تحولات التلقي في النقد الأدبي السعودي في عصر المنصات الرقمية

أ. د. عبدالرحمن بن حسن المحسني

تعد نظرية التلقي ركنًا مكينًا في النقد الحديث، ولئن كان النقد الإنساني والتراثي العربي غير غافل عن قيمة التلقي، لكن نظرية التلقي عند العالمين الألمانيين ياوس وآيزر قد فتحت آفاقا نبيهة إلى قيمة المتلقي في العملية الإبداعية، وأثارت قضايا مهمة في التلقي كانت لها انعكاساتها على المتلقي المعاصر، ولا يمكن فصل حركة التلقي على مواقع التواصل الاجتماعي مثلا عن تلك النظريات التي مهدت لها ولا سيما منهج التلقي، (ياوس،2002) . [1]

شكلت المنصات الرقمية، من مدونات ومواقع تواصل اجتماعي ومنصات نشر رقمية، نقلة نوعية في المشهد الثقافي العالمي، ولم يكن النقد الأدبي السعودي بمنأى عن هذه التحولات الجذرية. فقد أدى الانزياح من الفضاء النقدي التقليدي (الصحف، المجلات الورقية، الندوات...) إلى الفضاء الرقمي المفتوح إلى إعادة تشكيل مفهوم التلقي بوصفه عملية تفاعلية متطورة، مما أحدث تغيّرًا في البنى النقدية التقليدية، وأفرز واقعًا نقديًا جديدًا تتقاطع فيه الأصوات، وتتعدد فيه المرجعيات، وتتحدد فيه معايير جديدة للتأثير والتأثر. لم يعد القارئ متلقيًا سلبيًا، بل أصبح مشاركًا فاعلًا في صناعة المعنى النقدي وتداوله. وتنطلق نظرية الأدب الرقمي من هذا الانفتاح الذي مهده النص ووسائطه، فالأدب الرقمي كما يعرّفه فيليب بوتز "كل شكل سردي أو شعري يستعمل الجهاز المعلوماتي وسيطًا ويوظف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط "( ). [2](بوتز، 2011). والمفهوم وكذا الأدب الرقمي في عمومه يشير إلى تلك التفاعلية وقيمتها في التلقي المعاصر، فالنص الرقمي يقوم في أساسه على تلك التفاعلية المبنية على االمؤثرات السمعية والبصرية أو التوليدية الآلية كما في الذكاء الاصطناعي من بعد.

اكتسبت التفاعلية[3]أشكالًا جديدة على منصات التواصل الاجتماعي التي أسهمت في تحقيق استجابة القارئ عبر أدوات متعددة من النص والوسيط، وحققت التواصل الفعال بين المبدع والمتلقي.

كان الحقل النقدي السعودي، والإنساني في عمومه، محكومًا بآليات محددة، حيث كان النقاد المحترفون والأكاديميون هم أصحاب السلطة الثقافية في تقديم وتقييم النصوص وتوجيه الذوق العام واعتلاء المنابر الإعلامية والثقافية. وكانت الصحف والمجلات الثقافية والكتب الورقية هي المنائر الحصرية تقريبًا لنشر هذه القراءات، مما خلق نوعًا من النخبوية النقدية والتراتبية الممنهجة، وجاءت المنصات الرقمية لتغير هذه البنية التقليدية. فلم يعد الناقد المحترف، الأكاديمي والمثقف، هو الصوت الوحيد أو الأكثر سيطرة. لقد برز ما يمكن تسميته (الناقد الرقمي)، وهو ذلك الشخص الذي قد لا يحمل مؤهلات أكاديمية عالية في النقد، لكنه يتمتع بوعي نقدي وحضور مؤثر في منصات مثل منصة (X)، وإنستغرام، ويوتيوب، وتك توك، والمدونات المتخصصة وغيرها من المواقع. هؤلاء النقاد الجدد يستخدمون لغة أقرب إلى الجمهور، وأكثر مرونة، وأحيانًا أكثر جرأة، ويعتمدون على بناء جماهيرية تمنحهم شرعية موازية لشرعية الناقد التقليدي. ولم تعد سلطة النص النقدي مستمدة من المؤسسة الثقافية التقليدية فقط، بل من قوة التأثير المباشر في الجمهور الرقمي وقدرته على التوصيل ورفع المشاهدات، وبدا النقد قريبًا أكثر من وعي الجمهور. وحتى النقاد الأكاديميون يبدو أن انفتاحهم على الجمهور البسيط بدا في التأثير فيهم؛ الأمر الذي دعاهم إلى تبسيط الأدوات النقدية والاقتراب من الجمهور، وقد خلق ذلك تحولات في أنماط التلقي استجابة لانزياحات الذائقة ليؤدي فيه الانتقال إلى المنصات الرقمية إلى تغيير جوهري في طبيعة التلقي نفسه (المحسني، 2025) . [4] ولعلي أشير هنا إلى جهد باحثة مهمة تعمل على رسالة علمية (دكتوراة) هي تغريد كريري التي اتخذت من الناقدين: عبدالله الغذامي ومحمد صالح الشنطي نموذجين، في موازنة بين نقدهما الورقي المثبت في كتبهما والتحولات التي طرأت على نقدهما بعد أن اعتليا منصة (X) . [5]

من جهة نقدية أخرى لم يعد النص النقدي منتهيًا بقراءته، بل أصبح نقطة بداية لحوار ممتد حول النص إبداعًا ونقدًا، فالنص يتحرك والنقد مثله. تتحول قراءة مقال نقدي على مدونة أو منشور على فيس بوك أو ((X مثلا إلى حدث تفاعلي، تتدفق فيه التعليقات والردود والإجابات والإعجابات وإعادة النشر. هذه القراءة التشاركية تنتج فهمًا متعدد الأبعاد للنص الأدبي، حيث تسهم آراء القراء والنقاد في بلورة رأي عام حول العمل. وقد أصبح (التعليق/التلقي/ الإعجاب/ الإعادة) شكلًا من أشكال النقد الرقمي.

وإذا كان النقد التقليدي يتسم بالبطء والتراتبية المؤسسية (فترة الكتابة/ التحرير/ النشر الورقي، التوزيع)، فقد أصبح النقد الرقمي لحظيًا، ويمكننا أن نعد كل مستعمل يجيد التعامل مع التطبيق مؤسسة في ذاته؛ يفكر ويكتب ويحرر وينشر. ولا نستطيع أن نجرد ذلك النقد من القيمية، فعدد كبير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أسماء راسخة في الفعل النقدي، وأخرى متخصصة بدأت تاريخها النقدي من تلك المواقع. هذا التسارع أنتج في عمومه، نقدًا آنيًا جديدًا يتفاعل مع الحدث الأدبي في ذروة حماسه، وهو يحتاج من المؤسسات الأكاديمية إلى مواجهة علمية، تحفظه وتقيمه وتفيد منه.

وقد فرضت النماذج الأدبية الجديدة، مثل الروايات الرقمية والقصص القصيرة جدًا والشعر، تلك المنشورة على مواقع مثل واتساب أو إنستغرام وغيرها من المواقع أشكالًا نقدية جديدة. كما أن جمهور المنصات متنوع الثقافات والاهتمامات، مما دفع النقاد، سواء التقليديين أو الجدد، إلى تبني خطابات نقدية تستوعب هذه الانزياحات في الذائقة، وتتناول نصوصًا كانت تعد في السابق هامشية أو غير جديرة بالقراءة النقدية الجادة. (المحسني، 2021). [6]

رغم هذه الإيجابيات، فإن المشهد النقدي السعودي في عصر المنصات الرقمية لا يخلو من إشكاليات عميقة، لعل من أهمها أنه يغلب على كثير من الممارسات النقدية الرقمية طابع الانطباع السريع والعاطفي، بدلًا من التحليل المنهجي العميق كما كان عليه طابع المرحلة النقدية الماضية ما يستدعي ضرورة اعتناء النقاد المتخصصين، تحديدًا، بالمنتج النقدي ومحاولة المواءمة بين الطرح النقدي العميق وما يقرب من الجمهور العام، في ظل تداخل الجمهور وانفتاحه على المعارف المختلفة. لقد أطاحت المنصات الرقمية بالكثير من الحدود التقليدية، وأتاحت مساحة حرّة، ربما غير مسبوقة للتعبير النقدي، وجعلت عملية التلقي حية وتفاعلية وجماعية. لذا فإن هذا المشهد الجديد يحمل في طياته تناقضات عميقة بين العمق والسطحية، وبين

المعيارية والفوضى، وبين الحوار البنّاء والصراع على الهامش، لذا فلإن من المهم، في نظري، للناقد السعودي، سواء كان تقليديًا أو رقميًا، هو تطوير أدواته لاستيعاب هذا التحول، والسعي إلى خلق توازن بين حيوية الفضاء المفتوح وضرورة العمق المنهجي، ليكون النقد الرقمي رافدًا حقيقيًا للتطور الأدبي والثقافي في المملكة العربية السعودية، يعزز الحضور المتنامي لها في الاتجاهات العلمية والرقمية.




    المصادر و المراجع
    [1] انظر: كتاب ياوس، هانس. (2016). جمالية التلقي، من أجل تأويل جديد للنص الأدبي. محمد، تر، رشيد بنحدو، ط1،تونس: دار كليمة، ص 93- 127. وانظر: محمد، عبدالناصر. (2002). نظرية التلقي بين ياوس وايزر. القاهرة: دار النهضة.
    [2]( ) بوتز، فيليب. (2011). ما الأدب الرقمي. تر: محمد أسليم، مجلة علامات المغربية، الرباط، العدد (35)، ص 103.
    [3] التفاعلية هي مجموعة من العمليات التي تربط عناصر اتصالية مختلفة. الشمايلة وآخرون، ماهر.(2015). الإعلام الرقمي الجديد. عَمّان: دار الاعتصام. ص 100.
    [4] المحسني، عبدالرحمن. (2025). العقل المتشعب: التلقي على تطبيق تك توك نموذجا. صالون السحر الثقافي.
    [5] انظر: كريري، تغريد. (2025). تفاعلية التلقي على تويتر بين الغذامي والشنطي. ( رسالة دكتوراة)، جامعة الملك خالد.
    [6] المحسني، عبدالرحمن. (2021). قيمة الوسيط التقني في تفاعلية الإجازة الشعرية دراسة أنموذج رقمي معاصر. مجلة الدراسات اللغوية والأدبية. الجامعة الإسلامية العالمية: ماليزيا.