أ. د. أحمد العدواني
تتشكل نصوص الأدب الملهمة في تلك المساحات البينية التي يتجاذبها الاستقطاب بين المتن والهامش، والمرجعي والتخييلي، ولعل من أوضح تجلياتها تلك الحالات الحرجة التي يعيشها المبدع بين حدين مائزين، على نحو ما نجد في تجارب الفقد والمرض والحرب، وهي أحوال يتضاعف فيها الوعي وتشف الروح وتتقد البصيرة. وبين الغرابة والألفة شُغف القراء بتلك التجارب التي يجهلون عنها أكثر مما يعرفون، تتجاذبهم إليها ثنائية الرهبة والفضول، ومن أهمها تجربة السجن.
حظي الأدب العربي بنصيب وافر لشعراء وكتّاب عبروا عن تلك الحالة،[1] لكن الوعي المضاعف والتحولات الفكرية الجارحة التي غلفت حياة الإنسان العربي المعاصر، وخصوصا في العراق وبلاد الشام ومصر، جعلت تجربة السجن حاضرة بقوة في المدونات الأدبية، وبشكل خاص في الأنواع السردية، نظراً لطبيعة بنيتها القادرة على تمثيل مختلف الخطابات. فالتغيير هو الثيمة الرئيسة التي دارت حولها التساؤلات الحضارية، ولذلك "أصبح السرد محوراً مركزياً من محاور الجدل الثقافي وأداة للكشف عما هو مغيب ومسكوت عنه في حياتنا ثقافتنا"[2]
وقد أولى نقاد ما بعد الحداثة عنايتهم لتفكيك الظواهر المتعلقة بالتهميش والإقصاء، في ظل مقولات السلطة والهيمنة والعنف والعدالة، خصوصاً عند جاك دريدا. وفي ظل ذلك التوجه يأتي السجن هامشاً في مقابل صوت الحقيقة الذي تدعيه السلطة، بأجهزتها وتنظيماتها المختلفة. وعليه فقد شهد الاهتمام بكتابات السجن ونقدها ازدهاراً ملحوظاً في العقود الأخيرة، وكانت المذكرات نوعاً سردياً مستوعباً لها، بوصفها تجربة جمعية تعكس مرحلة حضارية، أكثر منها خاصة.
وبما أن الحرية أثمن ما يملكه الإنسان فإن سلبها وإزاحة الإنسان عن فضائه المعيشي/ المكان أشد العقوبات، لذلك كان النفي والسجن وجهان لعملة واحدة، يفضيان إلى شخص "حياته متوترة، ومصيره ملتبس، وهو يتآكل باستمرار، ولا يلبث أن ينطفئ بالمعنى المباشر ليتوهج، مرة أخرى، بالمعنى الرمزي" [3]فتفريغ الإنسان من حق الاختيار في المكان والزمان إلغاء لوجوده وإرادته وكينونته، حيث يصبح "المقهور مكوناً معظم حياته، والتكوين يقصد به سحبه من فعل الإرادة التي يتمتع بها لأنه إنسان" [4]
ويبدو الجامع بين تجربتي (السجن والمرض)، اللتين تقتاتان على الذاكرة، في الإحساس بالعجز ومحدودية الخيارات المتاحة أمام الإنسان، لتكون كتابة المذكرات نمطاً من أنماط التطهير والمقاومة، وتأكيداً للذات التي تكالبت عليها عوامل التلاشي، ورصداً لحالة إنسانية ذات بُعد مرجعي. فحالة "الشعور بدنو الأجل ونفاد الزمن، هي إحدى لحظات الضعف الإنساني التي ترتبك عندها القناعات والمسلمات الإنسانية، وتحتضن الذات فيها لهفتها الأبدية على الامتلاء بالمعنى الوجودي، الذي لا يتأسس إلا في اختبارها الفردي للحياة" [5]
أنتجت سرديات السجن عوالم موازية، بين المرجع والتخييل، تسبر أغوار الإنسان من موقع تبئير غير مألوف، وتخلق حيوات جديدة معبرة عن تجارب إنسانية ومواقف فكرية باهظة الثمن، بما فيها تجربة كاتب المذكرات نفسه، "فليس من الضروري أن يبالغ الروائي في التماس المباشر مع قضية سياسية، ليحقق معادلة الانتماء الفعلي إلى الحركة التاريخية الاجتماعية، بقدر ما يفترض أن يقترب من القضايا الإنسانية التي تعادل المعنى اليومي" [6] حيث تُـبـرز المذكرات حالة الإنسان المنهك، في موقف وجودي استثنائي، دون الحاجة إلى الوقوع في استهلاك الشعارات والأيديولوجيات.
يسترجع كاتب المذكرات أحداث وملامح فضاء مكاني متوشح بالغرائبية والإقصاء، ويخلو تماماً من الحميمية التي يعمر بها الإنسان المكان، فالسجن ليس إلا "بيتا مؤقتا أو مأوى استثنائيا وحقلا زمكانيا دالاً ومفجراً للكثير من الأبعاد والدلالات الرمزية التي تنحو بالسرد منحى غرائبيا هو في جوهره تفجير لطاقات المخيلة الإبداعية في أزمنة الواقع المحاصر والمقموع" [7]
تعتمد المذكرات على الذاكرة، في إعادة كتابة الذات وتقييم الأحداث المرجعية وفق شرط تاريخي محدد، بين اختيارات الكاتب/ الشخصية/ الراوي، ومواقفه الفكرية من جهة، والثمن الذي يدفعه من رصيد حريته مقابل ذلك الموقف. حيث يتوسل الكتّاب بالمذكرات بوصفها رافداً من روافد السيرة الذاتية، لكن كاتبها "معني بتذكر ما كان شاهداً عليه من التاريخ العام وروايته، وليس مقتصراً على تاريخه الشخصي. فالعام مقدم على الخاص في المذكرات. والذات حاضرة في خضم علاقات اجتماعية وسياسية وثقافية" [8]
من جهة أخرى فإن المذكرات تمتلك القدرة على الوفاء بمتطلبات الذات في حالة المعاناة، فالإنسان يعيش حياته بين ثنائيتي اللذة والألم، الأولى ناتجة عن السعادة وانسجام الذات مع العالم الخارجي، لدرجة أنها تنسى نفسها، أما الألم فإنه نتيجة المعاناة التي تُـعيد الإنسان إلى ذاته، فينطوي عليها، ويتجه بكل انتباهه نحو نيرانه الداخلية. فالألم يمنح الإنسان اختبار تجربة الوحدة على حقيقتها [9]
ويتضخم الوعي بالكتابة في تلك الحالات التي تستشعر فيها الذات قصر الأجل، بسبب ظروف السجن المقترنة بالمرض غالباً، فيحرص كاتب المذكرات على تدوين شهادته على المرحلة، وترتبط لديه الرغبة في الإنجاز بالقلق من الموت، إدراكا منه بأن لحياته هدفاً ومعنى، ويكون إشباع ذلك المعنى عن طريق تقبل المعاناة، ليصبح للموت نفسه دور في إعطاء معنى للحياة( [10] فالوعي بالزمن المتفلت من قبضة الذات على المستوى الخارجي، يدفعها إلى مقاومته بالسرد الذي يعيد تنظيم إيقاع الحياة، ويمكنها من التحكم بالزمن، سواء من حيث سرعته أو اتجاهه أو تكراره، ذلك أن انعدام الخطية في الزمن السردي للمذكرات معادل لانعدامها في حياة السجين، حين يتحول الزمن نحو الداخل فيرصد أثره النفسي من خلال استعادته وفق نسق خاص، حيث "تؤسس الحبكة السردية الفعل الإنساني في الزمان وفي الذاكرة، فالذاكرة تكرر مجرى الأحداث استناداً إلى نظام معين، هو نظير الامتداد الزمني بين البداية والنهاية" [11] في محاولة لمقاومة الفناء، وتعويض المفقود.
لقد كانت الذاكرة، طوق النجاة لكثير من أولئك الذي سُلبت منهم حرية الفعل، فانتقلوا من المتن إلى الهامش، ومن الفعل/ الزمن إلى التأمل/ السكون، إذ يمكن أن نفرق بين نوعين من الذاكرة، الأولى (دلالية) تعنى بتذكر الكلمات والمفاهيم والأفكار والنصوص، والثانية (حدثية) تركز على الماضي الشخصي ومواقفه وانفعالاته، ويمكن تسميتها بالذاكرة السير ذاتية [12] فليست المذكرات والاسترجاع إلا إنقاذاً لما يستحق من تلك الذوات المتشظية في أحداث ومواقف الماضي. كما تعكس المذكرات أزمة الهوية في مقاومتها حالة الإمـحاء، فتقدم سرداً مهشما على مستوى بنيته، تتشظى فيه الذات بعد أن عاشت انتهاكاً نفسياً وجسدياً، وتحاول التعرف إلى صورها المختلفة، لذلك تغلب في سرديتها الحوارات الداخلية، وأحلام اليقظة والذهان، وخصوصاً أنها أتقنت في السجن الانفصال عن عالمها الكابوسي بالتفكير في أشيائه الحميمية، لاعتياد الألم والمقاومة. ومن جهة أخرى فإن الإقدام على كتابة تلك العوالم وتقديمها للقارئ هو محاولة لإقامة حوار، بالمفهوم الأشمل، وإيصال الصوت المهمش والمهشم
حتى على مستوى المكان المحدود والفضاء المغلق (السجن) فإن الكاتب يجد في تجاعيد جدرانه فسحة لحكايات وأحداث عامة/ جمعية وشمت أرواح نزلاء الظلمة بالكآبة، فيجد لذّته في إعادة تشكيل تلك الفضاءات، واستعادة أحلام مغادرة السجن. فالمعول عليه ليس المكان المادي، بل تجربة الإنسان فيه، لأن "قضية المعرفة وأهميتها بالنسبة إلى المكان تكمن في كونها هي السبيل إلى الوعي وهي السبيل إلى الفعل. فالإنسان لا تخلو حاله من أن يكون فاعلا في المكان أو منفعلا به أو هذا وذاك معا"[13] وبين الفعل والانفعال تبقى تجربة السجن محوراً لكثير من الأعمال السردية المعاصرة، ببعديها المرجعي والتخييلي.
المصادر و المراجع
[1] انظر: واضح الصمد، السجون وأثرها في الآداب العربية، ط1 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1995)[2] فاضل ثامر، المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي، ط1 (دمشق: دار المدى، 2004) ص5
[3] عبد الله إبراهيم، الكتابة والمنفى، ط1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012) ص7
[4] إبراهيم محمود، جماليات الصمت: في أصل المخفي والمكبوت، ط1 (دمشق: مركز الإنماء الحضاري، 2002) ص7
[5] فاطمة القرعان، خطاب المرض في السرد العربي الحديث، رسالة دكتوراه، جامعة اليرموك، إربد، (2012م) ص51
[6] محمد العباس، سقوط التابو: الرواية السياسية في السعودية، ط1 (بيروت: جداول للنشر، 2011) ص8
[7] محمد الشحات، سرديات المنفى: الرواية العربية بعد 1967، ط1 (عمان: أزمنة للنشر والتوزيع، 2006) ص113
[8] محمد القاضي وآخرون، معجم السرديات، ط1 (تونس: دار محمد علي، 2010) ص380- 381
[9] زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، ط.د (القاهرة: مكتبة مصر، ت.د) ص32.د) ص32
[10] أحمد محمد عبد الخالق، قلق الموت، ع111 (الكويت: عالم المعرفة، 1987م) ص130- 132
[11] بيرنشتاين، الوجود والزمان والسرد، تر: سعيد الغانمي، ط1 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1999) ص151
[12] جمال شحيد، الذاكرة في الرواية العربية، ط1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011م) ص40-41
[13] عبد الصمد زيد، المكان في الرواية العربية: الصورة والدلالة، ط1 (تونس: دار محمد علي، 2003) ص66