د. سلطان العيسي
يُشكّل الجسد في الأدب -على مرّ العصور- فضاءً مركزيًّا للتعبير عن الذات وتفاعلها مع المحيط الثقافي والاجتماعي، [1]وفي سياق القصة القصيرة النسائية، يكتسب هذا الحضور دلالات عميقة ومُعقدّة، تنبع من خصوصية البيئة الثقافية، وطبيعة العلاقة بين المرأة والسُلطات المهيمنة: (الذكورية، الاجتماعية، الأخلاقية)[2]لذلك كان الجسد الأنثوي محاطًا بهالة من المسكوت عنه والمحظور، ومن هنا تنبني الفكرة النقدية للمقال على أنَّ الجسد لم يعُد مجرّد موضوع للوصف، بل تحوّل إلى فضاءٍ سردي وأداة مقاومة تسعى الكاتبة من خلالها إلى تفكيك التنميط الاجتماعي، وإعادة كتابة تاريخ الذات، ليُجاوز -الجسد- وظيفته البيولوجية إلى الإبستمولوجية (المعرفية) المتعلقة بتنازع الحضور المجتمعي.
وتستعير كاتبات القصة القصيرة السعودية لغة نقدية تبدأ من الجسد ذاته، حيث يخرج الجسد من إطاره التقليدي ككيان يُرى ويُحكم عليه، ليصبح كيانًا راويًا وفاعلًا، ويُعد هذا التحول استجابة للنظريات النقدية الحديثة التي تنظر إلى الجسد بوصفه نصًا ثقافيًا، كما في دراسات ميشيل فوكو حول علاقات السُلطة والمعرفة والجسد [3] أي إسباغ الجانب الإنساني وفق مُمكِنات التخيّل الروائي، ولذلك من الطبيعي أن تمر الرواية التاريخية في الأدب العربي بحالة من التطور: من الكلاسيكية إلى التحديثية.
وجوديث بتلر حول الأداء الجندري .[4]وتُبرِزُ القصص الجسد في ثنائية متناقضة: فهو يظهر بوصفهِ سجنًا للذات المقيدة بالعادات، يُختزل في وظيفته الإنجابية أو الجمالية الضيقة، وفي المقابل يظهر الجسد المقاوم الذي يتخذ من المرض، أو التحوّل، أو الرفض، أو الحركة خارج الإطار المألوف، وسيلة للتمرُّد.
إن جسد الشخصية النسائية لا يصف القيود، بل يمارس التحرّر من خلال سلوكيات تخالف العرف، ففي مجموعة "الغرفة 42" لزينب حفني، تمثل حركة الجسد غير المألوفة نصًّا مضادًا للسُلطة، ويتحول الرفض الجسدي إلى فعل سردي يؤسس الوعي الجديد للذات[5] كما تعرض قصص زكية العتيبي في "رسائل متعثرة" الجسد بوصفه مساحة للتعبير عن الفعل الـمُتمرِّد، حيث يصبح السكوت الجسدي أو التجاهل شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة
ويظهر الجسد المتوعك أو المعطوب في قصص رجاء عالم باعتباره ناقلاً لإحساس الهامش والضغط الاجتماعي؛ فالأوجاع الجسدية استعارة عميقة لعجز الذات عن التعبير اللفظي [7] ليصبح الجسد بذلك أرشيفاً للألم المكبوت والمهمّش، مما يعكس اهتمامًا بأدب الجسد كمدخل محوري لفهم التحولات الاجتماعية. كذلك انتقل جسد المرأة إلى مستوى الترميز والتضمين، حيث تستعمل الكاتبات تفاصيل جسدية دقيقة وغير مألوفة بوصفها مدخلاً للذات يثير جدلاً حول مفهوم الجسد والذات في الثقافة السعودية، هل هو كيان مُغلق أم منفتح على التأويل؟ ففي مجموعة "عيون تبتلع الهواء" لـليلى الأحيدب، يُستخدم الحسّ المرهف والملموس كمدخل لتجربة الذات، حيث تتجلّى حركة العيون، واهتزاز الأصابع، وتغيُّر نبرات الصوت كدلائل عميقة لا تقلّ أهمية عن الحوار الصريح [8] وكذلك تعمل التفاصيل الجسدية الملموسة في مجموعة أميمة الخميس "الغزالة" كشفرات دلالية تفتح الباب على اللاوعي النفسي والاجتماعي للشخصية، مع إعادة قراءة العلامات الجسدية (كـالندبة أو الوشم) بعينٍ نقدية حداثية؛ فبدلاً من أنْ تكون علامة للخزي أو الوصم الاجتماعي، تتحوَّل في القصة القصيرة إلى رمز للمرور بتجربة صعبة أو امتلاك قوة داخلية مختلفة [9] )؛ مـِمِّا يجعل القصة النسائية فضاءً لإعادة كتابة التاريخ الاجتماعي للجسد، وهذا التركيز على الجسد بوصفه دالًا سيميائيًا هو ما يمنح الأسلوب متانةً وتفردًّا، ويتجاوز الوصف السطحي إلى الترميز العميق.
ويرى النقد النسوي المعاصر أن التعبير عن الجسد في الأدب يتجاوز المطالبة بالحرية الشخصية ليصبح إعادة تنظيم للعلاقات المعرفية والسلطوية [10]وفي القصة القصيرة النسائية يُصبح الجسد الفضاء الذي يُعاد فيه تشكيل الوعي.
وتُساهم كاتبة القصة القصيرة في تخليص الجسد من الهوية الجامدة المسبقة الصنع، حيث لم يعد الجسد "امرأة" بالمعنى الثابت، بل هو تجربة متحرِّكة وهوية سائلة تتشكّل مع الظروف؛ وهذا يفتح نقاشًا عميقًا حول مفهوم الهوية الجندرية في سياق مجتمعي محافظ، حيث يظهر عند أمل الفاران في "الفتاة التي لم تعد تكبر في ألبوم الصور" [11] في القصص التي تعالج التبدُّل في الدور أو المظهر وسلوكيات مُغايرة لمفهوم الأنوثة التقليدي، فيكون الجسد مادة مرنة قابلة للتشكيل.
كما تجاوزت القصص التي تناولت موضوع العُقم أو الإنجاب الجانب البيولوجي للجسد، لتُحلل تأثير غياب أو وجود هذه الوظيفة على تكوين الهوية الذاتية والاجتماعية للمرأة، ليصبح الرحم بحدّ ذاته فضاءً سردياً يحمل دلالات أخلاقية واجتماعية حول قيمة المرأة كما في مجموعة وفاء الحربي "حبة بندق تنمو في رأسي" [12] كذلك تعتمد بعض النصوص على تقنيات التحليل النفسي، حيث يُصبح الجسد مرآة للاوعي كما في قصص نوال السويلم "وجوه رمادية" [13]فالمرض أو الأعراض الجسدية تُصبح صرخة اللاشعور، أو كشفًا عن العقد الاجتماعية المسكوت عنها، وهذا الربط بين الجسد والتحليل النفسي هو أرقى درجات استخدام الجسد بوصفه فضاء معرفياً يُنتج الوعي الناقد.
وهكذا، أثبتت القصة القصيرة السعودية النسائية قدرتها على تجاوز عتبة المحاكاة إلى عتبة التأسيس، محققةً انزياحًا معرفيًا بارزًا، فقد تحوَّل الجسد من كونه أداة سردية وصفية أو كيانًا بيولوجيًا إلى فضاءٍ للنصوص وكيان إبستمولوجي يُنتج الوعي والمعرفة، هذا الفضاء ليس محايدًا بل هو مشحون بالدلالات ومحمَّل بإرادة المقاومة والتعبير، فاختارت الكاتبات الترميز كآلية للحماية والتعبير عن المكبوت؛ مما حقَّق توازنًا نقديًا دقيقًا بين الجرأة الفنية والالتزام الاجتماعي والأخلاقي، فأصبح الجسد سجلًا للمقاومة، حيث دوَّنت الذات النسائية محاولاتها لمقاومة القوالب الجاهزة والتنميط الاجتماعي، والسعي نحو إثبات الهوية الشخصية. ويعكس هذا التحوّل في استخدام الجسد بوصفه نصًا نُضجًا في التجربة القصصية النسائية، ويفتح جدلًا نقديًا حول قضايا الهوية والسُلطة، مؤكدًا أن القصة النسائية تُشكّل مرآة عميقة تعكس تحولات المجتمع السعودي المعاصر.
المصادر و المراجع
[1] يُنظر: ديفيد لو بروتون (1997) أنثروبولوجيا الجسد وحداثته، ترجمة محمد عرب صاصيلا، ط2، (المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع)، ص9-13.[2] يُنظر: أميرة حميد الغامدي (2017) القصة النسائية القصيرة في الأدب السعودي، رسالة ماجستير، (جدة: جامعة الملك عبدالعزيز)، ص2-5.
[3] يُنظر : ميشيل فوكو (1990) المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة: علي مقلد، (بيروت: مركز الإنماء القومي).
[4] يُنظر: جوديث بتلر (2014) قلق الجندر: النسوية وتخريب الهوية، ترجمة: فتحي المسكيني، (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر).
[5] يُنظر: زينب حفني، (2003م) الغرفة 42، (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر)، ص9-25.
[6] يُنظر: زكية العتيبي، (2004م) رسائل متعثرة (مجموعة قصصية)، (بيروت: دار الانتشار العربي، الطائف: النادي الأدبي بالطائف)، ص55-56.
[7] يُنظر: رجاء عالم، (1994م) نهر الحيوان، (بيروت: دار الآداب)، ص30-38.
[8] يُنظر: ليلى الأحيدب، (2018) قميص أسود شفاف (مجموعة قصصية)، (الرياض، دار ميلاد)، ص46-52.
[9] يُنظر: أميمية الخميس، (2007م) الغزالة (مجموعة قصصية)، (بيروت: دار المدى)، ص 45 -65 .
[10] يُنظر: جوديث بتلر، مرجع السابق، ص30 وَ 70.
[11] يُنظر: أمل الفاران، (2019م) الفتاة التي لم تعد تكبر في ألبوم الصور، (الدمام: دار أثر للنشر والتوزيع)، ص65-72.
[12] يُنظر: وفاء الحربي، (2016م) حبة بندق تنمو في رأسي (مجموعة قصصية)، (الدمام: دار أثر للنشر والتوزيع)، 85 ومابعدها.
[13] يُنظر: نوال السويلم (2008م)، وجوه رمادية (مجموعة قصصية)، (بيروت: دار الفارابي)، ص65 -70.