف، بشكل شبه دائم بالثبات، حتى يتم تصنيفها كهُوية مستقرة وفاعلة، وبالتالي منتجِة: "اعتقد هيوم أن الهُويّة عبر الزمن، بالمعنى الدقيق، تتطلب الثبات" (هوندريتش، 2003:995).‬‬‬‬‬‬‬

وإذا كان هيوم يرى أن الهُوية يجب أن تتصف بالثبات، فذلك عائد إلى قابليتها للتعريف وإعادة التعريف تَبعاً للمستجدات، كما أنها يجب أن تمتلك الوعي بمحيطها وتاريخها، بحسب حنفي، وكذلك بالأطر العامة لقيمها الأساسية. فالفرد، وينطبق ذلك على الثقافة العامة لأي مجتمع إنساني، لا يكفي أن ينتمي إلى سلالة ما، أو أن يخضع لثقافة تلك السلالة، بل لا بد، لتتميز هُويته بالثبات، أن يصاحب كل ذلك الوعي بالماهية، والعمل على فرزها وإعادة توظيفها في سياقاتها التي أنتجتها بدايةً؛ بحكم التناسل الطبيعي والانتماء المتوارث، والثقافة السائدة. إلا أن مفهوم تشظي الهوية يحدث، كما أشرنا سلفاً، في المجتمعات التي تدخُل في ديناميكية الحداثة، ما يجعل الوعي الخاص يبدأ بالتغيّر تجاه بعض المسلمات المتعلقة بالهُوية، كأن ينتمي الفرد إلى ثقافة ترتكز قيمها الأساسية على المساواة، وتقدّم نماذج تنبذ العنصرية وتدينها، لكنه يجد أن الممارسات تكاد تكون على العكس من ذلك تماماً، كما في رواية "جاهلية" لليلى الجُهني، حين تحب المرأة رجلاً أسود: "ستكشف علاقتها بمالك وعورة الحياة تحت سماء بلادها، وستمزق النسيج الحريري الزاهي الذي تتلفع به تلك الحياة الآسنة، ولن يغفر لها أحد. وقد أدركت منذ غادرتْ مالكاً، أن عليها –إنْ مضتْ في طريق الحبّ الوعر- أن تدفع الثمن مرّتين: مرّة لأنها هتكتِ السّتر، ومرّة لأنها امرأة" (الجهني، 2007: 66). فالمعرفة المجردة تختلف كليّاً عن المعرفة التجريبية المُعاشة: "إنّ المعرفة «عن» شيء ما، هي أمر عقلي، أما المعرفة التجريبية فهي تُقبل على أنّها تأكيديّة" (هاوكينز، 2022: 106).

كما أن من مظاهر تشظي الهُوية، ارتباك العلاقات، وخصوصاً حين تكون العلاقة بين رجل وامرأة، كما في رواية "هجمة واعدة" لعلوان السهيمي، فضلاً عن كون الرواية بمجملها تمثل تشظياً لهوية الفرد أمام المستجدات التي تطرأ على العلاقات في عدة مستويات نتيجة الشهرة والإعلام وقصور الوعي بالمتغيرات أو العجز عن فهم آلية عمل ديناميكية الحداثة التي طرأت على المجتمع السعودي خلال سنوات قلائل: "إننا حينما نرتبط بالآخرين، فنحن نفتخر بهم ونظهرهم إلى العلن، ولكنني لم أفكر يومًا بأن تظهر ثريا إلى العلن على رغم حبّي إيّاها، وكأنني أخشى على نفسي أكثر من أنني أخاف عليها، فهذه الفتاة صارت تشعرني بالخوف" (السهيمي، 2024:382). بينما في رواية "نشوق" لشهد الغلاوين، تبرز مشكلة ارتباك العلاقات وتأثيرها على الهُوية بطريقة مختلفة، حين تتعلق بصعوبة إعادة تعريف الذات في كل مرة: "الحياة تحتاج ذاكرة فارغة وقلباً أعمى.. وحكايتي تحدٍّ ومحاولة فقط لأكون موجودة بينكم بحقيقتي دون الحاجة لتزييف هُوِيّتي في كلّ مرّة يتطلّب منّي التعريف بنفسي" (الغلاوين، 2015:21)، فالمجتمعات البسيطة حين تدخل إلى الإيقاع المتسارع للحداثة، تنتقل من الهُويات البسيطة إلى الهُويات المركّبة التي تتطلب، لثباتها، وعياً خاصاً: "البشرية جمعاء مجرد حالات خاصة، والحياة تولّد الاختلافات، ولئن كان هناك تكرار، فهذا التكرار لا يكون متطابقا تماماً، إذ إن كل شخص، من دون استثناء، يتمتع بشخصيّة مركّبة" )معلوف، 2015: 32).

كما تبرز مشكلة الهُوية في بعدها التاريخي، في عدد من الروايات السعودية المعاصرة، كرواية "وادي إبراهيم" لصلاح القرشي: "ما يحرق كبدها أنه كان "زينة الشباب" كما تكرر دائما، الجميع يتحدثون عن شطارته في البيع والشراء في سوق الخضار لكن ومنذ أن التقطه "الخزناوية" من السوق، منذ أن جره الجنود جرا ومضوا به سيرا على الأقدام خلف قائدهم الممتطي صهوة حصانه، لم يعد ولدها الذي تعرفه" (القرشي، 2012:12)، وهؤلاء الجنود هم جنود المحتل التركي الذي تجعل ممارساته المتعسفة من البحث عن الهوية الثقافية والفردية لدى الآخرين أمراً حتمياً: "لسنا سوى حشرات تافهة يدوسها هؤلاء المتغطرسون بأقدامهم متى ما أرادوا أو حتى دون أن يشعروا" (السابق: 103)، فالأحداث التاريخية الهامة هي ما يخلق التساؤلاتِ حول الهُوية، بل ويعيد تعريفها وصياغتها، فالوعي التاريخي يُعدّ: "تحدّياً يستدعي فحصاً دقيقاً ويحتاج إلى دراسة متعمّقة من أجل فهمه ومعالجته والتعامل معه والتصرّف بشأنه ومراجعته" (باومان، 2025:18).

كما أن من مظاهر تشظي الهُوية ما يتعلق بارتباك العلاقات العائلية وعدم فهم مستجداتها داخل مجتمع متغيّر، حيث إن الشكل الكلاسيكي التقليدي للعائلة المستقرة حين يرتبك، يؤدي حتماً إلى ارتباك الهوية، كما تعبّر عن ذلك رواية "أجسادٌ جافّة" لعبدالله التعزّي: "لم يحدث شيء! فالحياة لم تتوقف في العالم، بل توقفت فقط في داخلي. لم يشعر أحد مِمّن حولي بشيء سوى أن بُشرى قد هربت، وانتهي الأمر على ذلك" (التعزّي، 2017: 13)، ما يعني أن الشكل الجديد للأسرة غير القادرة على مجاراة ديناميكية الحداثة سيؤدي إلى تشظي للهوية نتيجة للتعقيدات المفرطة التي تطرأ وتتسارع في مجتمع يتحوّل من البساطة إلى التعقيد: "نحن نعلم الآن ونفهم ونعتقد أنَّ عدم إمكانية الوصول إلى اليقين، وكذلك استحالة التنبُّؤ بالمستقبل إلَّا من حيث الاحتمالات، ليس نتيجة لندرة المعرفة، بل نتيجة التعقيد المفرط وغير المحدود أساساً للكون" (ياومان، 2025:9). وهذا الارتباك لا يرتد نحو العائلة ولا سيما في مرحلة الطفولة فحسب، بل يذهب بنا نحو تصور المستقبل لهُوياتنا الذاتية في ضوء عدم قدرتنا على فهم الأجيال السابقة، كما في رواية "آخر حقول التبغ" لطاهر الزهراني: "كلما حاولت أن أبتعد عن ذلك المكان، فإن الأقدار تعيدني إليه. الأقدار وضعتني في وضع صرتُ فيه صفرًا الآن، لذا ليس لديَّ ما أخسره" (الزهراني، 2020:4)، وذلك المكان هو قريته، التي يُضطر أن يعود إليها، ليقف بنا أمام حقيقة أن المشكلة لا تكمن في جيل الجد، صاحب الهوية المستقرة والثابتة قبل وجود الطفرة النفطية، بل في الجيل الوسيط بين الحفيد والجد، جيل الآباء الممثل الصادق لارتباك مرحلة التحول ودخول زمن "الطفرة المالية" التي أثرت في كل شيء، وتسببتْ في ذلك الشرخ للهُوية الثقافية الجمعية: "لحظات تسبق الغروب، ينظر فيها جدي إلى المكان من فوق الحصن الذي كان متداعيًا لعقود، جدي يشاهد الحقول التي شهدت الحوادث، يرى الدم فوق الطين، يشمّ التبغ الأخضر، ويسمع أصوات البنادق. يذرف دموعًا، وقد أشاركه أيضًا" (السابق:236،237)، فالحفيد يشارك الجد، لكنه لا يشعر بالصلة مع جيل أبيه، وهو ذات الشعور الذي تشتغل عليه الرواية في بيان وجود قطيعة بين الجيل السابق/ الجد، وبين الجيل الذي يليه.

وبعد، فإن دراسة مظاهر تشظي الهُوية في السرد السعودي المعاصر ما هي إلا خطوة في سبيل الوعي بالهُوية الجمعية لثقافتنا الوطنية، وإدراك ما طرأ عليها من تغيرات في ضوء التسارع الديناميكي للحداثة في مجتمعنا، وهي الدراسة التي ستجعلنا نحدد مكاننا في وسط الهُويات البشرية التي تشكّل الحسّ العام لهذه الحضارة الإنسانية المستمرة، فالإبداع، في نهاية الأمر، ما هو إلا سوء فهم فعّال وإيجابي يهدف إلى مساءلة الإجماع العام، والذي لا يمكن، عند الإقرار به، معرفة الاختلافات الجوهرية بين ما هو كائن بالفعل، وبين ما ينبغي أن يكون: "إنّ السَّعي إلى الاستنارة هو تلخيص لتاريخ التطوّر البشري" (هاوكينز، 2022: 22).


    المراجع:

    ● البزري، دلال (1999) الآخر المفارقة الضروريّة، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً إليه (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت).
    ● ميكشيللي، أليكس (1993) الهُويّة. ترجمة: علي وطفة (دار الوسيم للخدمات والطباعة: دمشق).
    ● مسعود، جبران (2003) معجم الرائد (بيروت: دار العلم للملايين).
    ● حسنين، حسن حنفي (2012) الهُويّة. طبعة إلكترونية (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة).
    ● باومان، سيغموند ورين راود (2025) ممارسات الذات، ترجمة: محمود أحمد عبدالله. طبعة إلكترونية (العراق: دار شهريار).
    ● هوندريتش، تد (2003) دليل أكسفورد للفلسفة. ترجمة: نجيب الحصادي (ليبيا: المكتب الوطني للبحث والتطوير).
    ● الجهني، ليلى (2007) جاهلية، رواية (بيروت: دار الآداب).
    ● هاوكينز، ديفيد (2022) تفكيك الأنا وإدراك الذات، ترجمة: عمر فتحي. طبعة إلكترونية (بيروت: دار الخيال).
    ● السهيمي، علوان (2024) هجمة واعدة: قصة لاعب كرة قدم، رواية. طبعة إلكترونية (عرعر: دار رشم)
    ● الغلاوين، شهد (2015) نشوق، رواية. طبعة إلكترونية (بيروت: منشورات ضفاف).
    ● معلوف، أمين (2015) الهويّات القاتلة، ترجمة: نهلة بيضون. طبعة إلكترونية (بيروت: دار الفارابي).
    ● القرشي، صلاح (2012) وادي إبراهيم، رواية. طبعة إلكترونية (الدّمام: دار أثر).
    ● التعزّي، عبدالله (2017) أجسادٌ جافّة، رواية. طبعة إلكترونية (الشارقة: دار روايات).
    ● الزهراني، طاهر (2020) آخر حقول التّبغ، رواية. طبعة إلكترونية (بيروت: دار التنوير).