د. سامي جريدي
اللغة البصرية هي اللغة التي تبحث في مجالات متنوعة تتعلق بالمرئيات، اعتماداً على حاسة البصر، وهذه المجالات البصرية تتقاطع وتشترك في دلالتها الحسيّة المباشرة؛ التي تقوم على إبراز الملامح الجمالية والرؤى الفلسفية للأشياء. وتبرز اللغة البصرية في مجموعة من العناصر مثل: الألوان، الأشكال، الأحجام، وكل عنصر من هذه العناصر يتفرع وينقسم إلى أنواع تظهر ملامحها من خلال ارتباطها بالشخصيات والأحداث السردية وارتباطها العميق بالمكان، وتنكشف دلالاتها كذلك من خلال الحوارات والأساليب والسياقات النصية التي تقوم على التعدد والتنوّع في بناء خطاب بصري واحد.
وتهتم اللغة البصرية بالفضاءات المكانية بدرجة كبيرة، وهو ما برع فيه بعض الروائيين السعوديين وكتّاب القصة القصيرة؛ وذلك من جهة تناولهم للوصف والتصوير البصري، من هؤلاء على سبيل التمثيل لا الحصر: وصف القرية عند عبدالعزيز مشري، وإبراهيم الناصر، وعواض العصيمي، وعبدالله ساعد وآخرين. وهناك وصف الحارات والأزقة داخل المدن وهو ما نجده مثلاً: عند عبده خال، وعبدالله التعزي، ورجاء عالم وآخرين. ويظهر فضاء الصحراء مثلاً: عند عبدالرحمن منيف، و شتيوي الغيثي، وعواض العصيمي، وضيف فهد، و خليف غالب، وساعد الخميسي وآخرين.
وهذه الفضاءات البصرية المتنوعة للمكان من شأنها أن تفضي إلى تعددية الثقافات والفنون الدالة على تعدد الجماليات والرؤى التشكيلية من وصف مختلف فيما بينها للأشكال والمسميات المتعلقة بالبيوت، والخيام، والمساكن، والأبواب، والنوافذ، والرواشن، والنقوش، والزخارف، والملابس، وأدوات الزينة، ومن ثم توزيعها بصرياً على خارطة الحيّز الجغرافي.
وتعد الصحراء فضاءً بصرياً واسعاً، كما تعتبر مكوناً ثقافياً وجغرافياً واجتماعياً مهماً من خلال ما تمثّله الهوية المعرفية المتفردة للأفكار والشخصيات والأحداث التي تناولها بعض الكتّاب السعوديين. ويبدو أن مغزى الصحراء سؤال كبير تتيه في عوالمه الشخصيات، ويجعلها تعيش اضطراباً وقلقا من نوع خاص؛ الأمر الذي جعل شخصيات بعض الروائيين مصابة بالقلق الوجودي، وتستشعر خوفها من القادم، وتحس بضياعها الزمني تجاه المكان المفتوح على الغيب والمجهول، لتجيء أزمة الذاكرة، والخلاص، وفلسفة الموت. وهي مسائل يمكن النظر إليها عند بعض الروائيين مثلما نجد في رواية (قنص) التي تركز على حاسة البصر في رسمها للمكان الصحراوي، "الصحراء تتفكك مثل قرص الطين فيصير المكان أماكن، والطريق طرقاً...". وتجيء عبارة "رمى ببصره"، هذه العبارة التي تتكرر كثيراً في هذه الرواية كاشفة عن فضاء الصحراء البصري. وفي مقطع آخر: "أما في الأرض، فمن مكانه المطل على شعاب بعيدة يستطيع أن يؤكد بأن كل شيء ساكن في مرمى بصره".
وعلى مستوى آخر يجيء الرسم والتشكيل البصري في قصة (تقريبا، متى كان واضحا) لعواض العصيمي التي يُمثل فيها رسم الوجه مستوى بصرياً عميقاً، فهي قصة تقوم على فكرة فنيّة تفضي إلى تعابير فلسفية ووجودية مثل: البحث عن الخلاص، والتعذيب الضمني للشخصية، وجنون القادم للتصورات المعاشة مسبقا. فالشخصية تهيم في عمل غريب يأخذ بجنونها الرسم بالتراب، لتقول لنا أنه وبالرسم يمكننا أن نعيد جسد الآخرين، بالرسم نمحو وجودنا في وجود من سكنوا أرواحنا. بالرسم نعيد أجسادا لا روح لها سوى الذاكرة المؤطرة بفكرة الخلاص، تقول الشخصية: " وكأنني بالقدر الذي افترضت فيه موته، كنت أحيل طريقة الخلاص منه إلى نفس ما حدث في الواقع....". وفكرة الخلاص موجودة في عدد من قصص مجموعة (ما من أثر) لعواض العصيمي وتحديداً في قصص مثل: (الغراب) و(نزوح) و(المنسي)؛ التي لا تخلو من علو اللغة البصرية فيها. حيث يمثل الغراب في القصة الأولى: الصورة/البطل، وذلك في التعبير عن مصير التحولات الكبرى المفاجئة للمكان وللأشياء.
ويقيم القاص فهد الخليوي عوالمه السردية عبر لغة بصرية تقوم على تصوير الفضاء المكاني تارة، والتعبير النفسي الذي تحتضنه الشخصيات تارة أخرى، فما بين رفضه للمكان إلى رفض المكان لوجوده يتنقل القاص، وهو صراع الإنسان ما بين القرية والمدينة، القرية التي ترفض ثقافة المدن، حيث التناقض تارة، والخوف من المتغيرات السريعة التي لحقت بالقرى لتنافس في مساحاتها وماديتها المدن، لتظهر هوية القرى مطموسة مقابل العولمة التي لحقت بها. كما لبست القرية في مضمونها عند الخليوي معنى القيد، تقول الشخصية: "في ذهنه تظل القرية صغيرة، سلسلة من القيود المبررة اجتماعيا وكأنها علبة مغلقة...". وتقيم الشخصية حواراً مع أمه حول مخترع المصباح الكهربائي في القرية، ليصعد في حواره إلى القول: لماذا تغرب شمس الله، وتتركنا في عتمة دامسة". إن الدلالة السردية هنا تكمن في اللغة البصرية حيث العتمة المحسوسة، لينتقل من خلالها إلى عتمة أخرى تسكن العقول.
ويظهر فضاء المكان في قصص الخليوي عبر صور بصرية متقاربة، فهي مغلقة وضيقة، يصفها مرة بـ (المينة الكئيبة – المدينة المغلقة)، ومرة بـ (المخيفة، المظلمة)، ومرة (ضيقة)، ومرة يصفها بـ (الأقفاص)، كأن المدن سجن لإنسان هذا العصر، فهي تسلب منه الحرية، وتخيفه وترهبه. وتظهر اللغة البصرية عند القاص ساعد الخميسي عبر رسمه لفضاء المدينة، وهو ما تكشفه قصة «مقاومة»، حينما يجيئها البدوي طالباً من المركز الطبي لقبيلته ما يطرد عنها النوم. وهو كره مبطن للمدينة من جهة ابن الصحراء الذي لم يزل في حالة شوق وحنين للبداوة حيث النقاء والصفاء الذي تفتقده المدينة. وهي كذلك نسق ثقافي عالٍ يتعلق بإحساس البدوي بالأصالة والقوة، والشجاعة، والأنفة والكرم. وتتضح مفاهيم التحولات الثقافية عند الخميسي من خلال رسمه لهذه الصورة، فالمكان الجديد هو عدو للمكان القديم، الصحراء في مواجهة المدينة، ترفضها شخصيات البدو، فهي تسخط عليها، وتنكرها عبر موقف عقلاني تكشفه طبيعة اللغة البصرية التي تصورها نفسية الشخصيات في قصص عدة، منها: صعود، عتق، جدار الدهشة، نفس، عودة البدء، ففي قصة «عتق» يقول: «حدق في بيداء شاسعة، وقد قذفته شواطئ التيه على الحدود...». وتنهار الشخصية في شوارع المدينة بعد أن أصابتها الرتابة والملل، ليسقط منهاراً كسقوط الجدار الذي حضر لإكمال المشهد البصري في قصة «جدار الدهشة».
وفي الختام، يتضح لنا أن اللغة البصرية تكمن في رسم الفضاء المكاني الذي استثمره بعض الروائيين والقاصين السعوديين على نحو ما رأينا، عند أمثال: عواض العصيمي، وفهد الخليوي، وساعد الخميسي. حيث ظهر رفضهم للمدن وحنينهم الدائم للقُرى، فذاكرة الشخصيات تعيش هناك ورؤيتها البصرية تهيم في الصحراء، مما يدل على أن لغة هؤلاء البصرية تكمن في الامتداد والحرية واللانهائية التي افتقدتها المدن، لغة تنزع إلى فضاءات واسعة تبحث عن ذاتها المفقودة والمسلوبة من جراء التحولات الحضارية والاجتماعية والاقتصادية. فقد ظهرت القرى والصحاري في قصصهم عبارة عن معرض بصري كبير يجمع عوالماً ورموزاً وجماليات وأشياء متنوعة ثريّة تحتضن أصالة التاريخ، والتحليق في سماوات الفن.
المصادر و المراجع
- ما من أثر، (نصوص قصصية)، عواض العصيمي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2007م.- مساء مختلف (مجموعة قصصية)، فهد الخليوي، النادي الأدبي بالرياض، 2011م.
- نقوش، (قصص قصيرة جداً)، ساعد الخميسي، نادي جدة الأدبي، 2015م.