د. حسن صميلي
خضعت هُويَّةُ القصيدة المعاصرة لانتقالات وقفزات دلالية وفنية مختلفة في السلوك والنظام والمعيار, وهو تَخَلُّقٌ واعٍ صنعتْهُ رغبة التجديد والتوليد, ولعلَّ حضور قصيدة النثر بانحرافاته اللغوية أحد أهم حالات التجديد التي تشكَّلت في نظام وهوية النص الشعري المعاصر، إذ حضرت قصيدة النثر بوصفها إحدى مؤشرات التمرُّد في الشكل والبناء، وهي معيار جديد من خلاله نعرف التلقي وأثره؛ فقصيدة النثر معطى إبداعيّ جديد يتحرَّر من ثوابت العروض وإيقاعاته؛ إذ تحاول قصيدة النثر أن تُحاكم الأسس الإيقاعية القديمة بفعل التجريب والتوليد، إلا أنَّ هذا النظام الشعري الجديد يعاني في هُويَّته البنيوية من خَلْق نموذجٍ واضحٍ؛ فهو مرَّةً ينزع إلى شعرية الدلالة وتعميتها، ومرةً إلى الوضوح حدَّ الخطابية.
إنَّ جدليَّة الآراء حول القصيدة النثرية شكَّلَت منعطفًا مهمًّا في تطورها وتحولاتها التركيبية والدلالية؛ إذ منح الجدل حولها دراسات ورؤى تؤسس لمشروع شعري واعٍ، فالموقف النقدي منها خلق وعيًا حولها من حيث الرؤى والتعبيرات.
وبقيت القصيدة المعاصرة محاطةً لزمن طويل بفعل إبداعي تراثيٍّ، وهو الفعل الذي فرض هيمنته وقطعيَّته على البناء الشعري العام، إلا أنَّ قصيدة النثر مارست انحرافًا إبداعيًّا جديدًا في الشكل والمضمون على حدٍّ سواء، "ففي قصيدة النثر في الواقع يوجد بصفة عامة نفس الخصائص المعنوية التي توجد في قصيدة الشعر، ليس هناك شكٌّ في أنَّ الشاعر في قصيدة النثر متحرِّرٌ من قيود الوزن، وهو من ثَمَّ أكثر طواعيةً لكي يلعب على رافد المستوى المعنوي"[1]. وقد واجه هذا التحول في القصيدة المعاصرة رفضًا مبدئيًّا، لكنه رفضٌ شكَّل منعطفًا إيجابيًّا، إذ راهنت قصيدة النثر منذ خلقها الأول على التمرد والتوليد في البنية والدلالة؛ لتنتجَ القصيدة النثرية في صراعها الوجودي فضاءات نصية أثرَتْ التلقي العربي.
وقد جاءت اللغة في القصيدة النثرية المعاصرة محتفيةً بالتعبيرات الجديدة والحداثية؛ التي تلتحم في نظامها التركيبي العامّ مع المعجم الشعري اليومي، ومع الخطاب اللغوي الحياتي؛ إذ تأتي التعبيرات غير المألوفة والبعيدة عن شعرية التركيب -كما يظن البعض- محمَّلةً بالإيحاء الدلالي والتصويري إذا وُجدت في تركيب لغوي مناسب[2].
لقد تحدَّث الباحثون والنقاد عن دور القصيدة النثرية المعاصرة خطابًا وبنية في المشروع الشعري الحديث، لكنَّنا لن نجد في التراث الشعري القديم خطابًا لغويًّا مشابهًا لذات الخطاب النثري الحديث من حيث البناء والتركيب الشعري، إلا أنَّه قد يكون مشابهًا من حيث الرؤى؛ فرؤية الحياة وتمثُّلاتها الاجتماعية تحضر في التراث الشعري القديم وفي التعبير الشعري الحديث على حدٍّ سواء، وحين نلتفت للمعلقَّات الجاهلية؛ سنجدها تعبيرًا عن معالم الحياة القديمة وتجاربها الإنسانية بنسق شعريٍّ تفرضه طبيعة الفن الشعري وهويته.
إنَّ اللغة الشعرية بخطابيْها اليومي والشعري؛ هي استيعاب لكل مفاهيم الحياة، ومن ثَمَّ تحويل الخطاب العادي اليومي إلى فضاءات شعرية ممتدة؛ تتواءم مع روح البيئة الحياتية، وفي تجربة الشاعر قاسم حداد سنكتشف ملامحَ مضيئةً من التحولات إذ يقول:
" ليس لديكَ من الوقتِ لتأنيبِ دعاءِ الندمِ
فرسانُكَ المؤجَّلون ينتظرونك على مشارف الجبلِ
ينتظرون انحداركَ منجرفًا، لتأخذَ مكانَكَ في طليعتِهم.. “ [3]
إنَّ النموذج الشعري السابق من قصيدة النثر، يشكل نموذجًا مهمًّا لتحولات القصيدة النثرية؛ فالشاعر يستوطن حداثة اللغة في تجربته، حيث تتجلى لديه انزياحات تهرب من سهولة التركيب وخطابيته إلى اقتراف أبعاد دلالية لا نقبض معها على معنًى واحد مؤطَّر، بل على معانٍ لا نهائية التأويل؛ وهذا ما يجعلنا نقرأ القصيدة الشعرية قراءةً مختلفةً؛إذ "إننا محمولون في إطار التحويل الشعري المعاصر على أن نعترف بتعدديَّة الأنماط الشعرية بحسب اختلاف مفهومات الشعراء والمراحل التي تؤثر في التطور التجريبي لكلٍّ منهم " [4]
إنَّ الخطاب اللغوي والبنيوي في القصيدة النثرية ينجح في خلقِ بنيةٍ شعرية جديدة ونموذجية، تواكب القصيدة الشعرية المعاصرة وتتماهى معها، وبالنظر لكلِّ ما تقدَّمَ ذكرُهُ في هذا المقال، يمكننا الوصول لأهم النتائج والتوصيات، وهي كما يلي:
1-تأتي لغة القصيدة النثرية المعاصرة ذات أفق ممتدٍّ وواسعٍ، وهي فعلٌ جماليٌّ وإبداعيٌّ موازٍ للخطاب الشعري؛ الذي لا يقع في أزمة القوانين الشعرية المحدِّدة لكل فعل تعبيري.
2-يحضر الخطاب اللغوي الشعري في القصيدة النثرية حضورًا واضحًا، مع اختلاف في طرائق وأنماط الحضور؛ فهو في الشعر الإيقاعي الموروث ينزع إلى مستويات الجملة الموسيقية ذات التشكيل المؤطَّر؛ لكنه في القصيدة النثرية المعاصرة يستفيد من تقنِّيَّتَيْ الرؤية والتشكيل على حدٍّ سواء.
3-تنجح القصيدة النثرية المعاصرة في تشخيص البعدَيْن المحلي والواقعي أكثر من النموذج الشعري الإيقاعي الموروث، وعلى صناعة نموذج شعري جديد ومعاصر.
4- تسعى القصيدة النثرية المعاصرة لبناء نظامٍ لغوي خاصٍّ بها، وهو البناء الذي يخلق هوية التحول والاختلاف من خلال توظيف الحقليْن الدلاليَّيْن (الفعلي، الاسمي) على حدٍّ سواء.
- المصادر والمراجع:
[1] جون كوهين: النظرية الشعرية, بناء لغة الشعر, ترجمة: أحمد درويش, دار غريب, ط4, القاهرة, 2000م.
[2] صلاح عبدالصبور، حياتي في الشعر, دار العودة, بيروت, مج2, ط1, 1988م.
[3] قاسم حداد: ثلاثون بحرًا للغرق, منشورات المتوسط, إيطاليا, ط1, 2017م.
[4] كمال خير بك: حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر, ترجمة: مجموعة من أصدقاء المؤلف, دار المشرق, ط1, بيروت, 1982م.