قراءة نقدية للعرض المسرحي (اللوحة الثالثة) تأليف: فهد ردة الحارثي، وإخراج: أحمد الأحمري

عايض بن مسفر البقمي

1. النص والبعد الدرامي

يقوم النص على فكرة «المسرح داخل المسرح»، حيث تتحول خشبة العرض إلى مختبر تجريبي تتقاطع فيه محاولات الفرقة للوصول إلى هوية فنية مع مساحات من التيه، والسخرية، والانكسار. النص لا يقدّم حكاية خطّية، بل سلسلة لوحات تستعرض مناهج مسرحية مختلفة - من المحاكمة العبثية، إلى الرومانسية، ثم المونودراما، فالتجريب، فالعبث، ثم المسرح الاجتماعي - وكل لوحة تنهار قبل أن تكتمل، وكأن النص يعلن أن الأزمة ليست في الفن وحده، بل في الإنسان الذي يبحث عبثاً عن طريق ثابت وسط عالم مضطرب. هذا البناء يعكس بعداً درامياً مركّباً: الشخصيات ليست ثابتة، بل تتبدّل أدوارها بين اللوحات، فتتحول الدراما من حدث إلى حالة، ومن صراع إلى مرآة تعكس هشاشة الفنان، وصعوبة الإبداع، وتلاشي الحدود بين الواقع والتمثيل. يأتي هذا النص ليعكس بصمة الكاتب الكبير فهد ردة الحارثي، أحد أبرز أعمدة المسرح السعودي وأكثرهم إسهاماً وتأثيراً خلال مسيرة تمتد لأكثر من أربعين عاماً. فقد قدّم الحارثي عشرات النصوص التي رسّخت اسمه بوصفه صوتاً مسرحيا متفرداً، يجمع بين العمق الفكري والجرأة الفنية، وبين السخرية الهادئة والبحث الدائم عن الإنسان. وقد حصدت أعماله جوائز عربية مرموقة، وتداوَلَتها المهرجانات، واعتمدتها العديد من الجامعات في بحوثها الأكاديمية بوصفها نماذج لدراسة التحولات الجمالية والفكرية في المسرح الخليجي والعربي. إن غزارة إنتاجه، واتساع أثره، وقدرته المستمرة على الإبداع، تجعل منه ركناً أساسياً في المشهد المسرحي العربي، وكاتباً حافظ على وهج الكتابة العالية، وفتح أفقاً جديداً للأجيال التي جاءت بعده.

2. الحبكة والصراع:

الحبكة في المسرحية دائرية، تنطلق من فوضى البروفات وتعود إليها في الخاتمة، لكن بعد مرور كل شخصية بتجارب تكشف عن عجزها في إيجاد معنى ثابت لما تفعله. هذه الدائرية لا تعكس فشل العرض، بل تكشف طبيعة الرحلة الفنية نفسها؛ فالفرقة تتنقل من منهج إلى آخر، وكل محاولة تنتهي بانهيار، ثم انطلاق جديد، ثم انهيار آخر. هذا التكرار هو الحبكة الحقيقية من وجهة نظري.

الصراع يتوزع على مستويات متراكبة:
• صراع الفنان مع ذاته
يتجلى في الممثل الذي لا يجد هويته في المونودراما، وفي حالة الارتياب التي يعيشها الجميع في اللوحات المتتالية.
• صراع الفنان مع المخرج
يتصاعد الخلاف في لوحات التجريب، حيث يشعر الممثلون بأن الرؤية الإخراجية تبتعد عن جوهر النص، بينما يدافع المخرج عن شرعية التجديد.
• صراع الجماعة مع «السوق» والمؤسسة
محاكمة المخرج في اللوحة الأولى، وإلغاء النصوص لأسباب تجارية، وتوجيه البروفات بحسب ما (يريده الجمهور) كلها صراعات خارجية تغذي الصراع الداخلي.
• صراع الإنسان مع (غياب المعنى عن العالم)
يتجلى بوضوح في لوحة العبث، حيث تتفكك اللغة والحركة ويصبح وجود الشخصيات مجرد صدى بلا دلالة. الصراع إذن ليس نزاعاً حول حدث، بل بحث مرير عن معنى، وعن هوية مسرحية وإنسانية تتشكل ثم تتلاشى

3. الرؤية الإخراجية:

جاءت الرؤية الإخراجية للمخرج الأستاذ أحمد الأحمري بوصفها حجر الأساس الذي أدار الفوضى الجمالية للنص، وحوّل تشتت اللوحات إلى منسوجة واحدة تتنفس إيقاعاً موحّداً رغم اختلاف أساليبها. وقد بدا واضحاً أن الأحمري يشتغل على خشبة المسرح بخبرة مخرج متمرّس يعرف كيف يروي حكايته عبر الصورة قبل الكلمة، وعبر الحركة قبل الحوار. استثمر الأحمري الطبيعة المفتوحة للنص، ووجّه العرض نحو تعددية أسلوبية واعية، تمنح كل لوحة بصمتها الخاصة من دون أن تنفصل عن النسيج الدرامي العام. اعتماده على صياغات «المسرح الفقير» لم يكن خياراً جمالياً فقط، بل توجّهاً فنياً يؤكد قدرته على تحويل أدوات بسيطة إلى علامات مسرحية نابضة بالحياة. فالحركة الجسدية عنده ليست إيقاعاً حركياً فحسب، بل لغة موازية للدراما، تشرح وتكشف وتشتبك مع المشهد دون أن تطغى عليه. أما خبرته الإخراجية فتظهر في طريقته في بناء اللوحات: فهو لا يقدّمها كعروض منفصلة، بل كطبقات تتراكم فوق بعضها، ليكشف تدريجياً أن الفوضى ليست خللاً، بل موقف فني محسوب. كل لوحة تنهار قبل اكتمالها—المحاكمة، الرومانسية، المونودراما، التجريب، العبث، المسرح الاجتماعي—لكن هذا الانهيار مقصود، ويمثّل فلسفة إخراجية ترى أن المسرح ليس يقيناً جاهزاً، بل رحلة بحث لا تتوقف، وأن الهوية المسرحية تُصنع عبر الفشل كما تُصنع عبر النجاح.
مهارة الأحمري تتجلى أيضاً في ابتكار حلول إخراجية دقيقة:
• استخدام الممثلين كديكور حي في اللوحة الرومانسية، حيث يصبح الجسد نفسه أداة تشكيل بصري.
• تركيب القفص في لوحة المحكمة بطريقة تجعل من الفضاء نفسه امتداداً للصراع.
• ورش الحركة والتكوين في لوحة التجريب، التي قدّم فيها عرضاً جسدياً طقوسياً يشي بخبرة العارف بأسرار المسرح المعاصر.
هذه الخيارات لم تكن زخارف، بل كانت جزءاً من بناء رؤية واعية تضع الممثل في قلب الفعل المسرحي، وتجعل الجمهور شاهداً على التحولات العميقة التي تمر بها الشخصيات واللوحات.
إن حضور الأستاذ أحمد الأحمري في هذا العمل لم يكن حضور المخرج الذي يدير المشهد فحسب، بل حضور الفنان الذي يملك خبرة طويلة في قراءة الجسد، وتوجيه الضوء، وتفكيك النص، وإعادة تركيبه بصرياً. وقد نجح عبر هذه الرؤية في أن يمنح العرض شخصية متفرّدة، تجمع بين البساطة الشكلية والعمق الدلالي، وتضع الجمهور أمام مسرح حيّ، متحوّل، ينهار ليولد من جديد.

4. الإضاءة:

الإضاءة ساندت الرؤية الإخراجية، فكانت أداة لإبراز التحولات النفسية أكثر من كونها عنصراً جمالياً. في المشهد الافتتاحي تظهر الإضاءة شحيحة، تُبرز الضياع، ثم تتغير وفق كل لوحة:
• إضاءة المحاكمة: قوية، محددة، تعزز طابع المواجهة.
• اللوحة الرومانسية: خافتة، مؤطرة، تتكئ على تداخل الضوء والظل لتعكس هشاشة اللحظة.
• اللوحة الرومانسية: خافتة، مؤطرة، تتكئ على تداخل الضوء والظل لتعكس هشاشة اللحظة.
• لوحة المونودراما: ضوء شاحب يهتز مع انكسار شخصية «عماد» أمام المرآة.
• لوحة التجريب: ومضات، تغيرات حادة، صرخات ضوئية ترافق الصرخات الجسدية.
• لوحة العبث: انقطاع الإيقاع الضوئي، تماماً كما ينقطع الإيقاع الدرامي.
الإضاءة هنا لا تشرح، بل تكشف، وتشارك بفاعلية في صوغ الحالة الدرامية.

5. الديكور:

اختار المخرج ديكوراً متحركاً، يبنيه الممثلون ويهدمونه كل مرة، في إشارة ذكية إلى طبيعة العمل نفسه الذي يسعى للولادة من جديد مع كل لوحة. في لوحة المحكمة، يتحول الخشب البسيط والحبال إلى قاعة محاكمة حقيقية. في اللوحة الرومانسية، يصبح الممثلون أنفسهم «ديكوراً» يحمل ساعة أو شجرة أو مصباحاً، وهو توظيف يمنح الديكور دلالة حية لا صامتة. في المونودراما، كرسي واحد، ومرآة تهتز، يكفيان لخلق عالم كامل من القلق والبحث عن الذات. الديكور هنا يتجاوز حدود الشكل ليصبح جزءاً من بناء المعنى.

6. السينوغرافيا:

السينوغرافيا هي الإطار الذي جمع الإضاءة والديكور والحركة والصوت في وحدة تعبيرية تتبدل من لوحة إلى أخرى. كانت السينوغرافيا متحررة من التقليدية—لا مناظير جاهزة، ولا تشكيلات ثابتة—بل فضاء قابل للتحول باستمرار. المشهد يتحول من محكمة إلى رومانسية، ومن مونودراما إلى ورشة تجريبية، بدون تغيير جذري للمكان، بل بتغيير العلاقات بين العناصر. هذه المرونة أعطت العرض ديناميكية خاصة، وسمحت بتجسيد فكرة «المسرح داخل المسرح» بصورة بصرية متماسكة. توظيف الستائر البيض في لوحة التجريب، وتداخل الظلال في لوحة العبث، كلها تؤكد أن السينوغرافيا ليست لحظة مستقلة، بل امتداد للفعل الدرامي نفسه.

7. أداء الممثلين:

أداء الممثلين كان نقطة القوة الأبرز في العمل، خصوصاً أن العرض يقوم على انتقالهم المستمر بين الشخصيات والأساليب المسرحية.

• في لوحة المحكمة، قدّموا أداءً جماعياً متناسقاً، ينبني على الإيقاع السريع والحركة المحكمة.
• في اللوحة الرومانسية، امتزج الأداء بالشاعرية، ثم انقلب إلى التهكم، في تناغم مع طبيعة اللوحة.
• في المونودراما، تجلت قدرة الممثل (عماد) على بناء حالة نفسية معقدة، عبر صوت متردد، وجسد مهتز، ونظرات تبحث عن نفسها في المرآة.
• في لوحات التجريب والعبث، استثمر الممثلون اللغة الجسدية، فكان أداؤهم أقرب إلى طقس حركي منه إلى أداء درامي تقليدي.
• أما في المسرح الاجتماعي، فقدّم الممثلون نبرة واقعية خفيفة الظل، توضح بمرارة عبثية الحياة اليومية.
أهم ما ميز الأداء هو القدرة على الانتقال السلس بين الأساليب، دون انفصال عن وحدة العرض العامة.

خلاصة:

قدّم العرض المسرحي (اللوحة الثالثة) رؤية مسرحية ناضجة، تنطلق من النص لتدخل في دوائر من الأسئلة الوجودية، وتستخدم التجريب لا كاستعراض، بل كأداة لكشف أزمة الفنان والإنسان. كل عنصر العرض المسرحي يخدم فكرة واحدة: الهوية ليست ثابتة، بل بحث لا ينتهي. المسرحية في جوهرها مرآة: ليس فقط للمسرحيين، بل لكل من يبحث عن معنى في عالم يغيّر قوانينه كل لحظة. إنها تجربة تمزج المتعة بالفكر، الفوضى بالنظام، والعبث بالمعنى، لتصل في النهاية إلى سؤال مفتوح: هل لدينا الحرية أن نصل فعلاً… أم أننا محكومون بأن نبدأ من جديد دائماً؟