د. منال بنت صالح المحيميد
تُعَدّ السياحةُ في القرن الحادي والعشرين أحد أعمدة الاقتصاد العالمي، وهي لم تعد مقتصرة على زيارة الأماكن الطبيعية أو المعالم العمرانية فحسب، بل تطوّرت لتشمل أشكالًا جديدة من التجارب الإنسانية، من بينها السياحة الثقافية، وفي قلبها يبرز مفهوم السياحة الأدبية[1]بوصفه مجالًا واعدًا تتقاطع فيه الثقافة بالاقتصاد، والخيال بالإنتاج، والذاكرة الجمعية بالتجربة الميدانية.
وإذا كانت الدول الكبرى قد أدركت منذ عقود القيمة الاقتصادية للأدب -فحوّلت بيوت الأدباء إلى متاحف، ومسارات الروايات إلى طرق سياحية، وشخصيات القصص إلى علامات تجارية- فإن المملكة العربية السعودية تقف اليوم على عتبة التحوّل ذاته، بفضل ما تمتلكه من إرث أدبي ضارب في التاريخ، وما تشهده من نهضة عمرانية وثقافية شاملة في إطار رؤية 2030.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث، الذي نسعى فيه إلى تحليل العلاقة بين الأدب والسياحة الثقافية، مع التركيز على مدينة الدرعية بوصفها نموذجًا فريدًا يمكن أن يُشكّل انطلاقة نوعية في تأسيس مسار سعودي للسياحة الأدبية.
يُقدّم الأدب - سردًا كان أو شعرًا - وظيفة تتجاوز التوثيق الفني إلى صناعة صورة ذهنية للمكان؛ فالمدن تصبح أجمل حين ترتبط أحياؤها وأزقتها بأحداث أدبية شهيرة، وأعمق حين تُكتب للعامة، وأقرب حين تتحوّل إلى نصوص مبدعة. فكم من مدينةٍ عرفها العالم من خلال رواية أو قصيدة! وكم من مكانٍ صار مقصدًا سياحيًا بسبب نص واحد! ومن هنا تأتي قدرة الأدب على زرع الشغف بزيارة المدن؛ إذ يجعل القارئ يشتاق إلى أزقةٍ لم يرها، وأحياءٍ لم يعش فيها، ويمنحه رغبة في ملامسة المكان الذي ولدت فيه الحكاية أو قيل فيه الشعر. وحين نقول إن "الشعر ديوان العرب" فنحن لا نردد مقولة تراثية بقدر ما نعيد تذكيرًا بدور الشعر في تشكيل الهوية الثقافية للمنطقة. فالقصائد التي قيلت في المدن - مدحًا أو وصفًا أو رثاءً - لم تكن مجرد انعكاس لمشاعر فردية، بل كانت وثائق اجتماعية وسياسية حفظت ذاكرة المكان عبر قرون. والدرعية مثال ناصع على ذلك؛
فالأدب الذي قيل فيها - من الحماسي والملحمي إلى العاطفي والنبطي - يشكّل رصيدًا ثقافيًا ضخمًا لم يُستثمر بعد بالشكل اللائق. والدرعية ليست مجرد مدينة تاريخية؛ إنها ذاكرة دولة وموطن تحول حضاري وسياسي وثقافي. وكل مشروعٍ سياحي فيها هو مشروع لإحياء حقبة من الزمن العربي الرفيع. ومع أن التطوّر العمراني الذي تشهده الدرعية اليوم يضعها في مقدمة المدن التراثية العالمية، فإن الجانب الأدبي فيها ما يزال بحاجة إلى أداة مؤسسية تُعيد إحياء صورته. وهنا يُطرح السؤال: لماذا لا يتحوّل إرث الدرعية الأدبي إلى مزار ثقافي متكامل؟ ولماذا لا يتمّ استثمار هذا الرصيد في صناعة تجربة سياحية أدبية تُقدَّم بطريقة معاصرة تستدعي الماضي وتخاطب المستقبل؟
إن الأدب قادر على تحويل الذاكرة إلى قيمة اقتصادية، والقصيدة إلى مسار سياحي، والنص إلى حدث عام. ومن يقرأ شعر عبد الله بن خميس، أو عبد العزيز بن معمر، أو ناصر العريني، أو غيرهم ممن تغنّوا بالدرعية، يدرك حجم الثقل الوجداني الذي تحتفظ به تلك النصوص تجاه المكان. وهذا الرصيد - إذا نُظّم في "متحف أدبي" أو "مسار شعري" - يمكن أن يصبح موردًا اقتصاديًا ووسيلة لتعزيز الانتماء الثقافي لدى الأجيال الجديدة.
وقد أدرك الرحالة الغربيون قيمة هذا الإرث مبكرًا؛ إذ كتب جون لويس بوركهارت عن الدرعية وعن اهتمام آل سعود بالشعراء، قائلًا: "وقد جمع ابن سعود أفضل الشعراء في الصحراء في الدرعية، وكان يبتهج بالشعر، ويمنح بسخاء من تفوّق فيه" .[2]
هذه الشهادة التاريخية تؤكد أن الشعر كان جزءًا أصيلًا من هوية الدرعية، وأن إعادة استحضاره اليوم ليست مجرد فكرة ثقافية، بل ضرورة اقتصادية وحضارية. ومن هذا المنطلق يتضح أن السياحة الأدبية ليست رفاهية، بل اقتصاد متنامٍ حول العالم. وهي تقوم على فكرة أن النص يصبح خريطة، والخيال يصبح وجهة.
وحين تُقدّم المدن تجربتها من خلال الأدب، فإنها تضيف إلى السياحة التقليدية بُعدًا معرفيًا وانطباعًا وجدانيًا يرفع من قيمة التجربة، ويدخلها ضمن "اقتصاد الهوية"، وهو أحد القطاعات التي تراهن عليها رؤية 2030.
وقياسًا على كل ذلك تأتي الدعوة إلى إنشاء متحف أدبي/ثقافي في الدرعية يجمع:
• القصائد التي قيلت فيها.
• الشخصيات الأدبية التي زارتها أو كتبت عنها.
• المحفوظات التاريخية التي تظهر فيها.
• عروضًا رقمية تفاعلية تُعيد تمثيل النصوص بصريًا.
• مسارًا سياحيًا يستعرض "الأماكن الشعرية" في المدينة.
إن إنشاء مزار أو متحف أدبي في الدرعية يُسهم في تحقيق المكاسب التالية:
- توثيق التحوّل اللغوي والاجتماعي والعمراني في المنطقة.
- إبراز القضايا الوطنية كما رصدها الأدب في مراحله المختلفة.
- حفظ الإرث الشعري والفنون المرتبطة به مثل العرضة.
- تعزيز الهوية الثقافية لدى الجيل الجديد.
- تمكين الباحثين من مادة أدبية أصيلة ومتكاملة.
- خلق مورد اقتصادي جديد ضمن منظومة السياحة الثقافية.
- تحويل النصوص الأدبية إلى تجارب تفاعلية يلمسها الزائر مباشرة.
وقد يذهب البعض إلى أن الأدب ليس أداة اقتصادية، وأن تحويله إلى نشاط سياحي قد يُفضي إلى "استغلال جمالي" يفرغ النصوص من قيمتها. غير أن هذا الاعتراض - على وجاهته - يتراجع أمام أمثلة عالمية ناجحة (كمسار شكسبير في بريطانيا، ومتحف دوستويفسكي في روسيا)، حيث أثبتت التجربة أن تفعيل الأدب لا يعني تسليعه، بل تعظيم أثره الحضاري، وأن الخطر الحقيقي ليس في الاستثمار، بل في الإهمال؛ إذ تبقى النصوص مجرد صفحات إذا لم تتحوّل إلى تجربة حيّة تتنفس أمام الجمهور.
ختامًا؛ يمكن القول إنَّ السياحة الأدبية تمثّل فرصة وطنية واعدة، وبوابة من بوابات الاقتصاد الثقافي الذي يتسق مع رؤية المملكة في بناء مستقبلٍ تنموي قائم على الثقافة والمعرفة. والدرعية - بكل ما تمثله من تاريخٍ وهُوية - هي الموقع الأمثل لإطلاق هذا المشروع. ومن أجل كل ذلك نقترح:
- تأسيس "متحف الدرعية الأدبي" ليكون منصة لعرض الإرث الشعري والسردي للمنطقة.
- إنشاء "مسار شعري" تفاعلي يعرض الأماكن التاريخية المرتبطة بالنصوص.
- رقمنة الأرشيف الأدبي للدرعية وإتاحته للباحثين والسياح.
- إشراك الأدباء المعاصرين في كتابة أعمال تُستلهم من تاريخ الدرعية.
- تطوير باقات سياحية تربط الزائر بين الأدب، والتراث، والنهضة العمرانية.
وبهذه الحلول يمكن تحويل الأدب من "ذاكرة مكتوبة" إلى طاقة سياحية واقتصادية قادرة على صناعة تجربة حضارية تُعرّف العالم بعمق المكان وأصالته. [3]
المصادر و المراجع
[1] اشتغلتُ على بحث بعنوان: السياحة الأدبيَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة (السياحة الشعريَّة في نجد) حصلنا فيه على منحة وزارة الثقافة في عام الشعر العربي 2023 . منشور في مجلة أم القرى، عام سبتمبر 2024[2] بوركهارت، جون لويس، ملاحظات عن البدو والوهابين، ترجمة: صبري حسن، المركز القومي للترجمة، 2007، ج2.
[3] من المراجع التي أفدت منها، انظر:
الحامد، عبدالله، الشعر في الجزيرة العربية نجد والحجاز والاحساء والقطيف خلال قرنين 1150ه-0531ه . دار الكتاب السعودي، الطبعة الثالثة 1414ه
- بن غنام، حسن، تاريخ نجد، طبعة مصطفى الحلبي1949. <
- العثيمين، الدرعية نشأة وتطورًا
الشبيب، مشاعل، شعراء من الدرعيّة، المكتب المصري للمطبوعات، ط1، 1445هـ
-بن خميس، عبدالله، الدرعية العاصمة الأولى، ط1، 1982.