تطويع الحكاية الشعبية لخدمة قيم العصر في أدب الطفل

د. منال بنت سالم القثامي

تُعدّ الحكاية الشعبية من الأشكال السردية التي صاغها الإنسان للتعبير عن ذاته وعن رؤيته للحياة؛ فهي ليست مجرد حكاية تسردها الجدات للأطفال للتسلية والإمتاع؛ بل خطاب يعكس البنية الذهنية والثقافية للمجتمع والعقل الجمعي الذي أفرزها وتصوراته عن العالم والشعوب؛ لذا يمكن القول إنها أحد أبرز المكونات للتراث الثقافي الإنساني.

وإذا كانت مرحلة الطفولة هي الأساس الذي تبنى عليه شخصية الفرد، فيكتسب فيها اتجاهاته وعاداته ويتلقى فيها تعليمه وتدريبه، ويكون الطفل أكثر قابلية للتعلم والتأثر، فإن الحكاية الشعبية من مرويات الطفولة تؤدي دورا محوريا في تشكيل شخصية الطفل من جوانب متعددة، اجتماعية، وعقلية، ولغوية، واخلاقية، فإذا تم توجيه هذا البناء بصورة متوازنة، نتج عن ذلك إنسان قادر على مواجهة تحديات الحياة بثبات.

وانطلاقا من ذلك يمكن القول إن الحكاية الشعبية لم تعد تقدم بوصفها نتاجا موروثا جامدا بل غدت مادة قابلة لإعادة البناء وفق منظور تربوي ومعرفي يهدف إلى ترسيخ الهوية الثقافية و القيم الإنسانية العليا؛ ومن ثم فإن إعادة توظيف الحكاية الشعبية في أدب الطفل المعاصر أصبح مطلبا ملحا، وذلك بحسبانها وعاء ثقافيا قادرا على نقل القيم الراسخة مع إعادة تشكيلها بما ينسجم مع متطلبات العصر وتحولاته الفكرية والاجتماعية وفق رؤية تعيد قراءة الحكاية الشعبية في ضوء قيم العصر ومفاهيمه الحديثة.

وعلى اعتبار أدب الطفل وسيلة تربوية وثقافية أساسية في بناء الشخصية وتشكيل الوعي في مرحلة الطفولة فإن توظيف الحكاية الشعبية في أدب الطفل يمثل امتدادا طبيعيا لدورها الثقافي، لا سيما أن الحكاية الشعبية تمتلك طاقة تربوية هائلة بفضل بنيتها السردية المرنة وشخوصها الخيالية العجائبية التي تثير خيال الطفل. ومن هذا المنطلق تأتي فكرة (تطويع الحكاية الشعبية لخدمة قيم العصر في أدب الطفل؛ أي إعادة إنتاجها وإعادة صياغتها لتخدم الأهداف التربوية والنفسية والقيمية لعصرنا، وتنبع أهمية هذا الموضوع من كونه يطرح تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثابت والمتغير في تشكيل خطاب تربوي يستمد جذوره من التراث ويستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات الحاضر والمستقبل.

ويفترض هذا المفهوم وعيًا بالتراث باعتباره مرجعاً ثقافياً أصيلاً، ووعيًا بالتحولات القيمية التي تفرضها العولمة والتقدم التكنولوجي وتغير نمط الحياة اليوم، وبذلك يصبح التطويع أداة لإعادة قراءة الماضي من منظور تربوي حديث، يربط بين الحكاية بوصفها خطابا ثقافيا وبين أهداف التربية الحديثة القائمة على الانفتاح، والتفكير النقدي، والتعايش؛ فالطفل اليوم لا يعيش في بيئة مغلقة، بل يتعرض لتعدد ثقافي ومعرفي يتجاوز الحدود الجغرافية. ولأن الحكاية الشعبية تشكل مخزونا رمزيا قابلا للتأويل، مع ما تتمتع به بنيتها السردية من المرنة فإنه يمكن توظيفها في نقل القيم الحديثة مثل المساواة، والتسامح...والخ. إن طاقة الحكاية الشعبية على الإيحاء والتأثير العاطفي تمنحها قابلية تربوية عالية تجعلها أكثر فاعلية من الخطاب التوجيهي المباشر، شرط أن يُعاد تشكيلها بأسلوب يلائم إدراك الطفل اليوم واهتماماته. وعملية التطويع لا تعني تفريغ الحكاية من رمزيتها أو سحرها، بل تهدف إلى تجسير الهوة بين عالم الحكاية القديم وعالم الطفل الحديث، بحيث يشعر المتلقي الصغير بأنّ ما يقرؤه لا ينتمي إلى زمن غابر، بل يتقاطع مع واقعه وتطلعاته الراهنة، بحيث يتم توظيف رموز الحكاية في خدمة قضايا جديدة كالتطور العلمي والتكنولوجيا والرقميات.. إلخ. وعلى سبيل المثال يمكن إعادة تشكيل الكائنات الخرافية والقوى السحرية في الحكايات الشعبية في ضوء مفاهيم العلم والتكنولوجيا، بما يُظهر العلاقة بين الخيال والإبداع العلمي؛ مما يجعل الحكاية جسراً بين الماضي والمستقبل، وبذلك يُعاد بناء القيم في إطار معرفي حديث يعزز التفكير المنطقي دون أن يُلغي المتعة الجمالية للسرد.

وأيضا يمكن إدخال البعد التفاعلي في أدب الأطفال المستلهم للحكاية الشعبية من خلال الكتب الرقمية والتطبيقات القصصية التي تتيح للطفل أن يشارك في صنع القرار داخل الحكاية، فيتفاعل مع القيم بصورة مباشرة. وهذا كله يؤكد تلاقى عملية التطويع للحكايات مع مبادئ التربية الحديثة التي تدعو إلى التعلم القائم على التجربة، وتنمية الخيال، وتعزيز الحس النقدي.

والحكاية الشعبية المطوَّعة تتيح للطفل فرصة استكشاف القيم من خلال الموقف السردي، لا من خلال التلقين المباشر. ومنها قيم التسامح والتنوع الثقافي إذ يمكن إعادة تقديم الحكايات التي تضم شخصيات من ثقافات أو أديان مختلفة، بحيث يتعلم الطفل قبول الآخر واحترامه، بدلاً من ترسيخ فكرة العدو الخارجي التي كانت تهيمن على كثير من الحكايات القديمة. وأيضا يمكن من خلال تطويع الحكاية في أدب الطفل يمكن إعادة النظر في قيم المساواة بين الجنسين؛ فالحكايات الشعبية التقليدية غالباً ما تصوَّر الرجل بطلاً والفتيات في موقع الضعف أو التبعية، أما في أدب الطفل الحديث فيلزم إعادة توزيع الأدوار بحيث تظهر الفتاة فاعلةً، قياديةً، ومشاركةً في صنع الحلول، مما يعزز لدى الأطفال وعي المساواة والتمكين للمرأة.

والتطويع المنشود للحكاية الشعبية لابد أن يراعى فيه التوازن، إذ إن المبالغة في التحديث قد تؤدي إلى طمس الملامح التراثية، مما يُضعف الارتباط بالذاكرة الثقافية، مع الحرص على مراعاة الخصوصية الثقافية المحلية للنماذج فلا تكون مستوردة من ثقافات أخرى لا تتناسب مع قيمنا الأخلاقية والدينية؛ وأيضا يجب الحرص على ألا يتحول النص المطوع إلى خطاب تعليمي مباشر فلا نغفل أن نجاح الحكاية الشعبية في الأصل يعتمد على قدرتها على الإمتاع بقدر ما تعتمد على قيمها التربوية، وأي اختلال في هذا التوازن يُفقدها وظائفها الأساسية.

وخلاصة القول إن أدب الطفل يمكن أن يستعين بالحكاية الشعبية باعتبارها موردا ثريا تجدر الإفادة منه؛ فتطويع الحكاية الشعبية في أدب الطفل -إن تحقق- يمثل مشروعا ثقافيا هاما للمجتمعات الحديثة؛ يحفظ موروثها وقيمها وينهض بمقدرات حاضرها ويؤسس لمستقبلها، مع ضرورة التأكيد على أن هذا المشروع يتطلب وعيا معرفيا وفنيا متوازنا بين الموروث والحداثة، بحيث تعاد صياغة العلاقة بين الذاكرة الجماعية ومتطلبات المستقبل؛ فالطفل الذي يتلقى حكايةً شعبية مُعاد إنتاجها بروح معاصرة لا يتلقى دروسا أخلاقية فحسب بل يشارك في عملية تجديد الوعي الثقافي لمجتمعه. وعليه فإنّ تطويع الحكاية الشعبية يشكّل فعليا جسرا بين التراث والحداثة، ويغدو وسيلةً لتربية جيلٍ متصالحٍ مع ماضيه، منفتحٍ على حاضره، ومؤمنٍ بقدرته على صنع مستقبله. وهنا يجدر التنبيه إلى أن نجاح هذا المشروع يتوقف على تكامل الجهود بين الكتّاب والمربين والنقاد لتأسيس رؤية منهجية تُوازن بين الوظيفة التربوية والجمالية للحكاية وتُعيد الاعتبار إلى السرد الشعبي بوصفه أداة فاعلة في بناء الإنسان الواعي بعصره والمتمسك بجذوره في آن واحد.




    المصادر و المراجع
    -سعاد، سعيدي ،الطفل والتراث الشعبي" الحكاية الشعبية أنموذجا"، مجلة مقاليد، كلية الآداب- جامعة ورقلة، العدد ١٠ ، ٢٠١٦م.
    -العرجان،سناء، أثر الحكايات الشعبية على سمات التعبير الفني للطفل في مرحلة رياض الأطفال بمنطقة الجوف، مجلة البحث العلمي في التربية-جامعة أم القرى، العدد ١٩ ، ٢٠١٨م.