عايض بن مسفر البقمي
1. النص والبعد الدرامي
ينطلق نص يوتوبيا من فكرة تبدو بسيطة: مجموعة من المرضى النفسيين في مصحة خاصة يتهيؤون للاحتفال بـ "عيد الأرض". إلا أنّ هذا الإطار لا يلبث أن يتفكك تدريجياً ليكشف عن طبقات متعددة: طبقة الذات المتأزمة، وطبقة المجتمع المنهك، وطبقة الإنسان وهو يواجه هشاشته الأعمق.
الذكاء في النص يكمن في أنه لم يقدّم المرضى كضحايا دراميين، بل كبشر يحملون تاريخاً مثقلاً بالخسارات التي تشبه في جوهرها خسارات الإنسان المعاصر. عنترة الذي يبحث عن بطولة ضائعة، والعالِم الذي دمرته المعرفة التي آمن بها، والرجل الذي تحوّل الحب في حياته إلى لعنة أبدية، جميعهم كُتبوا بهدوء يجعل المتلقي يرى في كل منهم جزءاً منه.
يتحرك النص على خط درامي دائري، يبدأ بالاحتفال وينتهي بجنازة للسعادة، وكأن المؤلف يريد أن يقول: الإنسان لا يخسر سعادته فجأة، بل يشيّعها تدريجياً وهو يظن أنه يحتفل بالحياة. هذا البناء الدرامي - بما فيه من مفارقات وأسئلة - يمنح النص قدرة على تجاوز الحدث إلى المعنى، ويمنح العرض مساحة لقراءة إنسانية واسعة.
2. الحبكة والصراع:
لم تعتمد الحبكة على “حدث كبير” بقدر ما اعتمدت على “انكشاف تدريجي”، وهو بناء نادر في النصوص المسرحية النفسية.
الصراع: داخلي: (المرضى، الطبيب، الممرض)، خارجي
3. الرؤية الإخراجية:
حوّل الإخراج النص من حكاية نفسية إلى تجربة بصرية ووجدانية. إذ تعامل المخرج مع المصحة بوصفها فضاءً متحوّلاً، لا يعرف الاستقرار، يتبدل بتبدل وعي الشخصيات، وينقلب بين لحظة وأخرى من صالة علاج إلى سيرك، ومن لحظة احتفال إلى موكب عزاء.
ولم يعتمد الإخراج على الحركة الكثيرة أو الإبهار التقني، بل على انضباط الإيقاع. كل مشهد يبدأ بإيقاع نفسي قبل أن يبدأ بإيقاع حركي، ومع تصاعد التوتر تتحول لغة الجسد إلى لغة بصرية، تؤكد ما يقوله الحوار أو تناقضه. ولعل دخول الممثلين من بين الجمهور، ومزجهم بين الاحتفال الوهمي والاضطراب الحقيقي، هو من أكثر خيارات العرض جرأة، لأنه يكسر الجدار الرابع بطريقة لا تستعرض نفسها، بل تُشرك المتفرج في البعد النفسي الهش للشخصيات.
اعتمد الإخراج إلى حد بعيد على المسرح الفقير، حيث تُختزل الأدوات لصالح التعبير الجسدي، ويُستثمر الوجود الإنساني على الخشبة كأبرز حامل للمعنى.
• كما رأينا توظيفا واضحاً لتقنية الجستوس التي يتميز بها المسرح البريختي والتي تعتمد على توظيف الحركة أو الإيماءة بوصفها موقفاً اجتماعياً:
كدوران المرضى حول الكرسي أثناء مواجهة "ليالي"، وحركة النفخ في البالونات كعلامة على هشاشة الداخل،
وانتقال المشهد من سيرك إلى مأتم بلا تغيير في الديكور، بل بتغيير البعد الجسدي للممثل وإيقاعه.
4. الإضاءة:
الإضاءة في العرض المسرحي لم تكن مجرد تقنية، بل عنصر بنائي له وظيفة درامية واضحة، حيث شكل توظيفها في العرض لغة موازية للنص، فهي لا تضيء المكان بقدر ما تكشف حالاته الداخلية، حيث لاحظنا تحولها من ضوء احتفالي إلى ضوء بارد، ومن عتمة موحية إلى بقع ضوئية محاصِرة.
هذا الاستخدام الذكي للإضاءة صنع توازناً مهماً بين الفضاء المفتوح للمصحة والحدود النفسية الضيقة التي تحاصر الشخصيات.
5. الديكور:
الديكور اعتمد على الحد الأدنى، لكنه كان ذا فاعلية عالية. مكتب الطبيب الذي يتخذ هيئة “نعش” هو أول تصريح رمزي يقدمه العرض: إن العلم الذي يفترض أن يشفي، قد يتحوّل بدوره إلى قبر للأخلاق أو العقل.
الكراسي، البالونات، الستارة البيضاء… كلها عناصر بسيطة، لكنها استُخدمت بانضباط دلالي. وتحولت البالونات من رمز احتفالي إلى رمز هشاشة، ومن لعبة تُنفخ إلى علامة تُفجَّر، في توازٍ مع تفجر الشخصيات من داخلها.
6. السينوغرافيا:
لم تكن السينوغرافيا مستقلة عن الحدث أو مقحمة فيه، بل جاءت جزءاً من البناء الدرامي ذاته.
حيث أن تبدّل الفضاء من احتفال إلى معركة إلى مأتم لم يكن يحتاج إلى تغيير مشهدي، بل إلى تغيير في التشكيل الحركي ودرجة الإضاءة والمؤثر الصوتي. هذا التناغم خلق فضاءً عضويّاً، يشتغل وفق منطق “الحالة” لا منطق “المكان”.
ولعل أجمل ما في السينوغرافيا أنها حافظت على التوتر الدائم بين الحلم والواقع. كل مشهد كان يوحي بأن ثمة عالماً آخر خلف المصحة—عالماً أشد قسوة من العالم الصغير الذي اقتصر عليه العرض، وهذا ما أتاح للعرض أن يتحرك بين العبث والواقعية والطقس المسرحي الملحمي البرختي دون فقدان وحدته.
7. أداء الممثلين:
قدّم الممثلون أداء متوازناً بين التعبير الجسدي والانفعال النفسي. فلم يعتمدوا على الانفعال المباشر أو على إثارة شفقة الجمهور، بل على بناء شخصيات تتكشف تدريجياً.
• المريض “عنترة” قدّم شخصية متوترة بين البطولة والضياع، شكلت مزيجاً من الفخر المكسور والحنين الملوّث بالخوف.
• شخصية العالِم جاءت متوترة، تحمل لغة جسد مضغوطة تعكس خوفاً عميقاً من ذاته. وكأن المعرفة أثقلت جسده قبل عقله.
• شخصية “سعيد” جاءت مثقلة بحمولة اجتماعية ووجدانية، أدّاها الممثل من وجهة نظري بأقل قدر من المبالغة وأكثر قدر من الصدق.
• الطبيب قدّم مساراً تمثيلياً مقنعاً، يبدأ فيه في أعلى سلّم السلطة، ويهبط تدريجياً حتى يصبح جزءاً من الحالة المرضية.
كما أدى الممرّض دوره بمزيج من الكوميديا السوداء والتعليق الساخر، ليصبح شاهداً على تناقضات المصحة.
خلاصة:
قدّم العرض المسرحي يوتوبيا؛ عن طريق مزج النص العميق بالصراع المركّب، والحبكة الدائرية، والإخراج الواعي، والعناصر التقنية المدروسة، قدّم تجربة مسرحية تتجاوز حدود “المصحة” إلى تساؤل أعمق: ما الذي تبقّى من الإنسان حين يواجه ذاته بلا أقنعة؟ النص محكم، والرؤية الإخراجية شجاعة، والسينوغرافيا جزء عضوي من المعنى، وأداء الممثلين حمل العرض بثقة واقتدار. إنها مسرحية لا تراهن على الإبهار بقدر ما تراهن على الإنسان، وتصرّ على أن السعادة ليست فكرة مجردة، بل كائن هشّ يمكن للعالم أن يدفنه دون أن يشعر.