أ. خلف سرحان القرشي
تقول العرب (البلاغة في الإيجاز)، ويقول الإنجليز (Less is More)؛ القليل كثير، وأثار النقاد القدامى مسألة (تجويع اللفظ وإشباع المعنى). الأمر الذي يؤكد أهمية الإيجاز في الإبداع عموما، غير أن هذا المطلب اللغوي والفني يتجلى أكثر في فن (القصّة القصيرة)، فهي جنس أدبي يقوم على التكثيف، وضبط الإيقاع، والاقتصاد اللغوي الذي يتيح للنص إشراقته، وللقارئ حريته في التأويل. ومع التحولات الكبرى في الكتابة الحديثة، لم يعد الاختزال مجرد ميزة أسلوبية، بل أصبح شرطًا وجوديًّا لبقاء هذا الفن قادرًا على المنافسة داخل فضاء سردي مزدحم. غير أن الاقتصاد لا يعني الفقر، ولا يبرِّر السطحية؛ بل يقوم على مبدأ دقيق: كل كلمة تؤدي وظيفة، وكل حذف يفتح معنى جديدًا. ومن بين الوظائف الأكثر حساسية في القصة القصيرة: استنطاق المسكوت عنه، وهو ما يجعل النص أكثر طاقةً وتأثيرًا، ويكشف عن وعي الكاتب بمعايير الجمالية الحديثة التي تمنح القارئ دورًا في إنتاج الدلالة.
الاقتصاد اللغوي ليس مجرد تقليلٍ للكلمات، بل هو بناءٌ هندسيٌّ محكم يستند إلى رؤية نقدية تؤمن بأن اللغة ليست وسيلة توصيف، بل طاقة توجيه وإيحاء. فالكاتب الذي يمتلك وعيًا اقتصادياً بلغته لا يكتب أقل، بل يكتب أعمق. إنه يختار الكلمات كما لو كان ينقّي معدنًا ثمينًا: يزيل الزوائد ليظهر الجوهر.
وتكشف الدراسات السردية الحديثة عن أن القصة القصيرة الناجحة لا تُقاس بعدد كلماتها، بل بقدرتها على إحداث أثر خاطف وعميق في زمن قرائي قصير؛ فالاختزال يمنح القصة ميزة السرعة من دون التفريط في المعنى، وإذا أحسن الكاتب صناعته، تحوّلت الجملة الواحدة إلى مشهد كامل، وتحول الصمت إلى لغة. وإذا كان الاقتصاد اللغوي يضبط السطح، فإن المسكوت عنه يربك الأعماق، ويصنع المسافة التي تجعل القصة قادرة على البقاء في ذهن القارئ. فالصمت في النص ليس فراغًا، بل منطقة توتر دلالي، يُراد للقارئ أن يملأه بخبرته وحدسه. ومن يقرأ قصص تشيخوف، أو زكريا تامر، يدرك أن النص الناجح هو النص الذي يعتمد على ما لا يقوله بقدر اعتماده على ما يقوله.
ولذلك فإن استنطاق المسكوت عنه يُعدُّ معيارًا حاسمًا في نقد القصة القصيرة؛ إذ يحرّر النص من المباشرة، ويجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، فيتحول من متلقٍ إلى مُتمِّمٍ للحكاية. وبذلك يصبح الصمت لغة ثانية للنص، قد تكون أبلغ من الكلام نفسه.
والعلاقة بينهما علاقة تكامل لا انفصال. فالاقتصاد اللغوي يخلق فراغات دلالية، وهذه الفراغات تتحول إلى مساحات مفتوحة لاستنطاق المسكوت عنه. وحين يحذف الكاتب جملة، فهو لا يترك فراغًا لغويًّا، بل يهيئ أرضًا خصبة لإنتاج المعنى. ومن هنا يصبح الحذف استراتيجية، والصمت تقنية سردية، والاختزال فعلًا واعيًا لا يقع بالمصادفة. ويعد الناقد الألماني الشهير (فولفغانغ إيزر)، أحد أبرز المنظّرين الذين أسهموا في تفسير التداخل بين الاقتصاد اللغوي واستنطاق المسكوت عنه، ففي نظريته (الاستجابة الجمالية)، يؤكد إيزر أن النص الأدبي لا يُنتِج معناه بذاته، بل عبر ما يخلقه من (فجوات) أو (بياضات) يستدعي القارئ لملئها. وهذه الفجوات ليست نواقص في البناء، بل أدوات مقصودة تزيد من فاعلية النص وتأثيره. فالاقتصاد اللغوي، هنا، لا ينقص من القصة شيئًا، بل يضاعف طاقتها التأويلية؛ لأنه يفتح مساحات صامتة تُوجِّه القارئ نحو المشاركة في إنتاج الدلالة. وبذلك تصبح القصّة وفق منظور (إيزر)، فنًّا يقوم على شراكةٍ بين الكاتب والقارئ: الأول يخلق الصمت، والثاني يمنحه صوتًا.
ولا تبدو تصورات (إيزر) بعيدة عن القصة العربية المعاصرة؛ إذ نجد العديد من كتابها مثل محمد خضير وزكريا تامر وجمال الغيطاني يعتمدون على الفجوات والبياضات بوصفها عناصر بنائية لا تُستكمل إلا بالقراءة. ويبرز هذا الأسلوب بوضوح في قصص تشيخوف التي تقوم على التفاصيل الخافتة التي لا تكشف جوهر الصراع إلا عبر ما يُحذَف لا ما يُقال. وكذلك في قصص زكريا تامر، حيث يُقارب العنف الاجتماعي والإنساني عبر لغة مقتصدة تُخفي أكثر مما تُظهر، فيتحول الصمت إلى طاقة دلالية تسهم في صوغ المعنى. إن النصوص التي تترك فراغات أكثر هي النصوص الأكثر قدرة على تحريك خيال القارئ. وهذا ما يفسّر سرّ بقاء بعض القصص في الذاكرة رغم قِصَرها الشديد؛ لأن قارئها شارك في كتابتها، ولو على نحو غير مباشر. ولعل القصَّة القصيرة جدا ذات الست كلمات، التي تحدى بها (همنغواي) أصدقا مثالا جليًّا: "حذاء طفل للبيع، لم يستعمل بعد".
وعلى نحوٍ موازٍ لما قدّمه (وولفغانغ إيزر) من تصور للقارئ الضمني في إطار جماليّات التلقي، قدّم (أمبرتو إيكو) مفهوم (القارئ النموذجي)؛ ذلك القارئ الذي يفترضه النص ويبرمج داخله مساراً للتأويل. ورغم اختلاف التسمية بين الضمني والنموذجي، فإن كليهما يشير إلى قارئ مُقدّر في بنية النص؛ قارئٍ لا يطابق بالضرورة المتلقي الفعلي، بل يعبّر عن آلية النص في توجيه القراءة وفتح مساحات التأويل. ولا تحتاج القصة إلى ملفات سِيرية مفصّلة، بل إلى ملامح. يكفي وصف نظرة، أو حركة يد، أو جملة مقتطعة، لتكوين شخصية كاملة في ذهن القارئ. وكلما قلّ الكلام، ارتفع مستوى التأويل، وتضاعفت المسافة النفسية التي تمنح الشخصية عمقها. وهنا تبرز براعة الكاتب في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى إشارات كبرى تكشف دواخل الشخصيات دون الحاجة إلى الشرح؛ فاقتصاد اللغة يجعل الشخصية تظهر من خلال أفعالها، لا من خلال تقريرات مباشرة. وهذا بدوره يخلق شعورًا بأن الشخصية تتنفس داخل النص، لا خارجه.
والزمن في القصة القصيرة غالبًا محدود. وحين يتقن الكاتب اختزال الزمن، تظهر الحركة السردية أكثر توترًا، وتكتسب الأحداث ثقلها؛ فالاقتصاد اللغوي يحوّل الزمن إلى لحظة مكثفة، كما يحدث في قصص (الومضة الواحدة)، التي تشبه فلاشًا ضوئيًا يضيء مشهدًا ويترك القارئ أمام ما بعده وما قبله.
وعلى الرغم من أهمية الاختزال، إلا أن الإفراط فيه قد يحوّل النص إلى لغز مغلق، أو إلى نحت لغوي جاف لا يتفاعل معه القارئ. والاقتصاد الحقيقي هو اقتصاد واعٍ، لا يقود إلى فجوات قاتلة في النص، بل إلى مسافات محسوبة، فالقصة القصيرة ليست تمرينًا في البتر، بل تمرينًا في الحكم على ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُحذف.
إن المزج بين الاقتصاد اللغوي واستنطاق المسكوت عنه يمنح القصة القصيرة ملامح جديدة تتوافق مع زمن يزداد ازدحامًا، وقارئ يزداد استعجالًا. وفي ظل صعود الوسائط السريعة، تصبح القصة القصيرة الشكل الأكثر قدرة على مواكبة التحولات، بشرط أن تبقى وفية لجوهرها مع وفائها لزمانها: العمق داخل المساحة الصغيرة.
يمثل الاقتصاد اللغوي واستنطاق المسكوت عنه ركيزتين جماليّتين تمنحان القصة القصيرة قوتها وفرادتها؛ فاللغة المختزلة الواعية تفتح الباب أمام المعنى، والصمت يحوّل القارئ إلى فاعل رئيس في إنتاج الدلالة. ومن خلال التوازن بين ما يقال وما لا يقال، تتشكل القصة بوصفها فنًّا يكرّس المتعة الفنية، ويثير الجدل، ويدعو إلى التفكير دون الوقوع في فخ الإطالة أو الثرثرة. ومن هنا تأتي أهمية بناء رؤية نقدية جديدة تتعامل مع القصة بوصفها نصًّا تكامليًّا يكتب بالكلمات وبالفراغات معًا.
المصادر و المراجع
[1] Wolfgang Iser, The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response, Johns Hopkins University Press, 1978.[2] Edgar Allan Poe, “The Philosophy of Composition,” 1846.
[3]Robert Scholes, Structuralism in Literature, Yale University Press, 1974.
[4] إدوار الخراط، الكتابة عبر النوعية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.
[5] سعيد يقطين، السرد العربي، المركز الثقافي العربي، 1992.