مسرحية عجز الكواريب

سامي الزهراني

«عجز الكواريب» لعبد الباقي البخيت المسرحية نصّ عبثي-رمزي ينتمي إلى تيار «مسرح القلق الوجودي» المعاصر، يبدو واضحاً أنه كُتب في سياق جائحة كورونا (2020-2022 تقريباً)، لكن الكاتب يتجاوز الحدث الوبائي ليحوّله إلى استعارة كبرى عن العجز الإنساني المطلق، الاغتراب، انهيار اللغة، فقدان المعنى.

عنوان المسرحية عجز الكواريب هو عنوان موحٍ ومعبر عن الأحداث الدرامية في النص وهو يشير إلى حالة العجز والتيه التي يتحدث النص عنها، أما الكواريب فهي جمع لمفرد كاروب والكاروب لدى أهل الشرقية اسمٌ للفسيلة الهوائية المرتبطة بالنخلة الأم وليس لها جذور في الأرض، الكاروب ليس كالفسيلة التي لها جذور في الأرض والتي يمكن زراعتها مرّة أخرى، بل يُتخلَّص منه لضرره بالنخلة الأم.

النص مكتظ بصور شعرية قوية ومؤلمة (مرآة مشوهة تعكس هدنة حتمية الموت)، هذه الصور تخلق كثافة حسية نادرة في النصوص المسرحية، تجعل القارئ/المتفرج يشعر فعلاً بالاختناق والحصار.

الكاتب يعمد إلى استخدام لغة مفككة، متشظية، مليئة بالتكرار والتناقض، هذا الأسلوب يخدم الفكرة الأساسية للنص وهي انهيار التواصل البشري.

المكان هو البطل الدرامي في هذا النص، فالمكان ليس مجرد ديكور، بل هو الوباء نفسه، هو الذاكرة المهشمة، هو الجسد المحاصر.

الزوايا، المرايا، الأبواق، السلالم التي لا تؤدي إلى شيء… كلها عناصر بيكيتية-يونسكوية بامتياز، لكن بلمسة سوداوية خاصة.

الإحساس بالعجز الجماعي العربي في النص يصرخ صرخة جيل عاش الظلم والانهيار، هذا النص عبارة عن قصيدة طويلة مُسرحَنة.

في مسرح العبث هناك في الغالب ثغرة صغيرة للسخرية أو المفارقة أو الانتظار، عجز الكواريب اليأس مطلق، أسود، السخرية نادرة جداً.

عجز الكواريب نص شعري مُذهل وقاسٍ وصادق، هو أقرب إلى «مرثية وجودية» «صرخة جماعية» كُتبت بدم بارد.

الرؤية الإخراجية لمسرحية “عجز الكواريب” تمثل محاولة طموحة لتحويل نص فلسفي-ذهني إلى تجربة مسرحية شاملة، مستندة إلى ثيمات الفوضى، الاغتراب، والبحث عن الدواء.

تعتمد الرؤية على عناصر بصرية وسمعية قوية لإغراق الجمهور في حالة الشخصيات المحاصرة بالوباء. الرؤية تنجح في ربط العناصر الإخراجية بالثيمات الأساسية للنص.

على سبيل المثال، تصميم الفضاء كمتاهة من الزوايا المتكسرة والمرايا المتقابلة يعكس بشكل رمزي حالة الاغتراب والفوضى، مما يجعل المسرح ليس مجرد خلفية بل جزءاً حياً من السرد، هذا النهج يذكر بأعمال مسرحيين مثل بيتر بروك أو روبرت ويلسون، حيث يصبح الفضاء “شخصية” إضافية.

كذلك، استخدام الجدران الشفافة أو شبه الشفافة مع إسقاطات شمعية تتآكل يضيف طبقة بصرية ديناميكية، تعزز من شعور التآكل النفسي والجسدي للشخصيات.

الاعتماد على إضاءة متقطعة وبقع ضوء حادة يخلق توتراً نفسياً فعالاً، خاصة مع اللون الأزرق البارد الذي ينفجر بالأحمر في لحظات الذروة، هذا يرمز بوضوح إلى الوباء والموت، ويجعل الإضاءة أداة سردية لا مجرد إضاءة فنية.

كما أن تدرّج أزياء الشخصيات (مثل ثوب جميلة الذي يتدرج إلى السواد) يعكس تطور الحالة النفسية، مما يضيف عمقاً درامياً دون الحاجة إلى حوار إضافي.

فكرة إشراك الجمهور عبر انعكاس صورهم في المرايا، جعل العرض تجربة وجودية، هي نقطة قوة بارزة، هذا يحول المشاهد من متفرج سلبي إلى مشارك، مما يعزز من الهدف الإبداعي في تقديم النص بلغة معاصرة. كذلك، الحركة المبنية على التضاد – من الحصر في الزوايا إلى التصادم في المركز – تبني تصعيداً درامياً جيداً، وتنتهي بدوران دائري يترك انطباعاً قوياً.

دمج الموسيقى الحية (مثل الناي أو العود) كجزء من الشخصيات في العرض أعطى بعدا إيجابيا لها، المؤثرات الصوتية مثل تشقق المرايا أو صفير الريح، خلقت طبقة سمعية عززت من الجو النفسي، هذا النهج يجعل الصوت ليس خلفية بل عنصراً درامياً يتناسب مع الطابع الفلسفي للنص.