أ. د. دلال المالكي
شهد الشعر السعودي المعاصر انفتاحًا متسارعًا وتفاعلًا حيويًا وتحولات جوهرية طالت بنيته التكوينية ورؤيته الفنية. وقد انعكس هذا الانفتاح على النص الشعري تأثيرًا وتأثرًا حتى تلاشت الحدود الفاصلة بينه وبين الأجناس الأدبية وبين الفنون الأخرى كالفن التشكيلي والمسرح والسينما. وتُعد علاقة الشعر بالفنون التشكيلية من أعمق العلاقات وأشدها تفاعلاً؛ إذ يستدعي الحديث عنهما الوقوف أولًا على ما يشتركان فيه من عناصر، وما يتطلبه هذا الاشتراك من معرفة دقيقة بماهية كل منهما.
فالشعر – على تعدد تعريفاته وتباين مقاربات النقاد لحدوده – يظل جنسًا لغويًا متميزًا يقوم على طاقة اللغة وإمكاناتها التصويرية والإيقاعية من دون أن يستقر له تعريف نهائي جامع. وكذلك الفن التشكيلي الذي مرّ بتحولات مفهومية متتابعة حتى استقر بوصفه: "جملة من الفنون التعبيرية ذات المضامين الفكرية والجمالية التي لا تمت بصلة لأغراض الاستعمالات اليومية، ويمكن إدراكها وتذوقها وتقديرها عن طريق حاسة البصر، أو الرؤية البصرية المباشرة، وتسمى بالفنون البصرية" . [1]
فالعالمَان مختلفان في مادة التشكيل والاتصال، فالشعر الذي تكوّنه اللغة يصل إلى الوجدان بالكلمة المسموعة أو المقروءة، بينما الفن التشكيلي الذي تكوّنه العناصر الرمزية من خطوط وألوان يصل إلى الإحساس بصريًا، لكنهما جميعًا يثيران الشعور العميق ويوقظان العاطفة؛ لذلك يرى بعض النقاد في العصر الحديث أن المصورين والرسامين: "شعراء، يقول بيكاسو: كما يكون الشعر يكون الرسم" .[2]ويترجم هذا الالتقاء بين الفن والأدب في النص الشعري السعودي عبر تقنية التناص (Intertextuality)، حيث أُخضع النص البصري لممارسات تحليلية للمعاني والدلالات تقاطعت مع النص الشعري، وذلك لإعادة إنتاج المعرفة التشكيلية في صورة مختلفة، خاضعة لمنظومة العلاقات في مقترح جيرار جنت [3] الذي يصنفها إلى عدة مستويات؛ هي:
1-التناصية: وهو الحضور الفعلي لنص في نص آخر، وهو المصطلح الذي صاغته جوليا كريستفا مستفيدة من آراء باختين موجزة ذلك في أن:" كل نص يتشكل في فسيفساء من الشواهد، وأن كل نص هو تشرب لنص آخر وتحويل له"، وهي تتجلى في مظاهر ثلاثة، هي: الاستشهاد، والسرقة الأدبية، والإيحاء، وهذا المستوى لا يتحقق بين الشعر والفنون التشكيلية؛ لانتفاء اتحاد مادة التشكيل الذي يحقق التضافر النصي.
2-النصية الموازية أو (المحيط النصي): وهو الجوار النصي، الذي تفصله عن النص مسافة كبيرة لا تتضح، ويشمل: العناوين، والمقدمات، والتصديرات، والتنبيهات، ويكتب المحيط النصي أهميته من ذيوعه وانتشاره، وقربه من القارئ.
3-المتانصية أو النصية الواصفة: وهي النص على النص، ويمكن أن تختصر في العلاقة بين النص والنصوص التي تتحدث عنه، وهي ما يمكن أن يمثله النقد.
4-النصية الجامعة: حيث تهتم بتحديد علاقة النص بجنسه الأدبي، أي تجنيسه غالبًا عل الغلاف (رواية، شعر، مسرحية).
5- التعالق النصي: وهي علاقة نص بنص آخر أقدم منه، بشكل معلن.
والمتأمل في الشعر السعودي المعاصر يلحظ أنه لم يعد تقليديًا في صوره وخيالاته و مرجعياته، فتقاطُع الشعر مع الفنون الأخرى ولا سيما الفنون التشكيلية جعل كل منهما يستعير من الآخر ما يحقق جماليته ورؤيته، ويتيح قيمة جديدة أصدق وأعمق تعبيرًا، من دون أن يفقد أحدهما هويته، وهو تداخل يتجاوز حدود اللوحة التشكيلية التي تزين غلاف الدواوين، والتشكيلات البصرية من الألوان والرموز والخطوط، وإذا كان التناص اللغوي يتأسس على تعدد قراءات القارئ وتنوعها، فالتناص مع الفن التشكيلي يتأسس على الميول الفنية والعلاقة بين الشاعر والفن التشكيلي؛ مما يتيح تقسيم الشعراء في هذا السياق إلى نموذجين ، وهما:
الأول: الشاعر التشكيلي(الفنان): وهو الذي يكتب القصيدة ويرسم اللوحة ويزاوج بين الفنين، مثل الأمير خالد الفيصل، والأمير بدر بن عبد المحسن، والشاعر عبدالعزيز الأزوري، والشاعرة فوزية القثمي، وغيرهم.
الثاني: الشاعر (المؤول): وهو الشاعر الذي يوظف الفن التشكيلي في نصوصه الشعرية، وهو توظيف يمكن أن يكون توظيفًا لأدوات ومكونات هذا الفن كما يتجلى في بعض عناوين قصائد الشاعر عبدالعزيز العجلان، أو استلهامًا لبعض الفنانين واللوحات العالمية كما في قصيدة (غرفة فان جوخ) للشاعر إبراهيم الحسين، وقصيدة (هذه الموناليزا) للشاعر موسى حكمي، ويتجلى هذا التوظيف للأدوات والاستلهام في قصيدتي (مرثية فنان تشكيلي)، و(من لوحات الماء المعلقة) للشاعر عبدالله الخضير التي تتماهى مع اللوحة العالمية (زنابق الماء) لكلود مونيه، وفي جميع هذه المستويات يكون الانطلاق من الصورة إلى ذات الشاعر المبدع.
ويمكن القول إن هذه الظاهرة من الظواهر التي تستحق الوقوف عليها؛ ومقاربتها ثقافيًا، لا سيما وأن الشعر السعودي الحديث ظل زمنًا منكفئًا على الذاتية، مستندًا إلى المرجعية الثقافية العربية التي لا تعنى بهذا الفن.
وهكذا فإن التناص مع الفنون التشكيلية في الشعر السعودي المعاصر ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو تجلٍّ لوعي جمالي جديد ينتقل بالشعر من حدود التعبير اللغوي المألوف إلى آفاق بصرية تستوعب أثر اللون والخط والرمز. وقد أتاح هذا التفاعل للقول الشعري أن يعيد تشكيل تجربته عبر وسائط مغايرة، تستدعي اللوحة وتؤوّل طاقاتها، وتستثمر بعدها الرمزي في بناء رؤية أكثر عمقًا وثراءً. كما كشف هذا التداخل عن حساسية جديدة لدى الشاعر السعودي، تتباين تبعًا لمدى قربه من التجربة التشكيلية، بين شاعر يمارس الفنين معًا، وآخر يؤول العمل التشكيلي ويعيد إنتاجه شعريًا.
وتبدو الحاجة ملحّة إلى دراسات أعمق تستقصي مستويات هذا التداخل، وأنماطه، وأجياله المختلفة، وتبحث في أثره في بنية القصيدة السعودية وصورتها ورؤيتها، خاصة في ظل التحولات الثقافية الواسعة التي يشهدها المشهد الثقافي السعودي. فالتناص البصري لم يعد مجرد تقنية، بل أصبح منظورًا إبداعيًا يؤكد انفتاح الشعر على الفنون الأخرى وقدرته على تمثلها وتجاوزها؛ ليؤسس لغة جديدة تجمع بين البصر والبصيرة، وتعيد للقصيدة دورها الجمالي بوصفها فضاءً رحبًا لتفاعل الفنون وصوغ رؤى الإنسان المعاصر.
المصادر و المراجع
[1] سمر النصار، مسيرة الحركة الفنية التشكيلية السعودية النشأة والتطور، الرياض، دار المريخ، 2010م، ط1، ص129.[2] كلود عبيد، جمالية الصورة: في جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2010م، ط1، ص10.
[3] جيرار جينين، مدخل لجامع النص، ترجمة: عبدالرحمن أيوب، الدار البيضاء، دار توبقال، 1986م، ط2، ص90.