د. إبراهيم الهجري
منذ أن كان الشعر ديوان العرب، وهو يحمل القيم الثقافية في مختلف العصور؛ بل أسهم في خلودها وانتشارها، ابتداء من العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا، ذلك أن الشعر أشبه ما يكون بتوثيق تأريخي ثقافي ذاتي، يسجل القيم، والعادات، والمعتقدات بأسلوب فني متناسق مترابط، في قالب إيقاعي موسيقي.
وتمثل القيم الثقافية حالة من الملاءمة بين الإنسان والطبيعة، وبينه وبين المجتمع روحيًّا وإنسانيًّا، ومن زاوية أخرى؛ فإن القيم الثقافية تشكل مجموع العادات الاجتماعية والفكرية، وأنماط التفكير المشتركة في مجتمع ما[1]. ومن هذا المنطلق؛ فقد حفل الشعر السعودي المعاصر بكثير من القيم الثقافية التي أثرت المجتمع السعودي شعريًّا، وفكريًّا، وثقافيًّا، واجتماعيًّا، ولن نستطيع – في هذا المقال – الإحاطة بكل هذه القيم، وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
وبقليل من التأمل، ندرك إدراكًا تامًّا أن قيمة الانتماء الوطني، تشكل حيزًا ممتدًّا في الشعر السعودي المعاصر؛ ذلك لأن الوطن يتشكل في وجدان الشعراء السعوديين عبر مسارات متعددة، لكنها تلتقي في مسار الحب، والعشق، والانتماء، ومن ذلك قول الشاعر إبراهيم صعابي:
وطَنِي.. لِعَينِ رِضَاكَ جِئْتُكَ مُبْحِرَا وأَذَبْتُ قَلْبِي فِي هَوَاكَ مُخَيَّرَا
وطَنِي.. وَقَفْتُ عَلَيْكَ شِعْرِي كُلَّهُ حَتَّى تَفَجَّرَ بِالجَمَالِ وَأزْهَرَا[2]
إن الصعابي هنا مسكون بانتمائه الوطني من خلال هيمنة (ياء التكلم) و (تاء المتكلم) كما في (وطني – جئتك – أذبت – قلبي – وقفت – شعري). وأيضا محاولة الشاعر إرضاء وطنه، وإيقاف شعره كله على هذا الوطن. كل هذا يشي بعلاقة متفردة بين الشاعر والوطن، مما جعل الذات المبدعة مندمجة كل الاندماج بوطنها الذي ترى فيه كل أحلامها. وهذا المعنى نجده – بتعبير آخر - لدى الشاعر إبراهيم مفتاح، عندما خاطب شباب الوطن، حاثًّا لهم على العلم؛ من أجل النهوض بهذا الوطن:
دَعِّمُوا هَذِهِ البَلَادَ بِعِلْمٍ إنَّ زَادَ العُلُومِ أكْرَمُ زَادِ
عَصْرُنَا يَا شَبَابُ عَصْرُ عُلُومٍ فَارْفَعُوا بِالعُلُومِ شَأْنَ البِلَادِ[3]
إن عمق وعي الشاعر/مفتاح بأهمية العلم في مرحلة الشباب، جعله يوجه هذا النداء الشعري نحو الشباب، مخاطبًا إياهم بضرورة التزود من العلم؛ من أجل رفعة هذا الوطن. إن الدافع الحقيقي لهذا البوح الشعري هو الانتماء الوطني السرمدي الذي سكن جوانح الشاعر مفتاح، وملك شغاف قلبه؛ فجاء هذا الانتماء في وصية أبوية حانية وجهها إلى شباب وطنه.
وفي موطن آخر نلمح الاهتمام بالمرأة والاعتزاز بها كأحد القيم الثقافية السعودية؛ إذ تحوَّل دورها إلى دور ريادي، وجاءت في الشعر السعودي المعاصر حاملة معانٍ فكرية عميقة، تتصل بالبقاء، والخصب، والانتماء، وصنع المستقبل، وهذا ما أشار إليه الشاعر سلطان السبهان في قوله:
نَحْتَاجُ لِلْأُنْثَى.. سَحَابًا أَبْيَضًا هَذِي السَّمَاءُ مَلِيئَةٌ بِالْأَزْرَقِ
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ رُبَّمَا خَلَقَ النِّسَاءَ لِكَيْ يُعَلِّمَنَا الرُّقِي[4]
إن التعبير بالفعل (نحتاج) يدل على أن الشاعر هنا علق وجوده بوجود الأنثى؛ ليكون هذا الاحتياج احتياج ضرورة لا احتياج ترف يمكن الاستغناء عنه. ومن جهة أخرى؛ فقد موضع الشاعر الأنثى موضع المعرفة (لكي يعلمنا الرقي)، وفي هذه الرؤية قفزة على ما استقر في الذهنية العربية من أن الأنثى تحيل على معنى النقص المعرفي. ومثل هذا ما جاء في ملفوظ الشاعر عبد اللطيف بن يوسف:
أَمْضِي وَفِي عَيْنَيَّ تَسْكُنُ فَاطِمٌ وَكَأَنَّ بَاقِي الكَوْنِ قَلْبِي أَعْدَمَهْ
مَا عَادَ يُغْرِينِي كَلَامُ عَوَاذِلِي فَأَنَا وَفَاطِمَتِي صَنَعْنَا الملْحَمَةْ[5]
إن الشاعر يقرر في هذا السياق أن فاطمة/ الأنثى تشاركه في صنع ملحمته، بدلالة حرف العطف (الواو) في ملفوظها (فأنا وفاطمتي صنعنا الملحمة)، وكأنه يريد أن يقول لنا: إنه - أي الشاعر - لن يستطيع تخليد ذاته إلا من خلال الأنثى/ فاطمة؛ لتكون هذه الأنثى شرط وجود هذا الخلود؛ فتتمركز الأنثى في بؤرة الحدث، ويؤسس بها بطولة لم تألفها الذاكرة العربية؛ حيث لم يعد البطل دومًا رجلًا[6].
على أن من أهم القيم الثقافية التي احتضنها الشعر السعودي المعاصر قيمة الاعتزاز بالبداوة، وأنها تمثل كنه الهوية الثقافية المحلية، وقد جاءت هذه القيمة لدى الشاعر أحمد البهكلي في قوله:
بَدْوٌ كِرَامٌ نَحْنُ يَا (شِرْبِلُ) والرُّسْلُ بَدُوٌ بِالهُدَى أُرْسِلُوا
والعَرَبُ الأَقْحَاحُ بَدْوٌ، وَهُمْ أهْلُ الحِجَا والأَصْلُ والأعْقَلُ[7]
إن هذا الاعتزاز البدوي ترفده عدة مقومات: كون الرسل الكرام ينتسبون إلى هذه البداوة، والعرب الخُلَّصُ هم بدو في حقيقتهم، وإليهم يرجع العقل، والأصل، والمحتد، وبناء على هذا؛ فإن البدو قد جمعوا المجد والشرف من جميع الأطراف. وكأني بالشاعر/ البهكلي رافعًا صوته؛ مفتخرًا بهذه البداوة، لا سيما عند النداء (يا شربل)، وعند تعداد فضائل هذه البداوة (والرسل بدو – والعرب الأقحاح بدو...). كما أكد هذا الاعتزاز بهذه البداوة محمد الثبيتي في قصيدته التي عنون لها بـ "فواصل من لحن بدوي قديم"[8]، ولم يكن هذا البدوي القديم إلا الشاعر ذاته، مفتخرًا بقاموسه البدوي الذي بدا مهيمنًا على قصيدته (مشرع كالسيف – وجه بدوي – يزرع الرمل – من شذا الدهناء – ألوان العشايا – تنهل الصحراء من عينيه – يتجلى حولها الربع – تدليل الرباب – الشيح).
وفي سياق آخر تتجلى لنا قيمة ثقافية أخرى، وهي من القيم التي تمثلها الشعر السعودي، وعبر عنها في مواطن متعددة، ومن ذلك ما قاله الشاعر حسن الصلهبي:
حَبِيبَةُ، لَولَا الحُبُّ مَا أَعْشَبَ الثَّرَى وَلَا اخْضَلَّ عُودٌ فِي الهَجِيرِ بِصَفْصَفِ
ولَولَا أرِيجٌ بِالتَّسَامُحِ مَا زَهَتْ بِهِ الزَّهْرُ أَو فَاحَ العَبِيرُ لِمُتْرَفِ[9]
إذ تبرز قيمة الحب والتسامح هنا بوصفها قيمة مثلى لدى الشاعر الصلهبي؛ حيث جعل الطبيعة (إعشاب الثرى – اخضلال العود – زهو الزهر – فوح العبير) مرهونة بقيمة الحب والتسامح. وكأن هذه القيمة – في رؤية الشاعر- التي تمثل العالم الداخلي، تنعكس إيجابًا على العالم الخارجي؛ فتحيله إلى أفانين مورقة.
كما تحتلُّ قيمة الاهتمام بالرموز الثقافية الشعرية مساحة شاسعة في الشعر السعودي المعاصر، من خلال تمثل شعرهم عبر تقنية التناص، أو من خلال رثائهم، كما صنع جاسم الصحيح في رثاء غازي القصيبي عبر قصيدته "بطل توزع في مشاعر شعبه"[10]، ومحمد إبراهيم يعقوب في رثاء (محمد الثبيتي) من خلال قصيدته "عُدْ من تجليك"[11].
وأخيرا: فإن هذه القيم الثقافية- التي احتضها الشعر السعودي المعاصر- تعدُّ منهجًا ثقافيًا ينتهجه الشعب السعودي، وأصبحت تمثل لبنة من لبناته الثقافية، كما أنها تعكس عمق الانتماء لهذا الوطن، ومدى الترابط بين الشعب والقيادة، وفي الوقت ذاته تبلور اعتزاز السعودي بموروثه البدوي مع انفتاحه على القيم الثقافية الحديثة التي تنسجم مع متطلبات العصر، وهذا ما تجسده رؤية الوطن 2030.
وتمثل القيم الثقافية حالة من الملاءمة بين الإنسان والطبيعة، وبينه وبين المجتمع روحيًّا وإنسانيًّا، ومن زاوية أخرى؛ فإن القيم الثقافية تشكل مجموع العادات الاجتماعية والفكرية، وأنماط التفكير المشتركة في مجتمع ما[1]. ومن هذا المنطلق؛ فقد حفل الشعر السعودي المعاصر بكثير من القيم الثقافية التي أثرت المجتمع السعودي شعريًّا، وفكريًّا، وثقافيًّا، واجتماعيًّا، ولن نستطيع – في هذا المقال – الإحاطة بكل هذه القيم، وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
وبقليل من التأمل، ندرك إدراكًا تامًّا أن قيمة الانتماء الوطني، تشكل حيزًا ممتدًّا في الشعر السعودي المعاصر؛ ذلك لأن الوطن يتشكل في وجدان الشعراء السعوديين عبر مسارات متعددة، لكنها تلتقي في مسار الحب، والعشق، والانتماء، ومن ذلك قول الشاعر إبراهيم صعابي:
وطَنِي.. وَقَفْتُ عَلَيْكَ شِعْرِي كُلَّهُ حَتَّى تَفَجَّرَ بِالجَمَالِ وَأزْهَرَا[2]
إن الصعابي هنا مسكون بانتمائه الوطني من خلال هيمنة (ياء التكلم) و (تاء المتكلم) كما في (وطني – جئتك – أذبت – قلبي – وقفت – شعري). وأيضا محاولة الشاعر إرضاء وطنه، وإيقاف شعره كله على هذا الوطن. كل هذا يشي بعلاقة متفردة بين الشاعر والوطن، مما جعل الذات المبدعة مندمجة كل الاندماج بوطنها الذي ترى فيه كل أحلامها. وهذا المعنى نجده – بتعبير آخر - لدى الشاعر إبراهيم مفتاح، عندما خاطب شباب الوطن، حاثًّا لهم على العلم؛ من أجل النهوض بهذا الوطن:
عَصْرُنَا يَا شَبَابُ عَصْرُ عُلُومٍ فَارْفَعُوا بِالعُلُومِ شَأْنَ البِلَادِ[3]
إن عمق وعي الشاعر/مفتاح بأهمية العلم في مرحلة الشباب، جعله يوجه هذا النداء الشعري نحو الشباب، مخاطبًا إياهم بضرورة التزود من العلم؛ من أجل رفعة هذا الوطن. إن الدافع الحقيقي لهذا البوح الشعري هو الانتماء الوطني السرمدي الذي سكن جوانح الشاعر مفتاح، وملك شغاف قلبه؛ فجاء هذا الانتماء في وصية أبوية حانية وجهها إلى شباب وطنه.
وفي موطن آخر نلمح الاهتمام بالمرأة والاعتزاز بها كأحد القيم الثقافية السعودية؛ إذ تحوَّل دورها إلى دور ريادي، وجاءت في الشعر السعودي المعاصر حاملة معانٍ فكرية عميقة، تتصل بالبقاء، والخصب، والانتماء، وصنع المستقبل، وهذا ما أشار إليه الشاعر سلطان السبهان في قوله:
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ رُبَّمَا خَلَقَ النِّسَاءَ لِكَيْ يُعَلِّمَنَا الرُّقِي[4]
مَا عَادَ يُغْرِينِي كَلَامُ عَوَاذِلِي فَأَنَا وَفَاطِمَتِي صَنَعْنَا الملْحَمَةْ[5]
على أن من أهم القيم الثقافية التي احتضنها الشعر السعودي المعاصر قيمة الاعتزاز بالبداوة، وأنها تمثل كنه الهوية الثقافية المحلية، وقد جاءت هذه القيمة لدى الشاعر أحمد البهكلي في قوله:
والعَرَبُ الأَقْحَاحُ بَدْوٌ، وَهُمْ أهْلُ الحِجَا والأَصْلُ والأعْقَلُ[7]
وفي سياق آخر تتجلى لنا قيمة ثقافية أخرى، وهي من القيم التي تمثلها الشعر السعودي، وعبر عنها في مواطن متعددة، ومن ذلك ما قاله الشاعر حسن الصلهبي:
ولَولَا أرِيجٌ بِالتَّسَامُحِ مَا زَهَتْ بِهِ الزَّهْرُ أَو فَاحَ العَبِيرُ لِمُتْرَفِ[9]
كما تحتلُّ قيمة الاهتمام بالرموز الثقافية الشعرية مساحة شاسعة في الشعر السعودي المعاصر، من خلال تمثل شعرهم عبر تقنية التناص، أو من خلال رثائهم، كما صنع جاسم الصحيح في رثاء غازي القصيبي عبر قصيدته "بطل توزع في مشاعر شعبه"[10]، ومحمد إبراهيم يعقوب في رثاء (محمد الثبيتي) من خلال قصيدته "عُدْ من تجليك"[11].
وأخيرا: فإن هذه القيم الثقافية- التي احتضها الشعر السعودي المعاصر- تعدُّ منهجًا ثقافيًا ينتهجه الشعب السعودي، وأصبحت تمثل لبنة من لبناته الثقافية، كما أنها تعكس عمق الانتماء لهذا الوطن، ومدى الترابط بين الشعب والقيادة، وفي الوقت ذاته تبلور اعتزاز السعودي بموروثه البدوي مع انفتاحه على القيم الثقافية الحديثة التي تنسجم مع متطلبات العصر، وهذا ما تجسده رؤية الوطن 2030.
المراجع:
[1] ينظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، د.ط، 1982، ج1، ص378-379.[2] الأعمال الشعرية الكاملة، إبراهيم صعابي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ط1، 1440=2019، ص416-417.
[3]ديوان عتاب إلى البحر، إبراهيم مفتاح، مطابع الجامعة، جدة، د.ط، ص15.
[4] ديوان ما لا يجئ، سلطان السبهان، دار تشكيل، الرياض، ط1، 2018، ص83-84.
[5] ديوان لا الأرض أمي ولا القبيلة أبي، عبد اللطيف بن يوسف، دار كلمات، الكويت، ط3، 2017، ص67.
[6] ينظر: الشاعر والذات المستبدة، صالح زياد، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، ط1، 1432=2011، ص206-208.
[7] الأعمال الشعرية الكاملة، أحمد البهكلي، نادي جازان الأدبي، ط1، 1444=2023، ص322.
[8] الأعمال الكاملة، محمد الثبيتي، الانتشار العربي، بيروت، لبنان، ط2، 2018، ص173-176.
[9] ديوان بين يدي امرئ القيس، حسن الصلهبي، نادي القصيم الأدبي، ط1، 1431=2010، ص64.
[10] كي لا يميل الكوكب، جاسم الصحيح، النادي الأدبي بالرياض، ط1، 2018، ص243-248.
[11] الأمر ليس كما تظن، محمد إبراهيم يعقوب، النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط1، 1434=2013، ص109-111.