تكلم حتى أراك

سامي الزهراني

مسرحية “تكلم حتى أراك” تأليف وإخراج يوسف أحمد الحربي، عبارة عن مسرحية ذات فصل واحد، تتميز بطابع رمزي فلسفي، تُعلن صراحة أنها مستوحاة من مسرحية “العميان” للكاتب البلجيكي موريس ميترلينك.

علاقة عنوان المسرحية “تكلم حتى أراك” بالنص، مستمد من مقولة فلسفية شهيرة منسوبة إلى الفيلسوف اليوناني سقراط، والتي تعني أن الكلام يكشف عن جوهر الإنسان وشخصيته الحقيقية، حيث يُقال إن سقراط وجهها لتلميذ صامت ليحثه على الحديث كي “يرى” عقله وفكره (لا مظهره الخارجي فقط)، هذا الأمر مشابه لقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “المرء مخبوء تحت لسانه”.

العنوان يحمل تناقضاً فالرؤية في العنوان تتحقق بالكلام لا بالعيون، مما يعمق ثيمة العمى النفسي إلى جانب الجسدي.

العميان التائهون يعتمدون تماماً على الأصوات في التعرف على الآخرين، على مواقعهم، على العالم المحيط، بدون الكلام، يصبحون “غير مرئيين” لبعضهم، محاصرين في عزلة تامة.

عندما يتحدث أحدهم، يتمكن الآخرون من “رؤيته” من خلال صوته، تحديد موقعه، فهم مشاعره (الخوف، القلق، الأمل)، تمييز هويته، حيث يصبح الصوت الوسيلة الوحيدة للتواصل والإدراك في ظلام العمى.

باختصار، العنوان ليس مجرد اقتباس فلسفي، بل مفتاح تفسيري للنص بأكمله: في عالم العميان، يصبح الكلام بديلاً عن البصر، يكشف الهوية والألم، لكنه يظل محدوداً أمام الظلام الوجودي. هذا الاختيار يجعل المسرحية أكثر عمقاً، خاصة في سياقها المعاصر.

أما النص فهو يعيد صياغة فكرة ميترلينك الأساسية بطريقة مبتكرة، حيث يرمز العمى إلى العجز البشري، الجهل الوجودي، والانتظار الأبدي لـ”الخلاص” أو “الرؤية”.

في نص يوسف الحربي كُيِّفت الفكرة لتتناسب مع السياق العربي، من خلال إضافة عناصر مثل محطة القطار المهجورة (رمز للعصر الحديث والتيه)، كما أن القطار كشخصية “حاضرة غائبة” تمثل القدر أو المجهول، الذكريات الماضية (مثل قصة العمياء العجوز وابنها) التي أضافت طبقات عاطفية، تجعل النص أكثر ارتباطاً بالمشاهد العربي، لمسات من الحزن الشخصي والاجتماعي (فقدان الأبناء، الضغط النفسي)، النهاية الغامضة، مع انطفاء الإضاءة وصوت القطار، تعزز الشعور باليأس الوجودي، مما يجعل النص يتجاوز التقليد ليصبح تأملاً في “الرؤية” كفعل كلامي لا بصري.

الاقتباس من ميترلينك واضح جداً ومباشر؛ فعلى سبيل المثال (ثيمة الانتظار، الحوارات المتكررة عن المكان والزمن) دون إضافة كافية، الفكرة الرئيسة (العميان ينتظرون القطار/الخلاص) تتكرر دون تطور درامي كبير، مما قد يجعل النص يُشعِر بالركود، خاصة في الفصل الواحد الطويل (19 صفحة)، كما أن الرمزية أحياناً تبدو مفرطة، مثل تكرار “القطار العمى” كشبح، دون ربط واضح، هذا كله يحيلنا إلى سؤال مهم جداً وهو الفرق بين التأليف، والإعداد.

جمال الشخصيات في النص ظهر من خلال تنوعها، حيث قُدِّمت كل شخصية بخلفية مميزة (مثل العجوز الذي ولِدَ أعمى، الشاب الذي فقد بصره في حادث، العمياء التي أعماها البكاء)، هذا التنوع سمح باستكشاف جوانب نفسية متعددة للشخصيات، مثل الطموح (الشاب)، الحزن الرومانسي (الشابة)، السخرية (المعتوه).

هناك شخصيات نمطية، مثل العمياء العجوز كرمز للحزن الأمومي، دون تطور شخصي كبير، “المعتوه” الذي يقول “الحقيقة”، لكنه يبدو كأداة درامية للسخرية دون عمق كافٍ، الحوارات الجماعية غالباً ما تكون متشابهة، مما يقلل من التمييز بين الشخصيات.

النص كتب باللغة العربية الفصحى الممزوجة بالعامية في بعض الأجزاء مما جعل النص أكثر حيوية.

النهاية المفتوحة والغامضة في النص، عززت من الرسالة الوجودية، لكنها قد تترك المشاهد محبطاً دون حل، النص نجح في خلق جو كئيب يعكس “عمى” المجتمع الحديث، لكنه يفتقر إلى ذروة درامية قوية، مما يجعله أقرب إلى “مسرح الفكر” من “مسرح الحدث”.

الرؤية الإخراجية لمسرحية “تكلم حتى أراك” للمخرج يوسف أحمد الحربي محاولة جريئة لإعادة تفسير النص الكلاسيكي برؤية عربية معاصرة من خلال استخدام الرمزية البصرية والحسية، فالاستخدام الماهر للعناصر البصرية عزز موضوع العمى النفسي والجسدي، على سبيل المثال، الأقنعة المصنوعة من أوراق الشجر (صفراء جافة للعجوز تمثل الحكمة المتآكلة، خضراء للشاب ترمز إلى الأمل المفقود، ومتدرجة للنساء تعبر عن الحزن) كما تجسد اندماج الشخصيات مع الطبيعة، مما يعكس فقدان الهوية في الظلام وهي فكرة مركزية في نص ميترلينك.

هذا الاختيار يعمق الرمزية، حيث تصبح الطبيعة جزءاً من الذات البشرية، ويتناسب مع الثيمة الوجودية للعبثية، كما أن توظيف العصي ليس كأداة تنقل فحسب، بل كامتداد للشخصية للتعبير عن الألم أو الغضب، أضاف طبقة تفاعلية جعلت المسرحية أكثر حيوية.

هناك تكامل بين العناصر الفنية، فالإضاءة المتغيرة (صفراء باهتة للذكريات، خضراء خافتة للأمل، زرقاء باردة للعزلة) استُخدمت بذكاء لخلق عالم حسي يعكس تعاقب الزمن والعمى الداخلي، مما يعزز الجو الرمزي دون الحاجة إلى حوار مفرط.

الموسيقى (عزف التشيلو المتقطع مع أصوات الرياح والطيور) تضيف توتراً نفسياً، وتتناغم مع الحركات البطيئة والحذرة للممثلين، التي تتحول إلى اضطراب عند الأصوات الغامضة. هذا التداخل يعكس ملاحظة الحربي الإخراجية حول تشكيل وفك التكوينات، مما يجسد عمق النص وعبثية الوجود الإنساني.