استعارة المكان الغائب: دلالات الاغتراب في الشعر العربي

محمد يعقوب

في الشعر ثمّ انزياحٌ ما؛ انزياحٌ عمّا هو كائن إلى حلمٍ لم يكن. وهذا الانزياح الذي يهجس به الشعر ليس على مستوى اللغة فحسب؛ بل على مستوى الوعي قبل ذلك، كأنّ الواقع "المكان"، واللحظة "الزمان" معطىً لم يعُد كافياً. في الكتابة بشكلٍ عامٍ اغترابٌ ما.


في الثقافة التي شكّلت تصورات الإنسان العربي يبدو الهجس بفعل "الاغتراب" قديماً، يقول ابن عربي في الفتوحات المكية: "إنّ أول غربةٍ اغتربناها وجوداً حسّياً عن وطننا، هي غربتنا عن وطن القبضة عند الإشهاد بالربوبية لله علينا، ثمّ عمرنا بطون الأمهات، فكانت الأرحام وطننا، فاغتربنا عنها بالولادة"[1].


أمّا في الشعر العربي فيبرز الاغتراب في صميم القصيدة العربية منذ البدء، وما مخاطبة البقعة الجغرافية "استعارة المكان الغائب" التي تمّ الارتحال عنها بما سُمّي "الوقوف على الأطلال" إلا بنيةً أصيلةً في جسد القصيدة العربية، ولم يكن الإحساس بالاغتراب، ومحاولة استعادة أيامٍ مضت إلا تأكيداً لنزعة الحنين إلى الأرض/الوطن، يقول امرؤ القيس:

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ         بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ

فتوضح فالمقـــراة لم يعفُ رسمها                 لما نسجتها من جنــــوبٍ وشمألِ


لم يجسّد امرؤ القيس طقساً شخصياً على الرغم من سبْقهِ في ابتكار بنياتٍ جديدةٍ في القصيدة العربية استحسنها من جاء بعده من الشعراء، حسب ابن رشيق [2]. لكنّ الوقوف على الأطلال واستعارة المكان الغائب هو إحساسٌ فطريٌّ فرضته حياة الصحراء التي تقوم على رحيلٍ في إثر رحيلٍ لا يهدأ أبداً.


يقول الدكتور محمود رجب: "ويُظهر الشعر العربي أنّ ثيمة الاغتراب بمعناه العام قد كابدها الشاعر القديم إلى حدّ التمزّق، حيث يدرك الشاعر بأنّ حياته إنما هي غريبةٌ عنه كالشيء المعار، يقول المهلهل بن ربيعة:

أرى طول الحياة وقد تولّى              كما قد يُسلب الشيء المعارُ


ويبلغ هذا الوعي الشقيّ مداه عندما يدرك الشاعر أنّ الإنسان موجودٌ من أجل الموت، يقضي عمره مغترباً حتى يجيء الموت ويضع النهاية، كما يقول بشر بن أبي خازم الأسدي:

ثــوى في ملحــدٍ لا بدّ منــهُ        كفى بالمـــوت نأياً واغـتـــرابا

             رهين بلىً، وكلّ فتىً سيبلى      فأذري الدمع وانتحبي انتحابا" [3]


وإذا كان الشعر بُدئ بامرئ القيس وخُتم بالمتنبي كما يقول بعض النقاد، فإن فكرة الاغتراب عن الوطن قد كانت تمثّل صلب تجربة الشاعرين، وعبّر عنها كلٌّ منهما بطريقته. في ديوان امرئ القيس بتحقيق حنّا الفاخوري يُفرد فصلاً لروميّات امرئ القيس [4]، يقول امرؤ القيس في إحداها تعبيراً عن نأيه عن قومه:

فلو أنّي هلكتُ بدار قــومي           لقُلتُ المــوتُ حقٌّ لا خلودا

ولكنّي هلكتُ بأرض قـــومٍ             بعيداً عن دياركـــــمُ بعيدا

أُعالج مُلك قيصـــر كلّ يومٍ            وأجــــدِرْ بالمنيّة أن تعودا

بأرض الروم لا نسبٌ قريبٌ.           ولا شافٍ فيسند أو يعـودا


وفي هذه الروميات يعزّي نفسه وصاحبه عمرو بن قميئة، فيقول:

بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونهُ              وأيقـــن أنّا لاحقــــان بقيصرا

 فقلتُ له: لا تبكِ عينك، إنّمـــا              نُحــاول مُلكاً أو نمـوت فنُعذرا


ولقد مات ودُفن امرؤ القيس في أنقرة غريباً عن وطنه، ورأى عند موته قبر امرأةٍ من أبناء الملوك ماتت هناك فدُفنت في سفح جبلٍ يُقال له عسيب، فسأل عنها فأُخبر قصّتها، فقال:

أجارتنا، إنّ المـــزار قريبُ            وإني مقيمٌ ما أقــام عسيبُ

أجارتنا، إنّا غريبان ها هنا           وكلّ غريبٍ للغريب نسيبُ



مات امرؤ القيس وفي صدره غصّةٌ من كلّ هذا الاغتراب عن القوم وعن الوطن!


أمّا المتنبي فقد طغى عليه شعورٌ بالاغتراب مُذ كان في الكوفة، يقول في صباه ( 5 ):

إن أكن معجباً فعجْبٌ عجيبٌ       لم يجـد فوق نفسه من مزيدِ

أنا ترب الندى وربّ القـــوافي          وسمام العــدا وغيظ الحسودِ

أنا في أمّـــةٍ تداركهـــــا اللـــــ.              ـهُ غريبٌ كصـــالحٍ في ثمودِ


كان أبو الطيب في مواجهة الندّ بالندّ مع الدهر، مع الزمان وأهله، يقول:

أهمّ بشيءٍ والليـــــالي كأنّها     تطاردني عن كونه وأطـــاردُ

وحيدٌ من الخلان في كلّ بلدةٍ     إذا عظم المطلوب قلّ المساعدُ


يكاد أبو الطيب يؤسس لاغتراب الشاعر عبر تجلّياتٍ لا تُحيل إلى عبقريّةٍ لغويةٍ فحسب، بل إلى تجربةٍ نفسيّةٍ عميقةٍ تُفصح عن ذاتها من خلال لغةٍ تلمس العظم، وتبوح بأسرار الذات المتوارية، ولم يكن يسعى المتنبي ليكون حكيماً قطّ، هو فقط ينفث شيئاً ما في صدره صادقاً حقيقياً، فيتعالى ما يقوله أبو الطيب على المكان والزمان فيُرى وكأنه حكمة، يقول:

إذا قدمتُ على الأهــوال شيّعني             قلبٌ إذا شئتُ أن يسلاكمُ خانا

أبدو فيسجد من بالسـوء يذكرني                 ولا أعاتبه صفحـاً وإهـــــــوانا

وهكذا كنتُ في أهــلي وفي وطني                 إنّ النفيس غـــريبٌ حيثما كانا


لم يطمئنّ أبو الطيب إلى الكوفة كوطنٍ له طوال حياته، وفكرة الرحيل في شعره تكاد تأخذ اتّساعاً لا يمكن حصره. عند سيف الدولة وجد وطناً يليق به كما كان يظنّ، رأى المتنبي نفسه في سيف الدولة، ولم ينفض يدهُ عن حنينٍ يباغته كلّ ما مرّ طائفٌ من حلبٍ برائحة الأحبة في جوار سيف الدولة، يقول بعد أن ترك سيف الدولة بسنواتٍ:

نحن أدرى وقد سألنا بنجـدٍ      أطويلٌ طـــريقنا أم يطــولُ

وكثيرٌ من الســـؤال اشتيـاقٌ       وكثيــرٌ من ردّهِ تعـــليـــلُ


لا أقمنا على مكـانٍ وإن طـا       ب ولا يمكن المكانَ الرحيلُ


كلما رحّبت بنا الروض قلنا:      حلبٌ قصدنا وأنت السبيلُ


وبرغم حبّه الجلّي لسيف الدولة إلا أنّ شخصية المتنبي لا تنحاز إلا إلى كبريائها، ومتى ما شعرت أنّ المكان ليس مكانها، نفرت واستعصت، يقول لسيف الدولة في قصيدةٍ من أعظم ما كتب في عتبٍ فخمٍ وحقيقيٍّ:

إذا ترحّلتَ عن قومٍ وقد قدروا           أن لا تُفـارقهم فالراحـــلون همُ

  شرّ البلاد مكانٌ لا صــديق بهِ            وشرّ ما يكسب الإنسان ما يصمُ


وهذا الإحساس بالاغتراب يتعاظم مع المتنبي يوماً فيوماً طوال حياته من صباه إلى عام رحيله. في حضرة عضد الدولة بشيراز عام 354 هـ ـ سنة وفاته ـ يقول:

مغاني الشعب طيباً في المغاني         بمنزلة الــربيع من الزمــــانِ

ولكنّ الفتى العــربيّ فيهــــا                غريب الوجــه واليد واللسانِ


لكنّ المتنبي يستعير مكاناً غائباً في داخله، لم يجده طوال حياته، وهو من رحلةٍ إلى رحلةٍ في سعيٍ حثيثٍ إلى ما لا يبلغه الزمان من نفسه، على حدّ قوله!

فيقول في آخر قصيدةٍ أنشدها بين يدي كافور، ولم يلقهُ بعدها:

وإنّي لنجمٌ يهتدي صحبتي بهِ       إذا حال من دون النجوم سحابُ

غنّيٌّ عن الأوطـان لا يستخفّني                  إلى بلدٍ ســـــــافرتُ عنه إيابُ


وأين الوطن، وأين المكان إذن، يا أبا الطيب، فإذ به يجيب ويقول:

أعزُّ مكانٍ في الدُّنا سرجُ سابحٍ              وخير جليسٍ في الزمان كتابُ


وكأنّ المتنبي يخلق مفارقةً جديدةً لاستعارة المكان الغائب، حيث المكان ما يحيا فينا بكل تناقضاتنا وكبريائنا ولا يغيب، لا ما نحيا فيه ونرتحل عنه كلّ مرة!




    المراجع:

    [1] الفتوحات المكية ـ محي الدين ابن عربي ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ الطبعة الأولى 1985 م.
    [2] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ـ ابن رشيق القيرواني ـ تحقيق: محمد قرقزان ـ دار المعرفة ـ الطبعة الأولى 1988 م.
    [3] الاغتراب سيرة مصطلح ـ محمود رجب ـ دار المعارف ـ الطبعة الثالثة 1988 م.
    [4] ديوان امرئ القيس ـ تحقيق: حنّا الفاخوري ـ دار الجيل ـ الطبعة الأولى 1989 م.
    [5] الصفوة في معاني شعر المتنبي وشرحه لأبي اليُمن تاج الدين الكندي ـ دراسة وتحقيق: عبد الله الفلاح ـ النادي الأدبي بالرياض ـ الطبعة الأولى 2009 م.
    [6] ديوان المتنبي، دار الكتاب العربي، 2011.