د. صالح بن أحمد السهيمي
يُعَدُّ التحول الثقافي الذي تشهدهُ المملكة العربية السعودية مدخلًا مهمًا في صناعة الأفلام السينمائية والدراما التلفزيونية، ولعل الروايات والقصص السعودية هي المادة التي يسعى السيناريست للجوء إليها والانتقاء منها موضوعًا للمسلسل الدرامي أو الفيلم المُشَاهَد، وتظل جدلية الانتقال من المقروء إلى المرئي بحاجة إلى أدوات فنيّة تسهم في فكرة الانتقال من الكلمة إلى الصورة والتوظيف، وخلق التأثير، وجذب انتباه المتلقي.
ومن الروايات السعودية التي شكّلت جدلية في التلقي الشعبي رواية "غراميات شارع الأعشى" للكاتبة بدرية البشر، وتبدأ هذه الإشكالية أول ما تبدأ من العنوان: غراميات شارع الأعشى، حيث الإبانة عن الغراميات وكيف جاءت مؤشرًا أولِيًّا في حكايات الحب أثناء فترة السبعينيات الميلادية من القرن العشرين، وتطور المجتمع آنذاك نحو موضوعات مصاحبة لهذه الغراميات، واللقاءات فوق الأسطح، وفي شوارع الحارة، والعلاقات بين الجيران، وعمل المرأة في السوق، وظهور حركات التشدد الديني في تلك الحقبة الزمنية، وغيرها مما ناقشته الرواية في نسختها الورقية.
هذه الموضوعات الجدلية التي وثقتها الكاتبة في الرواية باتت مُغْرِية في التحول نحو الدراما، فكان أن ظهر المسلسل الدرامي "شارع الأعشى" الذي أخذ شهرة واسعة من الانتشار المحلي والعربي.
ويتجلى الجدل بين الدراما التلفزيونية والرواية السعودية في عملية التلقي التي تتراوح بين التأثير والتأثر على مستويات تتعلق بالرواية والمسلسل التلفزيوني، وهنا يكمن الخلط بين تلقي الورقي وتلقي المسلسل المُشاهَد في الربط بينهما من حيث الأمانة في النقل والانتقال، والتجسيد، والأداء، والتوظيف، وفي اعتقادي أن بعض المتلقين لا يدركون أدبيات الرواية ولا يعرفون آليات السينما من حيث أداء الشخصيات، وتجسيدها لأدوارها، والموسيقا التصويرية، وتأثير الإشارة والكلمة في بناء المشهد البصري، وبعض المتلقين يلجأ إلى سطحية الموضوعات، أو الأحكام المسبقة مما وسّع دائرة الجدل في تناول مثل هذه القضايا الفنيّة.
تنطلق البداية في الرواية بحوار الأم حين تطلب من ابنتيها عواطف وعزيزة الصعود إلى السطح، (الرواية، ط4، ص:5) وفي الانتقال من التمثيل الذهني إلى التمثيل البصري تتجلى الدرامية منذ البدء بإضافة دخول أبي إبراهيم بسيارته القديمة "شارع الأعشى" متجهًا نحو منزله حاملا جهازًا جديدًا في عام 1976م، وتمثيل البنات فوق السطح عزيزة تقلّد "سعاد حسني" في أداء أغنية حب، وفي الجوار سعد يضع سجادة فوق جدار منزله للدلالة على الحضور والاهتمام بعواطف، (المسلسل1، ح1، د:1) بل هناك إعادة ترتيب لما جاء في بداية الرواية الورقية، مع الابتعاد عن شاعرية الوصف والاتكاء على الحوار الدرامي.
وحضرت شخصيات الرواية في المسلسل الدرامي، ولكن هناك شخصيات لم تحضر في المسلسل (الجزء الأول)، ومنها: علياء وعفاف مثلًا، اللتان لم تحضرا في المسلسل، ولعل ذلك بسبب عدم ارتباطهما بالحوار منذ البداية، ولم تردا في الأحداث، وقد تأتيان في الجزء الثاني من المسلسل.
من الشخصيات المؤثرة في المسلسل، شخصية وضحى، الشخصية المتنامية في الرواية والمسلسل، وقد جسّدت دورها في المسلسل الممثلة القديرة إلهام علي محافظة على ملامحها في الرواية، بل لازمتها في مقاطع فيديو لاحقة بعد المسلسل، الشخصيات ذات الصراع الدرامي أحدثت نوعًا من الإثارة والمشهدية في تجسيد واقع اجتماعي شهد تحولًا من تحولات التطور الاجتماعي والاقتصادي في السعودية، وانتقل بالمشاهد عبر الفلاش باك إلى تلك المرحلة مسترجعًا مواقف الحب والغرام في تلك المرحلة، بل الموضوعات والأحداث الاجتماعية التي عصفت بتلك الحقبة، ومرحلة الانتقال من الصحراء وفضائها المفتوح إلى المدينة وفضائها المُقَيّد كما جاء في الرؤية الدرامية التي بناها المسلسل أثناء حضور وضحى وبناتها شارع الأعشى ومحاولة زرع التمدن في أقدام النساء التي لم تعتد لبس الأحذية!
ثم تتجلى كثير من الشخصيات كعطوى، وأم جزاع، وولدها، وشخصية العاشق سعد جار عواطف، وغيرها من الشخصيات الأخرى ذات البناء الدرامي والصراع الذي أسهم في تطور تحولات الرواية نحو الوصول إلى نهايات حزينة، بل نهايات مفتوحة في بعض فصول الرواية، مما سيسهم في خلق فضاءات لمشاركة المتلقي في مآلات الشخصيات والتفاعل معها لاحقًا. كما يجد القارئ تحولًا في اللغة الروائية بين الرواية والمسلسل، من حيث شاعرية الوصف واللغة الحوارية التي تضفي تمثيلًا ذهنيًا ينشأ أثناء القراءة والتلقي للرواية، الذي نجده يتخفف في حوارات الشخصيات التي تحرص على الجانب الواقعي، مع أهمية أن هذه اللغة تنعكس على وصف "بصرية المشهد ودرامية الأداء" في المسلسل، بمعنى أن التحول من ذهنية التمثيل إلى بصرية المشهد يعلي من الخطاب البصري في تتبع الصراع الدرامي للأحداث الروائية، وتتنامي التحولات في تصاعد مستمر نحو النهاية في كل حلقة، وقد أسهم هذا التنامي مع تأملات الساردة المُشَارِكة "عزيزة" في إضفاء جوانب ضوئية تنير الأحداث وتسهم في رفد الرؤية السردية، والبناء الدرامي في بعض تحولات الرواية.
واختلفت النهاية بين الرواية والمسلسل الدرامي، حيث انتهت الرواية باضطراب في صوت الساردة عزيزة أثناء سردها لتواصل الجازي مع أبي فهد في محاولة للزواج به، والدخول في غرام جديد، وإن كان قد جاء في المسلسل من دون الاكتفاء بانتهاء به، حيث يجد المتلقي للمسلسل أنه قد انتهى بمشهد مؤثر في الحب بين (منصور/جزاع) وعزيزة حيث ودعها مع السائق الذي سيوصلها إلى مكان آمن، وأضافت عزيزة في تعليق صوتي مهم يؤكد على قصص الحب التي تستحق أن تروى في جزء ثانٍ في نهاية مفتوحة تثير المزيد من الحكايات الجديدة التي لم تقلها الرواية، وسيقولها المسلسل لاحقًا. (المسلسل1، ح30).
وختاما.. تنتمي رواية "غراميات شارع الأعشى" إلى الروايات السعودية التي حاولت التجريب في البناء والتفاعل الأجناسي الذي أسهم في خلق الجدلية القائمة بين الرواية والفنون الأخرى، كاستحضار الأغنية والتفاعل معها في الرواية، وتجسيد الأداء الدرامي في مشاهد الحوار والوصف، مما يضفي أهمية استحضار الأبعاد السينمائية والمسرحية في الرواية وخطابها البصري. كل هذا التداخل الأجناسي في روايات التجريب طبعي من حيث التطور البنائي في الشكل الروائي والبحث عن خطابات سردية جديدة تسعى إليها الروايات المعاصرة، من حيث النظام الزمني في الخطاب وتوظيف الصوت وإظهار الرؤية السردية، ويتجلى التداخل في الرواية عبر توظيف أجناس أخرى لتحقيق الالتقاء بالفنون الأدائية وتفاعلها مع النصوص السردية من حيث التحول من تأثير الكلمة إلى أثر الصورة، وتشكيل العلامات ذات الدلالات المؤثرة. وبهذه التحولات استطاع المسلسل الدرامي جذب اهتمام المشاهدين من خلال العمل التكاملي بين الجميع، والأداء المميز للشخصيات من دون استثناء، والإخراج المبدع في صناعة الدراما من حيث تضخيم الأحداث والمواقف المؤثرة، والاتكاء على الأبعاد الدرامية لخلق الإثارة والتشويق المستمر، والتأرجح بين الواقع والعودة بالفلاش باك في بعض المشاهد، والكشف عن التفاصيل الصغيرة التي ترسم ملامح المجتمع في نهاية السبعينيات الميلادية من القرن العشرين، وما مرَّ به من تغيرات اجتماعية واقتصادية ألقت بظلالها على المجتمع في تلك المرحلة الزمنية، لذا نحن بحاجة إلى روايات سعودية توسع من دوائر تلقيها نحو عالم أوسع عبر الدراما التلفزيونية.
المصادر و المراجع
1- رواية "غراميات شارع الأعشى" لبدرية البشر، دار الساقي، لندن، ط4، 2025م.2- مسلسل "شارع الأعشى"، الدراما الاجتماعية، منصة شاهد، الجزء الأول، 30 حلقة، 2025م، بطولة الهام علي، وخالد صقر، وعائشة كاي، وآخرين.