الرواية التاريخية في السعودية: الحضور والغياب

د. شتيوي الغيثي

ليس جديداً أنّ الرواية التاريخية من أكثر المفاهيم صعوبة في تحديد إطارها السردي، ولكن يمكن القول ببساطة، على الرغم مما يشوب هذا التبسيط من مشكلات مفاهيمية، بأنها تلك الرواية التي تجعل من التاريخ البعيد أو القريب خلفيتها وفضاءها الحكائي[1]، من دون أن تلتزم بالمعطيات التاريخية التزاماً توثيقياً، بمعنى أن عملية التخييل لا بد أن تكون حاضرة بشكل جليّ، الأمر الذي سمح للناقد عبدالله إبراهيم بأن يطلق مفهوم "التخيّل التاريخي" على تلك الروايات التي جعلت من التاريخ مادتها المرجعية وقد انقطعت عن وظيفتها التسجيلية إلى الجمالية والرمزية[2]، وعلى هذا الأساس فما يهم ليس إعادة كتابة الأحداث كما حصلت في الماضي _بحسب رأي جورج لاكاش_ وإنّما الأهم هو السرد الجمالي لحياة الناس الذين عاشوا الوقائع ودوافعهم وشعورهم وتصرفاتهم [3] أي إسباغ الجانب الإنساني وفق مُمكِنات التخيّل الروائي، ولذلك من الطبيعي أن تمر الرواية التاريخية في الأدب العربي بحالة من التطور: من الكلاسيكية إلى التحديثية.

وإذا كانت نوعية هذه الروايات قد حضرت مبكراً في الأدب العربي الحديث، فإنها تأخرت نسبياً في السعودية، فلم ترَ النور إلا في المرحلة الثانية لظهور الرواية في الأدب السعودي (منتصف الستينيات الميلادية)، ومشت بوتيرة بطيئة حتى مطلع الألفية الجديدة [4] والملاحظ على الروايات التاريخية التي صدرت في تلك الفترة ميلها إلى الكتابة الكلاسيكية؛ خاصة مع روايتي: (أمير الحب) لمحمد زارع عقيل، و(تراب ودماء) لفؤاد عنقاوي على اختلافٍ بينهما في تناول الفترة الزمنية، حيث تعود الأولى إلى التاريخ الإسلامي القديم، والثانية إلى هيمنة الاستعمار والسيطرة العثمانية [5]

ثم أخذت الرواية التاريخية في التوسع لاحقاً. ولعلّ مردّ ذلك إلى قفزة فنّ الرواية، ونضج عددٍ من التجارب السردية على الرغم من اتجاهها نحو الواقعية الاجتماعية النقدية، واتساع هذه التجربة خدم حضور السرد التاريخي الأمر الذي جعله أكثر نضجاً، إلى درجة أننا رأينا بعض الروايات السعودية التاريخية تحظى باهتمامٍ نقدي لما تمتلكه من جماليات فنية عالية مثل رواية: (موت صغير) لمحمد حسن علوان، و(مسرى

الغرانيق في مدن العقيق) لأميمة الخميس، إضافة إلى تحقيقهما جوائز أدبية كبيرة، مما تشي بقيمة فنّية صاحبت هذا النوع الروائي رغم قلته بالمقارنة مع الرواية السعودية الواقعية[6] ومع كل ذلك فإنّ الرواية التاريخية راوحت بين الحضور والغياب على مستوى عددها وزمن نشوئها وتطورها، وعلى مستوى الفنّية التي وصلت إليها، إذ إنها أقل من حضور الرواية الواقعية وتأثيرها في المجتمع السعودي الذي وجد الزخم في الرواية التي تلامس حاضره الثقافي أكثر من ماضيه، لارتباط كثير من كتاب الرواية في السعودية بمشكلات الحاضر، وما أفرزتها المدنية من قضايا.

ومن اللافت مؤخراً أنّ الرواية التاريخية أخذت موضعاً أكبر من ذي قبل، حتى لدى كتاب رواية المدنيّة الحديثة؛ إذ أصدر مقبول العلوي رواياته: (فتنة جدة)، و(زرياب)، و(سفر برلك)، وأصدر خليف الغالب: (عقدة الحدّار) و(المزهاف)، وأصدر حسن عامر الألمعي: (رصاص في بنادق الآخرين)، وثلاثية (التغريبة النجدية) عن قوافل العقيلات لمحمد المزيني، كما أصدرت بدرية البشر -وهي المهتمة بالجانب الاجتماعي- رواية: (سر الزعفرانة)، وغيرها من الروايات التي أنتجها عدد لا بأس به من الكُتّاب السعوديين الذين يصعب حصر أسمائهم هنا. وإذا كانت العناوين السابقة اتسمت بالنضج الفني، فإنّ عناوين أخرى غلب عليها الضعف، وهو أمر ملحوظ بشكل واضح، ربما يقود إلى إشكالية الوعي بالتاريخ وبالفن معاً لدى الذين يحاولون التصدي لنوعية الكتابة التاريخية.

ويمكن إضافة ملاحظة أخرى وهي أنّ أغلب تلك الروايات تدور في الحقبة التاريخية القريبة نسبياً (التاريخ السعودي تحديداً) دون الذهاب أبعد من ذلك إلا فيما ندر، كما أّنّ بعضها اتجهت نحو التاريخ الإسلامي في العراق والشام والأندلس دون أن تبقى في إطار الجزيرة العربية، وفي ظنّي أن سبب ذلك سعة المدوّنة التاريخية هناك وقِلّتها هنا، مما يضطر الكاتب للاستعانة أحياناً بالمرويات الشفاهية التي تشوبها الكثير من عدم الموثوقية.

ولعل العودة إلى التاريخ، بعد أن خاض الروائيون في الجوانب الاجتماعية، يعطي لمحة عن مدى الاهتمام بقراءة التاريخ وإعادة كتابته وفق المتخيل الذي يستطيعون نسجه داخل سردية الماضي، خاصة ذلك القريب نسبياً لكونه فرصة لفهم معطيات الحاضر، ومع توفّر بعض الدراسات حول التاريخ المحلي فإنّ عملية السرد قد تكون أيسر من الفترات الماضية لكتابة الرواية ما يُشعِر القارئ بأنّ هناك تحوّلاً في وعي علاقة الرواية بالتاريخ، ذلك أن العلاقة بين الإنسان وماضيه جزء لا يتجزأ من تمثّله في حاضره الذي يعيشه مع ذاته ومع الآخرين، وإلا ما كان للماضي أن يحقق الوظيفية الوجودية في حياة الناس، فالكتابة الروائية، في جانب منها، هي سؤال عن الماضي ومحاولة اندماجه في الخط الزمني، أو الوعي التاريخي، لأن السرد في جوهره تمثيلٌ للتجربة [7] ، مما يفضي إلى تشكيل هويته الشخصية والثقافية وتمثّلاته الوجودية في هذا العالم. لكن، وبحسب العديد من الروايات التاريخية، فإنني أظنّ أن الوعي السردي تجاه التاريخ ما يزال في طور التكوّن المعرفي، وتحديداً في التركيبة المعقدة بين التخييل والتاريخ والمعاصرة لدى الكاتب ولدى المتلقي على حد سواء، ذلك أنّ الوعي في النظر إلى التاريخ هو وعي تقليدي في مجمله، ويحتاج إلى مزيدٍ من المناقشة؛ فضلاً عن وعي إمكانيات الخيال داخل التاريخ وإشكاليات الحاضر التي تفرض نفسها لا محالة أثناء عملية السرد.

ختاماً، ومن خلال ما سبق يمكن الوصول إلى النتائج التالية: _ ما زالت الرواية التاريخية أقل حضوراً وتأثيراً من الرواية الواقعية، فلم تأخذ مجالها إلا فيما ندر.
_ يتسم القليل من الروايات التاريخية بالجودة الفنية، أما الكثير منها فما زال من دون المأمول.
_ تتراوح الفترة الزمنية ما بين التاريخ السعودي القريب ومقاومة الوجود العثماني، وبعضهم يتجه نحو التاريخ الإسلامي أكثر من التاريخ المحلي.
_ هناك اهتمام لافت مؤخراً بالرواية التاريخية، لكنه ما زال دون التأثير المطلوب.




    المصادر و المراجع
    [1] يُنظر: محمد القاضي وآخرون: معجم السرديات. الرابطة الدولية للناشرين المستقلين. توزيع دار الانتشار. بيروت. ط1 2010م ص: 210
    [2] يُنظر: د. عبد الله إبراهيم: التخيل التاريخي: السرد، والامبراطورية، والتجربة الاستعمارية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. ط1 2011م ص: 5
    [3] يُنظر: جورج لاكاش: الرواية التاريخية. ترجمة: صالح جودت الكاظم. دار الشؤون الثقافية. بغداد. ط2: 1968م. ص 46
    [4] ينظر: علي بن محمد الحمود: الرواية التاريخية في الأدب العربي السعودي الحديث. الرياض. ط1 2013م. ص 9_ 13
    [5] ينظر: فيصل السرحان: الرواية التاريخية في الأدب السعودي. دراسة إنشائية. رسالة دكتوراه. قسم الأدب والبلاغة والنقد. كلية اللغة العربية. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. العام الجامعي 1445هـ. ص: 44
    [6] ينظر: المرجع السابق. ص: 50 وما بعدها
    [7] ينظر: بول ريكور: الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي. الجزء الأول. ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم. دار الكتاب الجديد المتحدة. بيروت. طبعة 2006 ص: 95