حكايات الأطفال بين الآمال والاستدلال

تهاني الصبيح

حكايات الأطفال بين الآمال والاستدلال تهاني الصبيح أديبة سعودية قصص الأطفال هي جنس من أجناس أدب الطفل وأهمها، وهي فكرة تربوية قديمة لتنمية مهارات الطفل السلوكية وقدراته العقلية، ومعالجة بعض العادات الخاطئة، أو السلوكيات المنبوذة التي قد يصعب علاجها بالأوامر والتوجيهات المباشرة.

وقد اعتادت الكثير من الأمهات على سرد الحكايات لأبنائهن قبل نومهم في الفترة التي تعقب الفطام، وتستمر إلى سن المدرسة بأسلوب قصصي هادئ يبدأ بحدث وشخصيات، تتوسطها عقدة، ثم تعقبها خاتمة سعيدة قد يخمّن الطفل حدوثها، أو يوحي لوالدته بمشاهدها وربما يرجوها في بعض الأحيان أن تجعلها مختومة بهذا الشكل.

ولهذه القصص دور كبير في تنمية المهارات اللغوية لدى الطفل واكتسابه العديد من المفردات، والجمل الرصينة، وتنمية قدرته على إدارة دفة حوار، أو تمثيل دور، أو تلوين أصوات لشخصيات تمر في ذهنه خلال مشاهداته اليومية في البيت والمدرسة والشارع باختلاف تفكير هذه الشخصيات، ونوازع الخير والشر فيها، فتجده أحيانًا يفرض الخاتمة، وأحيانًا يقاطعك لتصنيف شخص معين سلوكيًا وربطه بحياته مستعملًا خياله، وراصدًا بمهارة سماته العالقة في ذهنه من واقع مجتمعه، أو بيئته.

ويعتمد الكثير من المعلمين والمعلمات على الأسلوب السردي للتعليم وهو أسلوب تربوي يستخدم القصة بوصفها أداة لعرض ودمج المحتوى التعليمي ويطلق عليه
(Storytelling in Teaching) ويلجأ المعلمون المتميزون في إدارة صفوفهم إلى الأسلوب القصصي لمعالجة الكثير من القضايا التربوية المهمة مثل: الخوف، والقلق، والعدوان مع غرس القيم النبيلة كالصدق، والتعاون، والتعاطف مع من حولهم، فهم أكثر الأشخاص التقاءً بالطفل، وقربًا منه، وهم الأكثر حرصًا

ووعيًا على نموّه العقلي والمعرفي وبناء شخصيته حسب المرحلة العمرية التي يمر بها، واكتسابه المهارات التي تجعله قادرًا على شق طريقه في الحياة بثبات ونجاح.
ويبحث هذا المقال في الوظيفة التعليمية لقصص الأطفال في معالجة القضايا التربوية المعاصرة، ويتناول مفاهيم متعلقة بأسلوب كتابة قصة الطفل وعناصر سردها، ودورها الكبير في تنمية شخصيته ومعالجة سلوكه.
في البداية ومن خلال التتبع الدقيق لأسلوب كتابة قصص الأطفال، أو القراءة النقدية لعشرات النماذج منها كان من الملاحظ أن هذه القصص لا يمكن أن تُكتب بروح الكبار أو تتوغل في دهاليز صراعاتهم مع الحياة؛ لأن الطفل باختصار هو المولود الناعم الرقيق المرن القابل للتشكل والتعلم حتى البلوغ ، وهو كائن بشري يحتاج إلى بيئة صحية آمنة وداعمة لإتمام نموه العقلي والجسدي بعيدًا عن المخاوف والاضطرابات، ومن أكبر الأخطاء التي قد نقع فيها خلال صياغة قصص الأطفال هو أن نتطرق إلى ما يثير مخاوفهم مثل الحديث عن الجنّ، أو عن مشاهد العنف، أو الغرق، أو حوادث السيارات، أو موت أحد الوالدين لأن مثل هذه المواقف قد تزيد من اضطرابهم الداخلي، وتجرّهم إلى أوضاع نفسية مرضية تتطلب العلاج، وتعيق تحقيق الأهداف التربوية المرجوة من القصة ، لذا يجب أن تصاغ قصصهم بطريقة سلسة، وبمفردات سهلة، وبشخصيات واضحة وقليلة مع قصر الصفحات حسب عمر الطفل بحيث لا يكون هناك تشتت في الأحداث، أو ضياع في ترتيبها ودور الشخصيات فيها، وأن تكون العقد الدرامية داخل القصة مثيرة لحماس الطفل، وجاذبة لانتباهه، وقادرة على ربطه بالمحيط الذي يعيش فيه، أو فتح أفق لخياله مما يدفعه إلى البحث ومحاولة التجربة لاستنتاج النتائج بوعي وذكاء .

ومن أهم أنواع قصص الأطفال:

التعليمية، والخيالية، والتفاعلية، والمصورة وتعتمد الأخيرة على الصور فقط لتلهم الطفل قبل سن القراءة. وتجدر الإشارة إلى أنه قبل سرد أي قصة داخل الصف الدراسي أو خارجه - لحالة فردية - لابد من وجود دراسة وافية لحالة الطفل يتم من خلالها تشخيص مشكلته السلوكية، أو التعليمية وجمع معلومات كافية عنها، والبحث في أسبابها وجذور نشأتها، ومن ثم تقييم إمكانية علاجها والنتائج المترتبة على ذلك ويكون الأمر بالتعاون مع مختص سلوكي داخل المدرسة، أو موجّه طلابي متخصص في ذلك بحيث يكون السرد القصصي واحدًا من بين عدة أساليب للعلاج ، وأهم ما هو مطلوب من الكاتب، أو المعالج خلال السرد ألا يشير إلى الحالة التي يعيشها الطفل بذاتها وتفاصيلها الدقيقة؛ لأن الطفل مخلوق ذكي قادر على ربط الأحداث وربما يدرك بذكائه إلى أن هذه القصة موجهة له وحده برسالة محددة قد يتعمد تجاهلها، أو عدم الإنصات إليها تحديًا لمن حوله، والأفضل أن يكتشف هو بنفسه سلوك أحد الشخصيات ويتم استدراجه للمقارنة بينه وبينها واستنتاج القيمة العالية المشتركة بينهما، أو تلك التي تحتاج إلى معالجة عن قناعة وثقة فمتى ما اعترف في قرارة نفسه بالخطأ فسيكون قادرًا على تغييره بالتحول من الداخل والتراجع مقابل التشجيع والدعم.

"قصة "
فلونة روبنسون كروزو"
القصة مستوحاة من رواية الأديب السويسري جوهان رودولف ويس
وهي في الحقيقة قصة مختلفة عن قصة روبنسون كروزو الأصلية ل دانيال ديفو التي تركز على رجل وحيد يعيش في عزلة ويكتشف كيف يتعامل مع الطبيعة لكنها تشبهها، تدور أحداث القصة حول عائلة سويسرية تهاجر لأستراليا وتتحطم سفينتهم، فتضطر للبقاء على جزيرة مهجورة وبناء حياة جديدة، مما يجسد قيم الصمود والتكيف والعمل بروح الفريق، وقصة فلونة هي قضية اجتماعية تركز على ترابط الأسرة وقدرتها على التغلب على الصعاب.

هذه القصة تخللتها العديد من العقد ومنها خوف فلونة من الحيوانات المفترسة، وكيف سيطرت على هذا الخوف بالثبات والقوة وقلقها من نفاذ الطعام مع التفكير في البحث عن مصادر بديلة، والتنبيه على طاعة الوالدين، واتباع تعليماتهما الخاصة بالسلامة، وضرورة التفكير قبل البدء بأي عمل.

كانت فلونة تحلم برؤية حيوان (الكنغر) في أستراليا وتتخيل شكله مما يدفع القاصّ إلى وصف هذا الحيوان، وطريقة إطعامه، ومواطن وجوده.

كما تضمنت توظيف الذكاء لبلوغ الغاية: كبناء المنزل، وإشعال النار للتدفئة عن طريق احتكاك الأخشاب، والاستفادة من تدجين الحيوانات والزراعة، وعدم اليأس، أو توقع الفشل من أجل تحقيق الغايات، أو النجاة من المتاعب.

استطاعت فلونة مع أسرتها البقاء والحياة في جزيرة مهجورة وبناء منزل خشبي، ومن ثم النجاة والسفر إلى سويسرا بفضل سفينة البحار مورتون. وهكذا يستطيع القاص ببراعة التوقف أمام الطفل عند كل عقدة وتحفيزه للبحث عن السلوك الخاطئ، والنتائج المترتبة عليه ومقارنتها بالسلوك الصائب والنتائج المترتبة عليه، وبهذا يستطيع أن يرسّخ قناعة الطفل بأن أي مشكلة تواجهه لا بد وأن يكون هناك حل لها يتطلب الذكاء والصبر والثقة بالنفس ليتم الإنجاز من دون تردد أو خوف.

وأخيرًا لعلنا نتفق بشدة على أن من أهم وسائل علاج القضايا التربوية التي يمر بها الطفل هي السرد القصصي الموجّه والمقنن بأسلوب علمي حديث جاذب للطفل وآسر لحواسه، وضالع في تشكيل شخصيته مع بروز قدرة المعلم البارع على تخطي أزمات تلاميذه، ورصف جسور المحبة التي تمكنهم من العبور إلى ذواتهم، وتحريك الطاقات الكامنة فيها، أو تلك الراكدة التي من شأنها أن تقفز بهم عاليًا، وتصبح نقطة ارتكاز يدور حولها محور الحياة.


    المراجع :

    عائلة روبينسون السويسرية
    رواية من تأليف الكاتب والفيلسوف السويسري جوهان رودولف ويس نشرت عام ١٨١٢ م.
    القصة في أدب الأطفال للكاتب أحمد محمود نجيب - دار الحدائق للنشر والتوزيع في لبنان.
    د. سليمة فرج زوبي . (دراسة عام ٢٠١٢). تقويم أداء أطفال في مرحلة الرياض في مهارات الاستماع باستخدام النص القصصي.
    فنّ كتابة قصة الأطفال ( دراسة علمية ) د. إيمان البقاعي متخصصة أكاديميًا في أدب الأطفال.