الأغاني والأهازيج الشعبية في الشعر العربي الحديث

جاسم الصحيح

من العواملِ التي تنهض عليها الشعرية العربية الحديثة عاملُ استحضار التراث من خلال أساطيره ورموزه وأحداثه، سواءً كانت دينية كاستحضار النصوص المقدسة والآيات الكريمة والأحاديث النبوية، أو كانت فكرية كاستحضار الشخصيات المؤثرة في صناعة التاريخ من شعراء وأدباء وعلماء، أو كانت سياسية كاستحضار الحكَّام والأمراء والقادة العسكريِّين والأبطال، أو غير ذلك من الموروثات في التاريخ القريب أو البعيد على حدٍّ سواء. والهدف من هذا الاستحضار الفني للموروث في النصوص الحديثة يتجلَّى في بُعدَين اثنَين: البُعد الوظيفي الجمالي الذي يتجاوز دلالات الموروث إلى ما تهدفُ إليه القصيدة؛ والبُعد الثاني هو البُعد البُنيويّ الذي يشدُّ الكيانَ البيانـيَّ للقصيدة. ومن أهمّ الموروثات التي نتحدَّث عن استدعائِها في النص الحديث هو التراث الشعبي الذي يتجلَّى في (الأهازيج والأغاني) بوصفهما مرآةً للتفاعل الثقافي. إنَّ حضور مقتطفات من هذه الأهازيج والأغاني في النص الحديث يبثُّ طاقةً إيحائيَّةً في أعصابِ النص، ويمنحهُ دلالاتٍ مفتوحةٍ على التأويل، وليس مجرَّدَ حضورٍ شكليٍّ لتطريز الأسلوب.

يقول الدكتور البحريني (علوي الهاشمي) في كتابه (التعالق النصي في الشعر السعودي الحديث) الذي يتناول التنظير لـهذه الظاهرة: (إنَّ التعالق النصي لكي يكونَ صادقا ومؤثرا وخصبا، لا بد أن يرتكز على قاعدةٍ من التجربة الحيَّة هي التي تقوم بتحريك باعث التعالق عند الشاعر، ورغبته في قول الشعر).

ونحن نعلم جيِّدًا أنَّ الأهازيج والأغاني الشعبية تحمل هموم الناس وأشجانـهم وعاداتـهم وتقاليدهم وأعرافهم، وهي تتمتَّع بالبساطة في التأليف، والعفوية في التعبير، لذلك فهي تحتلُّ الوجدان الشعبي بسهولة، الأمر الذي يجعلها راسخة الحضور في الواقع الاجتماعي، ومُتداوَلة على شفاه الناس. ولأضربْ مثلا بالأغنية الشعبية ذائعة الصيت، فهي ما زالت تشغل حيِّزًا كبيرا في ذاكرة أهالي الخليج العربي، وهي أغنية (صوت السهارى) التي غنَّاها
الفنان الكويتي (عوض الدوخي) -رحمه الله تعالى- في ستِّينات القرن العشرين: (صوت السهارَى.. يوم مرُّوا عليَّ.. عصريَّة العيدْ). وقام الشاعر السعودي الكبير (محمد العلي) باستدعاءِ مقطعٍ من هذه الأغنية في قصيدته الشهيرة (العيد والخليج)، فقال:
ومَرَّ العيدُ بعد العيدِ مُغتربًا على الأبوابْ
ومَسفوحًا على الطُّرُقاتْ
ولم تُسمَعْ خُطاهُ البِيضُ.. لم تُسمَعْ
وفي الساحاتْ: بريقُ الضفَّة الأخرى على الأثوابْ
ومجمرةٌ من التاريخ فوق تَوَهُّجِ الأطفالْ
وتجهشُ حولـيَ الأسوارُ والمذياعُ والأقفالْ: (صوت السهارى يوم مرُّوا عليَّ عصريَّة العيد)

أمَّا أثناء إقامته في لبنان، فقد كتب الأستاذ (محمد العلي) قصيدةً بعنوان (شُو بِدَّكْ)، وقد تعالقَ فيها نصيًّا مع الأغنية الشهيرة التي غنَّاها الفنان نُـهاد طربية: (بدنا نتجوَّز عالعيد.. بدنا نعمّر بيت جديد)، فقال: -في المدى كنتَ، لكنَّني لم أَرَكْ -ولكنَّني قد رأيتُكْ -أوه.. وهلَّا.. شُو بِدَّكْ؟! - (بِدِّي أتجوَّزْ عالعيدْ)

ونلاحظ أنَّ الأغنيتَين: (صوت السهارى) و(بدنا نتجوَّز عالعيد) راسختان في الذاكرة الجمعية العربية، وأنَّ الشاعر (محمد العلي) -في غمرة شعورهِ بحميميةٍ عميقة مع موضوعات قصائده- يستحضر مقاطعَ من هاتين الأغنيتَين، بلفظِهِما الشعبي الذي يحمل طاقةً تعبيرية ووجدانية، دون أن يحاول تعريب اللفظ كي لا تفقد الأغنيتان وهج الحضور في الذاكرة الشعبية.

أمَّا الشاعر السعودي (محمد الثبيتي) فقد استدعى أبياتَ الشاعر الشعبي المعروف في تاريخنا القريب (محسن الـهزاني)، في قصيدةٍ له بعنوان (فواصل من لحنٍ بدويٍّ قديم)، يقول فيها: حين يصحو الحبُّ في عينيكِ دفئًا وظلالا
وصباحا حائرا يُلقي على الكونِ سؤالا
ينتشي سيفي الـمُحَلَّى في يميني
وتُغَنِّيني العشيَّاتُ الثمالَى:
(كريمْ يا نَوٍّ بُرُوقَهْ تِلالَا نَوٍّ ورا نَوٍّ وبَرقٍ ورا بَرقْ قالوا: كما مَبسَمْ "هَيَا" قلتْ لَا لَا بين البروق وْبَين مَبسَمْ "هَيَا" فَرقْ)
الأبيات التي بين الأقواس هي أبيات الشاعر (الهزاني) المعروف بشعر الغزل والحب والغرام، وبالتحديد من قصيدته الشعبية المشهورة (مَبسَم "هَيَا")، وقد غنَّاها الفنَّان السعودي (راشد الماجد). وهذا التوظيف البديع للأبيات (الهزانيَّة) في قصيدة (الثبيتي) يُقصَدُ منه التأثير على مشاعر القُرَّاء، إضافةً إلى كونه سمةً من سمات الالتحامِ بين القصيدةِ الفصيحة وبين الموروث الشعبي الذي يحتلُّ وجدانَ البيئة الجمعيَّة، وقد طغى هذا التوظيف على كثير من قصائد الشعر السعودي الحديث.

كذلك في الشعرية العراقية، الكثير من الأغاني الشعبية التي استدعاها الشعراء إلى قصائد الفصحى مثل أغنية (الريل وحمد) التي هي في الأصل قصيدة للشاعر العراقي (مظفَّر النوَّاب)، إضافةً إلى الأغنية الشهيرة التي غنَّاها الفنان العراقي الرمز (داخل حسن) وهو من محافظة (الناصرية) بالعراق، فقال في مطلع هذه الأغنية: (للناصريةْ.. للناصرية.. خُذْني يَ قاربْ وياكْ.. للناصريةْ.. تعطشْ وشرّبَكْ ماي.. للناصريةْ) وشدَّت هذه الأغنية انتباه الشاعر العراقي الكبير (سعدي يوسف) فاستحضرَها في إحدى قصائده الفصحى بوَصفِها جزءا من ذاكرته الغنائية في أيَّامِ صِباه وشبابه، فقال من قصيدةٍ يخاطبُ فيها صديقا له اسمُهُ (سلمان عبد الله) تطاردُهُ قُوَّاتُ الشُّرطة في منطقة (الدواسر) جنوبَ العراق: سلمانُ عبدَ اللهِ يا قمرَ الدواسرِ يتبعونَكْ ببنادقٍ متأرجحاتْ أبدًا وراءكَ يركضونْ فعُيُونُـهُمْ تخشَى عيونَكْ لكنَّهُمْ قد يقتلونَكْ لن يذكروا يا طفلَ (عبدِ الله) أغنيَةً شَجِيَّةْ كنَّا نغنِّيها معًا: (للناصريَّةْ تعطشْ وشرَّبَكْ مايْ... للناصريَّةْ)

ولكنَّ الشاعر العراقي (أجود مجبل) تناول ذاتَ الأغنية الشعبية (للناصريَّة...) بطريقةٍ مختلفة، إذْ حاولَ تعربيها، والدخول في تفاصيلها تعبيرا عن انتمائه العميق لهذه المحافظة العراقية التي ينتمي إليها، فقال: للناصريَّةِ خُذْني طائرَ الشوقِ حتَّى أُتِمَّ لديها ركعةَ العِشقِ إذا عطشتَ فمِنْ كفَّيَّ تشربُ، أوْ- تعبتَ يومًا ففي عينيَّ تَستَلقي وإنْ تَجُعْ فعُذوقُ النخلِ مائلةٌ عليكَ، فاخترْ بـها ما شِئتَ من عِذقِ بعضُ المواويلِ ثَوْرَاتٌ مُعظَّمةٌ وبعضُها سُحُبٌ تحتجُّ بالبرقِ (داخلْ حَسَنْ) عندَها غنَّى خسائرَهُ وأَوجَزَ الحزنَ ألحانًا (أبو شَوقي)

ولم يكنْ الشاعر العراقي (أجود مجبل) بعيدا عن الشاعر المصري (أمل دنقل) الذي استثمر الأهزوجة الغنائيَّة الشعبية التي يرددها الأطفال عندما تُخلَع أسنانُـهُمْ، ويُلقون بها إلى الشمس، مُرَدِّدين: (يا شمسْ يا شَمُّوسَهْ... خذي سنة الجاموسَهْ.. وهاتي سنة العروسَهْ) يوظِّف الشاعر المصري (أمل دنقل) هذه الأهزوجة توظيفا سياسيًّا، ويعبِّر من خلالها عن تفشِّي الجوع في المجتمع بطريقةٍ رمزية، فيقول في قصيدة (إجازة فوق شاطئ البحر): صديقي الذي غاصَ في البحرِ ماتْ فحَنَّطتُهُ.. واحتفظتُ بأسنانِهِ كُلَّ يومٍ إذا طلعَ الصبحُ: آخُذُ واحدةً.. أقذفُ الشمسَ ذات الـمُحَيَّا الجميلِ بها وأُرَدِّدُ: يا شمسُ؛ أُعطِيكِ سِنَّتَهُ اللؤلؤيَّةَ ليسَ بـها من غبارٍ سوى نكهة الجوعِ رُدِّيهِ.. رُدِّيهِ.. يَروِ لنا الحكمةَ الصائبَةْ ولكنَّها ابْتَسَمَتْ شاحبَةْ

ومن خلال ما استعرضنا من أمثلة عن توظيف التراث الشعبي عبر أغانيه وأهازيجه في الشعر العربي الحديث، نلاحظ أنَّ هذا التوظيف ليسَ طِلاءً على جدران النصوص الحديثة، وإنَّما يمثِّل إقامةَ أعمدة البناء لها، وتثبيتَ دعائمها من خلال الحمولة الهائلة من الإشارات المشفَّرة التي يحملُها استدعاءُ هذا التراث، والتي تتشكَّل في دلالاتٍ شعريةٍ ذاتِ إيحاءٍ بعيدٍ عن مقاصدِها الأصلية. وهذا ما يمكن تسميتُهُ بنيةَ التناصّ بين النصوص عبر استثمار الأهازيج الغنائية الشعبية استثمارًا إبداعيًّا حيث حضورُها الدلاليّ في القصيدة يمنح القصيدة رؤيةً، ويعمِّقُها، ويفتح أفقها الدلالي على تأويلٍ أرحب.




    المصادر و المراجع
    1- كتاب التعالق النصي في الشعر السعودي الحديث للناقد البحريني علوي الهاشمي
    2- ديوان (لا ماء في الماء) للشاعر السعودي محمد العلي
    3- ديوان التضاريس للشاعر السعودي محمد الثبيتي
    4- ديوان البكاء بين يديْ زرقاء اليمامة للشاعر المصري أمل دنقل
    5- دراسة (التناصّ في شعر أجود مجبل)
    6- مقالة (الأغنية الشعبية في شعر سعدي يوسف) للدكتور سمير خوري.