تحوُّلات البطل في الحكاية الشَّعبيَّة بين الثَّبات والسُّيولة

أ.د. أمل القثامية

يصَنعُ الخيال الجمعيُّ البطل الشَّعبيُّ من الذَّاكرة الجماعيَّة، فيأتي حامل ذاكرتهم وتخيُّلاتهم وآمالهم، متَّصلاً اتِّصالاً وطيدًا ببيئتهم، محاكيًا الواقع المثاليَّ والقيم العليا الَّتي أراد المجتمع الحفاظ عليها، هذا الحضور لم يكن منفصلاً عن جذوره التُّراثيَّة حيث حضر البطل مشدود المعاني إلى الشَّجاعة وقيمها وإلى الحماسة باتِّساع مضامينها القتاليَّة والثَّأريَّة، فالبطولة في اللِّسان العربيِّ " مستلهمةً من مقامات الحرب والغزو، ومن مفاهيم الأخذ والغلب والمبارزة " [1]

ويأخذ المعنى الشُّموليُّ للبطولة مسارًا معاضدًا للجذور التَّاريخيَّة للبطل في المعاجم حيث تتجسَّم معانيه حول الشَّجاعة في الحرب والحزم في وقت الشَّدائد، ففي معجم المصطلحات العربيَّة حضر البطل بصفته "محارب شهير، أو إنسان يعجب به النَّاس لما له من مآثر ومكرَّمات، وذلك مثل عنترة عند العرب، ورولاند الَّذي كان أحبَّ فرسان الإمبراطور شارلمان إليه" ولم تقف في مساقها في الإدراك العربيِّ عند حدِّ البطولة القتاليَّة، وإنَّما تجاوزت الشَّجاعة، لشجاعة أخرى نفسيَّة، فنجد البطل من يحزم ويصبر ويتجاوز عن الظُّلم، ونجدها تلتصق بالبطولة الخلقيَّة الَّتي تجعل البطل يترفَّع عن الغرائز الدَّنيَّة ويعفُّ عند المغانم . [2]ويتلملم التَّلاحم عن معاني البطولة حين يدار المشهد الحكائيُّ حول (البطل) الَّذي يصبح شعبيًّا بحكم اختيار الشَّعب له وصناعته، وتكرار حكايته بصيغ مختلفة، أي أنَّ الضَّمير الشَّعبيَّ الفنِّيَّ يختار بطله من حافظته الشَّعبيَّة، وخيالهم الجمعيُّ وما وعته من أسماء وأفعال. . . سواء ارتبط الاسم بالتَّاريخ الحقيقيِّ، أو بالتَّاريخ الفلكلوريِّ ، [3] أو جاء نابعا من أتون الأساطير القديمة، أو صنع من وجدان الشعوب. وتتعاضد تلك المساقات عن البطل مع ما تجسَّد- بالفعل- في الحكايات والسَّير الشَّعبيَّة من أبطال ظلُّوا حاضرين ومستحضرين في ذاكرة السَّرد العربيِّ، فها هو عنترة الشَّاعر الفارس في سياق البطل التَّاريخيِّ الحقيقيِّ

يجسِّد الشَّجاعة الَّتي جعلت منه حكايةً بطوليَّةً شعبويَّةً اتَّصلت بالقوَّة الجسديَّة الخارقة الَّتي تحمي قومه، ممثِّلاً القوَّة النَّفسيَّة والأخلاقيَّة الَّتي يتغنَّى بها العربيُّ، فيما يحضر حاتم الطَّائيّ ليصبح بطلاً شعبويًّا حاملاً في الذَّاكرة رمزيَّةَ الكرم والجود، وأبي زيد الهلالي: البطل في السِّيرة الهلاليَّة، الَّذي يجمع بين الشَّجاعة الفائقة والحكمة هو بطل ملحميّ يدافع عن قبيلته ويقودها في رحلتها الكبرى. وتحوَّل هارون الرَّشيد إلى بطل للعدل والقوَّة السِّياسيَّة. وإلى جوار الأبطال التَّاريخيِّين يتوالد البطل الشَّعبيُّ من أساطير الحكايات فيحضر علاء الدِّين والسِّندباد البحريِّ وأحاديث شهرزاد بحمولات ثقافيَّة ورمزيَّة دالَّة عليها.

كلُّ هؤلاء الأبطال يتمايزون بوضوح هويَّاتهم الشَّخصيَّة وبروزهم بالاسم، وبروز صفاتهم وملامحهم وما يرمزون له. هذا الحضور الكبير للبطل في التُّراث الشَّعبيِّ العربيِّ كان حضورًا واضحًا متمايزًا حتَّى في دلالاته وأبعاده الرَّمزيَّة، فهو حضور يمكن وصفه بالثَّبات المعياريِّ، حيث نلحظ أنَّ البطل تجسّد في " شخصيَّة " مؤطَّرة بأطر واضحة فله اسم متَّصل بهويَّته وله " صفات " جسميَّة وجسديَّة وصفات أخلاقيَّة دالَّة عليه، حتَّى أنَّ صفة الثَّبات تعاضدت من الأزمنة والأمكنة فصارت انعكاسًا لها في الثَّبات وبروز الهويَّة. هذا الثَّبات بدوائره المحدَّدة حول الشَّخصيَّة الواضحة اسمًا ورسمًا وهيكلاً الَّتي تحيط بالبطل الشَّعبيِّ في السَّرد العربيِّ القديم تفتح فضاء السُّؤال الثَّقافيِّ حول ماهيَّة البطل الشَّعبيِّ والبطولة في الحكاية الشَّعبيَّة والسَّرديَّات الحديثة؟!

وبمقاربة صورة البطل الشَّعبيِّ في السَّرد الحديث نلحظ أنَّها تسير في تصويرها وتناميها عبر مسارين، أحدهما أختار " التَّوظيف " فضاءً له، والآخر كان اتِّكاؤه على " صناعة بطولة القيمة، فنجد في السَّرديَّات الحديثة من يعيد تشكيل البطل الشَّعبيِّ القديم بما يتماشى مع سيولة العصر وأنماطه الاجتماعيَّة والفكريَّة، فنجد سرديات وظَّفت شخصيَّة الخليفة هارون الرَّشيد، وخالد بن الوليد، وصلاح الدِّين الأيُّوبيّ ، [4] كما نسمع صوت البطل عنترة في رواية " زبيَّبة الجدَّة ماكدا". [5] ". وجميعها شكَّلت البطل وفقًا لمقاصدها متخلِّيًا عن بعض من صفاته ودلالته القديمة، أي أنَّ الشَّخصيَّة تتحوَّل وتتمحور بحسب مقتضيات التَّوظيف.

وفي مقابل إعادة تَّوظيف البطل، يظهرُ لنا مسار آخر مال في سرديته إلى صناعة البطل والبطولة من أفواه الحكايات الشَّعبيَّة، فالحكاية الشَّعبيَّة الحديثة بذاكرتها الجمعيَّة هي من تختار أبطالها، وبالوقوف على حكايات عبد الكريم الجهيمان الشعبية [6]كأنموذج لمقاربة البطل الشَّعبيِّ في أتونها نلحظ التَّحوُّل الَّذي أحاط بالبطل الشَّعبيِّ من الثَّبات إلى اللاثبات، ومن البطل الماثل في شخصيَّة محدَّدة بالاسم والشَّكل والهيئة، إلى البطولة السَّائلة، فالبطل في حكايات عبد الكريم الجهيمان الشَّعبيَّة ليس شخصيَّةً واحدةً ثابتةً، بل هو نموذج له سمات متكرِّرة أو نمط يتغيَّر شكله واسمه في كل حكايه، لكنَّه يحتفظ بصفات أساسيَّة تعكس قيم المجتمع، فالبطل قد يكون شيخ قبيلة حكيم أو تاجرًا، أو حطَّابًا، أو امرأة قويَّة ذات رأي سديد، إلَّا أنَّ الجامع بينهما تركيزها على القيمة الأخلاقية كبطولة مركزيَّة في الحكاية، فالبطل هو منظومة القيم الَّتي تصنعها الشَّخصيَّة المحوريَّة في الحكاية، لذلك لم يهتم الرَّاوي بالاسم أو نشأتها ومرجعيتها الواقعية، ولم يركِّز على الصِّفات الجسديَّة بقدر ما كان التركيز- في أغلب الحكايات- على مقاصد القيمة وأخلاقيَّات البطولة.

كما تُظهر حكايات الجهيمان في سياق البطولة تحولا آخر حيث يولد البطل الإشكالي الذي يعتمد على الحيلة مستغلا ذكاءه للهروب من مأزق أو خداع ظالم. وضمن صور تحولات البطل الشعبي في حكايات الجهيمان تناصها وتعالقها مع الحكايات الأسطورية القديمة، فبطلة قصة " القطية" تلتقي مع حكاية ساندريلا ، [7]في أحداثها وتفاصيلها، ورغم هذا التَّلاقي إلَّا أنَّها تؤكِّد سيولة البطل فلم تعد الشَّخصيَّة باسمها وملامحها محورًا بطوليًّا، وإنَّما القيم الأخلاقيَّة والعواطف التي تُجسدها الشخصية هما أبطال الحكاية.

وبهذا نجد أنَّ البطل الشَّعبيَّ انتقل من مرحلة مركزيَّة الشَّخصيَّة إلى مرحلة مركزيَّة القيم وسيرورتها، من ثبات ملامح الشَّخصيَّة إلى سيولتها. من الخارج إلى الدَّاخل: لم يعد تركيز السَّرد على مظهر البطل الخارجيِّ أو بطولاته الخارقة، بل انتقل التَّركيز إلى " العواطف الدَّاخليَّة والقيم الاخلاقية"، من خلال تصوير حواراته الدَّاخليَّة وصراعاته النَّفسيَّة. ومن المثاليِّ إلى العاديِّ، حيث تلاشى نموذج البطل المثاليِّ أو الخارق، ليحلّ محلَّه بطل عاديّ، يواجه تحدِّيات الحياة اليوميَّة ويعاني من القهر والتَّهميش، مع ظهور البطل الإشكاليِّ الَّذي يخرق الصِّفات المثاليَّة للبطل في الحكاية الشَّعبيَّة القديمة، صانعًا صفات مضادَّةً فهو يتحايل ويتلاعب وينتصر بذكائه وحيلته، لا بجسده وقوَّته ومعاركه وحروبه.




    المصادر و المراجع
    [1] - بسمة بن سليمان، الهوية السردية للبطل، تونس: الدار التونسية للكتاب، ط1، 2021م، ص 50
    [2] - ينظر، حسن الحازمي، البطل في الرواية السعودية حتى نهاية 1412م. السعودية: نادي جازان الأدبي، ط1، 1421ههـ، ص40
    [3] - ينظر، فاروق خورشيد، أدب السيرة الشعبية، القاهرة: الشركة المصرية العالمية للنشر-لونجمان، ط1، 1994م، ص 104.
    [4] - انظر، رواية: أيام الرشيد ولياليه، لفهد الجديد، ورواية: أمير الحب لمحمد عقيل التي وظفت شخصية خالد بن الوليد، ورواية: تحولات فياض لخيري الذهبي،
    [5] - يمكن الإشارة في هذا السياق إلى أن البطل في الرواية الحديثة أخذ مسارا مختلفا عن البطل في السرديات القديمة: إذا يظهر لنا صورة البطل الكلاسيكي المتصل غالبا بتوظيف الشخصيات التراثية والأبطال الشعبيين ويحمل صفات القوة والشجاعة، الفروسية، الكرم، القيم الأخلاقية الحميدة، والقدرة على التأثير في مجرى التاريخ، فيما يظهر البطل العادي المناضل في تحول آخر يفرضه الزمن، نلحظ فيه أن البطل شخصية فاعلة ومتفائلة وتسعى للتغيير، ومع التغيرات السريعة في الحياة وازدياد تعقيداتها ظهر في الروايات تحولا آخر على البطل فجاءت شخصيته سلبية أو رمادية أو عادية غير قادرة على إحداث تغيير كبير، تعيش دور الضحية للظروف الاجتماعية والسياسية.
    [6] - ينظر، عبد الكريم الجهيمان، أساطير شعبية من قلب الجزيرة العربية، الرياض: دار أشبال العرب، ط7، 2014م.
    [7] - ينظر، منال القثامي، الحكاية الشعبية السعودية: دراسة في المتعاليات النصية، بيروت: دار الانتشار، ط1، 2021م، ص70.