أحمد بن عبد الله المالكي
في البداية قدم المؤلف مسرحيته باعتبارها واقعية يرمز فيها للفساد الأخلاقي الذي حل على قرية واستوطن بها، حتى يرسل الله عاصفة تقتلع الشجر وتجرف الحجر والبشر وتطهر الأرض من النفوس الشريرة وتبقي من يستحق العيش.
مسرحية رمزية واقعية، المسرحية جاءت بعنوان: حينما تترتب الأشياء، فالعنوان يدل على وجود فوضى فالدلالة واضحة لأنها نقيض الترتيب، ويفترض القارئ وجود صراع فالفوضى لا يمكن أن تكون ساكنة وستؤكد تلك الفرضية من خلال الاستقراء والبحث داخل النص.
المشهد الأول والأخير حظيرة متهالكة على وقع أصوات الرعد تحت ضوء البرق وأمطار تُغرق المكان؛ صراخ وبكاء ورياح وهنا رمزية وتأكيد للفوضى والاضطراب الذي أراده المؤلف، أربعة رجال وامرأتان، إذن الفرضية تتضح ممثلة في مجتمع وفوضى وثمة صراع في حظيرة متسخة يحمل دلالة رمزية تصف نوعية المجتمع الذي ستبدأ فيه الأحداث وتنتهي.
حمدان وهو الشخصية التي تدور حولها كل الشخصيات في المسرحية شاب ذو نفوذ ومال متعجرف كلمته مسموعة ورأيه صائب يأمر ويُطاع، سالم ومسعود مرتزقة يبطشون وينفّذون أوامر حمدان القذرة، حليمة نالها بطش حمدان، رجال الإسعاف الثلاثة تربطهم علاقة بحمدان وينفذون أعمال غير شرعية، حتى سمية المرأة المكلومة التي فقدت زوجها وابنها ولم تعد تشعر بمن حولها وتحدث نفسها؛ ترتبط بحمدان -وإن لم تتكلم معه طوال المسرحية- وسنتحدث عن الرابط بينهما، أما الكهل فهو صوت الحكمة الذي يروي القصة منذ بداية الفوضى ويحاول ترتيبها.
والفكرة في المسرحية أنها تحكي قصة قرية استشرى فيها الفساد الأخلاقي، حتى جاءت القدرة الإلهية لاستئصاله بالعاصفة التي أرسلت واقتلعت القرية كاملة.
اختار المؤلف شخصيات المسرحية بعناية ووظفها لتخدم الفكرة؛ فوجود شخصية سمية لم يكن عبثا، بل هي بمثابة الأمل الذي فُقد في القرية المظلمة، وحملها للطفل رمزية النقاء والصفاء فليست كل المجتمعات فاسدة وهنا استثناء يحسب للمؤلف الذي أراد أن يرمز لوجود نور في نهاية النفق؛ حواراتها وهمهماتها ظاهرها حديث مع ابنها الوهمي وباطنها يصف حال القرية، ووعيد بأن كل ذلك سينتهي قريباً، وما يربط بينها وبين حمدان أنها الناجية الوحيدة التي تنفذ وعدها حين لفّته بالقماش الأبيض في المشهد الأخير.
أما شخصية الكهل فهي تمثل السارد الداخلي وصوت الحكمة الذي بات لا يُسمع ولا يؤخذ به ولا يحترم، بدأ حديثه بجملة: "حكى لي الأولون حكاية قد نسيتها، وها هي تعود لذاكرتي من جديد" حتى آخر جملة وسنتطرق لها لاحقاً، ولو تتبعنا الجمل التي كتبت للكهل لوجدناها تساهم في تطوير الأحداث وتدفعها للنهاية، ومضمون نص المسرحية وهدفه وصف الحالة الاجتماعية ففرضية وجود صراع اجتماعي تتسق مع ما ذهبنا إليه في الاستقراء، لأنه لا يخلوا مجتمع من الصراعات فمتى كان هناك مجتمع كان هناك صراع، وهي السمة البارزة الملازمة لحياتنا الاجتماعية وهي ظاهرة طبيعية، وبلا شك تختلف أهدافها ومواضيعها من مجتمع لآخر.
ويمكن مقاربة نظرية رالف داهرندوف للقرية في المسرحية؛ وسنعمل على جانبين منها الأولى أن كل مجتمع معرض للتغيير وهذا ما اتجهت له المسرحية ومؤلفها منذ البداية فرمزية الرياح العاتية والعاصفة تمثل الغضب الإلهي الذي سيقرر من يستحق البقاء وهذا التغيير الذي ينشده المؤلف استئصال الفاسدين ومن عاونهم من المجتمع، الثانية التمرد الاجتماعي حين تجرأ سالم ومسعود على حمدان وأوقفاه وتمردا على طاعته والانصياع لأوامره، بعد التهديد والوعيد كانت لحظة المكاشفة وإخباره بأنه مجرد إنسان عادي وأنه ليس سوى مجرم حقير.
وعن المكان والزمان؛ تدور أحداث المسرحية في قرية غير معروفة إلا في ذهن المؤلف حتى لا يقع في فخ التأويلات لأن النص صالح لإسقاطه على كل زمان ومكان، وعن اللغة فنجدها سهلة واضحة قائمة على السرد والحوار، والإيقاع في المسرحية كان متصاعدا مع حدة الحوار والشخصيات والمواقف حتى الوصول للذروة النهائية.
وعن الحوار الدرامي اهتم المؤلف بإشراك القارئ أو المشاهد كطرف ثالث ليسهم بذلك في التعريف عن الشخصيات ويعبر عن الأفكار ويصل بها إلى المتلقي وسنتحدث عن الحوار الخارجي الذي يكون فيه الحوار بهذه الصيغة أنا أخاطبك أنت بنظام الدور فتوجه شخصية ما الحديث إلى شخصية أخرى فتنصت ثم تجيب بدورها وتتحول إلى متكلم.
وظّف المؤلف تقنية الحوار الخارجي ليعطي مزيدا من الإضاءة الداخلية للشخصية ولتصوير الصراع الذي تبدو عليه.
رجل2: المكان هنا يعج برائحة البؤس والكراهية.
رجل1: الكراهية تنبع من البؤس الساكن في القلوب فهي تتعفن حتى تصبح ورماً يضرب العقل ويشل التفكير فتجعل جميع الأحاسيس والمشاعر متنافرة.
رجل2: ما لم يكن هناك يد حانية وقلب يحتويك حينها سيتحول كل ذلك لوحش فقد كل إنسانيته.
وفي الحوار الداخلي حديث النفس للنفس، بطريقـة مسموعة أو غير مسموعة تعبر به شخصية عن أفكارها الباطنية القريبة مما يوحي بوجود أفكار تتداعى جراء تراكمات نفسيـة سابقـة، وهي تقنية حوارية للشخصيـات للتعبير عن دواخلهم بأنفسهم، حيث وظّف المؤلف هذا النوع من الحوار للكشف عن الملامح الفكرية للشخصيات وتصوير مواقفها.
سمية: نَمْ يا صغيري ريثما يجهز الطعام، نم؛ فسريعا سيأتي والدك، لقد وعدني أن يعود.
حليمة: أحببته بصدق الدنيا، وأوجعني بعدها بأوجاع الكون كله، صنع فيني كسرًا لا ينجبر وجرحاً لا يبرأ، وما زال ذلك الجرح لم يبرأ ولن يبرأ إلا بجرح أصنعه في قلبه وسكينا أزرعها في أحشائه.
رجل 3: أمي أعلم جيدًا بأنك غاضبة مني، لم أكن متعمداً في ذلك، كنت أبحث عن مكان جديد أتنفس فيه.
| اقتباسات | |
|---|---|
| العاصفة ستضرب الحظيرة من الداخل | عراك داخل في الحظيرة |
| فكنت انتقم منك في كل الرجال | تعبير عن شدة الغضب |
| هم قادمون فلا تبرحوا المكان | التغيير قادم لا محالة |
| الخرف رجل يثرثر | عدم احترام صوت الحكمة |
| العاصفة تغسل المكان | تقتلع الفاسدين من القرية |
| سواد يملأ القرية وبياضها يهرب | نفوس وأفعال سكان القرية |
| شوارعها متعرجة كالأفعى | صورتين للقرية وساكنيها |
| الريح اقتلعتهم بحبالهم وجنازيرهم | لن يبقى أحد |
| يا لثارات الزمان | لتهويل العاصفة |
| لقد اقتلعت أرواحنا | الاستسلام والانهزام |
وفي الأثر البلاغي للاستعارة ما قالته حليمة: "وبت ملعونة تعبث بي الدنيا؛ فكنت انتقم منك في كل الرجال"، أرادت حليمة التعبير عن غضبها وقهرها بعد أن هجرت والدتها من أجل حمدان ومرغت أنف والدها في الوحل وذلك بقوة المبالغة في الوصف بأنها ملعونة تنتقم منه في كل الرجال، فاللعنة مستعارة والانتقام لا يكون إلا من نفسها، والاستعارة هنا لتقوية المعنى.
وعن الأثر البلاغي للتشبيه في قول الكهل: "لذا جاءت شوارعها متعرجة كالأفعى، ومنذ ذلك اليوم باتت الأفاعي منتشرة في أرجائها" هنا أراد المؤلف تصوير حال القرية ووصفها في نفس الوقت؛ وتشبيه شوارعها بالتعرج كأفعى ومن ثم انتشارها والقصد من ذلك التشبيه بأن من استوطنوا في القرية بعد الطوفان الأول كانوا كالأفاعي يبثون سمومهم (الفساد).
وأما عن الأثر البلاغي للمجاز عبارة "لقد اقتلعت أرواحنا" وعبارة "لتلتهمنا وما الذي سيحدث حينها"، كلاهما تعبر عن الاستسلام للأمر الواقع والرضوخ للعاصفة التي لن تبقيهم، وبلاغتها الإيجاز. وكما نعلم أن اللغة هي الأداة الفاعلـة والمؤثرة في الحـوار، وفي كل نص يوجد مواطن ضعف وقوة، بيد أنّ تكرار بعض الجمل أو الكلمات قد يضعف أحياناً النص ويفقده قوته، فمثلاً: "الشمطاء" تكررت أربع مرات من حمدان وهو لم يرَ السيدة التي كانت في الظلام، كذلك وصْفُها بالأفعى أو صوتها بالفحيح تكرر خمس مرات والتكرار هنا يقلل من تأثير الوصف، كما أن هناك مواطن قوة ومعانٍ كانت إضافة للمسرحية: "المكان متشبث بنا، يأبى أن نفارقه، إنه يشدنا إليه رغماً عنا" وهذا وصف دقيق لمن هم بداخل الحظيرة الذين ينتمون لنفس المجتمع الفاسد وأنه يصعب عليهم الخروج منه، وجملة الكهل الأخيرة التي أرادها المؤلف إجابة على العنوان حينما تترتب الأشياء "رتبت الفوضى التي صنعها الإنسان في ذلك الزمان" وهذا ما أشرنا إليه سابقاً.
السينوغرافيا وظِّفت بشكل جيد جدًا فحركة الممثلين وأداؤهم على الخشبة مثّل ذلك وملابسهم الممزقة إشارة للانهيار النفسي والاجتماعي، الديكور الخشب المتصدع والحبال وشبك الدجاج وصناديق الاختباء المحطمة والمنصة المرتفعة رمزية لمكان المواجهة، التحولات البصرية والصوتية عمقت ذلك فالبصرية ساهمت في تعميق فكرة العزلة والخوف، فالإضاءة الخافتة للخوف والحادة للمواجهة والفوانيس للعزلة، والصوتية تتفاعل مع الصعود وتخفت، وموسيقى البيانو كانت عند لحظات الانهيار وهي ترمز للصراع والاضطراب الداخلي، ثم النهاية التلاشي واختفاء جميع الممثلين وبقاء سمية التي اختارها القدر لتبقى. أخيرًا اعتقد أن المؤلف نجح في صنع فوضى في النص وعلى الخشبة وفي دواخلنا، أراد بذلك جعلنا نشعر بأنها جزء من حياة أخرى نعيشها خارج المسـرح وفي مجتمعاتنا المختلفة.