عبد الهادي صالح
تتوزع حالات الانتظار على مسرح الحياة بين الإيجابي كما هو في حالة انتظار وصول مولود جديد، وبين السلبي في حالة انتظار مغادرة هذه الحياة بعد مرض مميت، وفي كلتا الحالتين تكون النهايات معروفة ولا تحتاج إلى مزيد من التأويل؛ ما يجعل الإنسان واقفاً ومنتظراَ بين الأمل واليأس والاستسلام للموعد الذي سيحل وقته ولا ريب.
لكن حالات الانتظار المبتكرة على مسرح الأدب والفن تخضع لفكرة الكاتب وسلطته على النص، وتستعرض قدراته الأدبية في بناء لغة درامية مركزة، تكشف الواقع وتسلط الضوء على خباياه، ويمارس الكاتب لعبة فنية في خلق هذا الانتظار واستثمار لحظاته لغايات أدبية خالصة، وبخاصة في المسرح الطليعي اللامعقول الذي يعرض معاناة الصعاليك والبؤساء وينتصر لهم.
يقف الانتظار ذريعة لتمرير فكرة الكاتب في النص المسرحي، ويتلاشى الزمن في حوار الشخصيات التي تخرج على برجوازية الواقع وتعريه على خشبة المسرح، من خلال أحداث درامية متماسكة تستميل عواطف الناس ومشاعرهم وتخلق متعة من التشويق لمعرفة النهاية المحتملة لحالة الانتظار المتواصلة في النص.
ليس الانتظار الذي ابتكره صمويل بيكيت مثلا في مسرحية "في انتظار جودو" [1] معلوماً أو محدداً؛ فقد ترك للشخصيات ممارسة أدوارها القلقة والمتوترة متنقلة بين حدث وآخر وفي مكان محدد تحت شجرة، وشغل لحظات الانتظار بينها لتفعيل الأمل في أنفسهم وجعله الدافع الرئيس لبقائهم، مستخدما لغة نثرية بسيطة ومفردات متداولة تماشياً مع إيقاع الأحداث، وهذا الأمل يأتي في كلمات الصبي الذي لديه خبر جودو ويخبر فلاديمير واسترجون بأنه: /لن يتمكن من المجيء هذا المساء وسيأتي بالتأكيد غداً/ص 107 ، ما دعا بيكيت نفسه إلى القول:"في فعل الانتظار نجرب مرور الزمن في شكله الأنقى" [2] .. يقول فلاديمير :/ غداً عندما أظن أنني استيقظت ماذا أقول عن هذا ؟! بأنني وبرفقة صديقي استرجون وفي هذا المكان وحتى هبوط الليل انتظرت جودو! بأن بوزو مَرّ مع حماله وتكلم معنا بلا شك لكن أية حقيقة تكمن في كل هذا؟./ص 166.
لقد مارس بيكيت خدعته الفنية وجعل من القراء / الجمهور متلهفاً ومشتاقاً لمعرفة نهاية جودو ومتى سوف يصل؟! ومكّن الشخصيات فلاديمير- استرجون –بوزو –لاكي - من استثمار لحظات الانتظار وجعلهم " يلعبون لعبة الزمن ويتنكرون بأدوارهم ويتقنعون بكلامهم" [3] يقول فلاديمير: /يمكننا الانتظار .. يرد استرجون: نعرف ماذا ننتظر .. فلاديمير: لم نعد في حاجة للقلق.. استرجون: مجرد الانتظار. / ص 84 ، وانتهى الانتظار إلى انتظار اللاشيء، لا أمل يأتي، ولا يظهر جودو ولا أحد ينتحر ولا يرحل فلاديمير ولا استرجون ويبقيان مكانهما.
ولئن كان الانتظار لدى صمويل بيكيت كُتب بلغة نثرية سهلة وغير معقدة وصلت تلقائياً إلى الجمهور والقراء؛ فإننا سنتعرف على انتظار شعري في مسرحية "حكاية فاسكو" [4] لجورج شحادة.. انتظار آخر يرتبط بالحلم أكثر من الواقع من خلال لغته الشعرية التي ابتكرها المؤلف، أملاً في الارتقاء بالواقع الذي يرغب به شحادة ويطمح إلى أن يتجاوزه الإنسان المقموع البائس.. يقول فاسكو الذي تعلّق بمارغريت ويصف لقاؤه بها حينما سأله الملازم باربيريس: / منذ ذلك النهار انفتح نصف قلبي كانت جالسة قرب طبل تتأمل دموعها المنهمرة وتتأمل الليل.. كيف لزهرة أن تكون جميلة؟ كيف يمكن لفتاة أن تكون جميلة؟ هذا هو سر الحياة / ص171، ولأن جورج شحادة شاعر أولاً فقد جعل من البطل فاسكو ذلك الحلاق الصغير الذي يعيش في قرية سوسو "يحلم ويمتزج بالهواء" ويهيم بالفتاة، وأصبح المسرح "يجري في دروب الحلم لا دروب المنطق وتحول الحلم إلى زمن والزمن إلى حلم" [5] .
يتأسف فاسكو على تركه قريته وعلى مهنته التي يحبها "الحلاقة"، وأقحموه في الحرب التي لا يعرف عنها شيئاً ويقول: / الحرب هي الحرب لكن لا ناقة لي فيها ولا جمل/ ويضيف: / إذا كانت المعلومات الصحيحة تكسب الحروب فينبغي أن تخسرها المعلومات الكاذبة وإذا لم أعد بعد إلى سوسو فستكون دائماً زهور في بلادي وبلاد مارغريت الآن ألمس شعرك يا مارغريت ولم أعد خائفا / ص 157-192 – لقد أصبح هذا الانتظار "الممهد للموت والأمل البائس والمضيء والمعتم معا" [6] ، وقد اقتربت لحظة الخلاص على يد الجنود الذين يرتبون لإعدام فاسكو رمياً بالرصاص.
لقد تورطت مارغريت هي الأخرى في حب فاسكو وانتظرته طويلاً عبر أحلامها: / قرب نبع ألتقي بحلاق صغير الماء لا صوت له يلمس شعري كرمل مُر وحين يفتح مقصه يصنع منه شعلتين قلبي وقلبه متحدين إلى الأبد /، لتجد حبيبها / نائم في المكان الذي رأيته في حلمي / ص 205 -41 ، وهي تجلس على جذع شجرة قرب جثة فاسكو المغطاة بالشرشف الأبيض بعد أن قرر المؤلف نهايته بتلك الطريقة، وقد حاول والد مارغريت مواساتها كي يخفف عنها لوعة الانتظار وفاجعة الفقد: / يكفي يا مارغريت يكفي تفعلين هذا كله في سبيل محيط هوائي.. لك الحق أن تبكي لك الحق حينما تحلمين يا ابنتي وعندما تعيشين / ص 206.
من المؤكد أن الكاتب هو ولي أمر أدبه وهو القادر على التنوع في كتابة المسرحية بين الشعر والنثر، وقد استطاع صمويل بيكيت أن يفرد الانتظار على مائدة النثر بلغة واضحة مباشرة ويجعل منه انتظار اللاشيء، بعد أن استدرج الجمهور / القراء وسيطر عليهم من بداية العمل إلى نهايته لمعرفة جودو وحكايته عبر عدد من الأحداث التراجيدية التي وقعت بين شخصيات العمل وشغلت أوقات الانتظار لتفعيل الأمل والشوق للحظة وصول جودو، وفي الجهة المقابلة تمكن جورج شحادة من استثمار الشعر لمصلحة النثر، وأوجد علاقات شعرية بين الكلمات ونقل مآسي الفقراء والبؤساء من الواقع إلى خشبة المسرح في زمن الحروب والمعارك التي تعصف بالإنسان والمكان، وتحول الانتظار بفعل تلك اللغة الشعرية إلى حلم بين فاسكو ومارغريت وجعل المؤلف النهاية مؤسفة وغير متوقعة.
- [1] في انتظار جودو – صمويل بيكيت – ترجمة بول شاؤول - منشورات الجمل - الطبعة الأولى – 2009م – بيروت
[2] المصدر السابق ص 19
[3] المصدر السابق ص 26
[4] من المسرح العالمي أعمال مختارة لجورج شحادة 31/1 – ترجمة أدونيس – وزارة الإعلام – 1972م – الكويت
[5] المصدر السابق ص 15
[6] المصدر السابق ص 15