التاريخ الشفهي
وجهات النظر الواردة في هذا اللقاء لا تعبر بالضرورة عن رأي هيئة الأفلام.
ربّان الصورة والحكاية
في حالة بوماهر في جزيرة المحرق، تفتّحت عيناه على تفاصيل الحياة البسيطة، وتشرّب روح المكان التي سترافقه لاحقاً إلى شاشة التلفزيون. نشأ أحمد يعقوب المقلة حاملاً إرث من عشقوا البحر وخاضوا غماره وصعابه؛ فكان البحر الشاشة الأولى التي تأمل اتساع صورتها. لم تكن الدراما وجهته المباشرة، بل مساراً تشكل تدريجياً عبر محطات وتجارب صنعت منه أحد أبرز مخرجي الدراما الخليجية.
ضمن سلسلة لقاءات التاريخ الشفهي للشاشة العربية، استُضيف المخرج البحريني أحمد يعقوب المقلة حاوره الإعلامي جابر القرني. في لقاء استعرض السيرة الفنية الزاخرة للضيف، وسرْد حكايا الصبا في مدينة المحرق عاصمة البحرين، وبداياته ضمن وحدة الإرسال في التلفزيون البحريني ثمانينات القرن المنصرم، حتى لحظة إخراج عمله الفني الأول، واستقبال عالم الدراما الخليجية لرؤية جديدة تطمح لمعالجة قضايا مُلِحَّة في محيط الخليج العربي.
أسهمت علاقة أحمد بوالده في بلورة رؤاه الفنية وتجذير قيمه الثقافية؛ فقد كان والده المدرسة الحقيقية التي تخرّج منها، إذ نهل من معارفه في الفنون الشعبية، وتربّى على قصصه وحكاياته، ورأى من خلال ذاكرته وفرشاته ملامح حياة لم يعشها، لكنها سكنت خياله وصاغت وجدانه منذ الطفولة.
ورغم تعدد مواهبه في كتابة الشعر، والرسم، ولعب كرة القدم، إلا أن قلبه مال نحو التمثيل، المهنة التي أحبها ولم تُتح له فرصة احترافها. واستعاد الضيف خلال الحوار ذكريات عام 1982م، حين كان يعمل في غرفة إرسال ضيّقة يصفها وكأنها سجن، يؤدي فيها عملاً رتيباً، لكنه رغم ذلك اقتنص الفرصة للتعرّف على أعمال درامية متنوعة، وشحذ حسّه النقدي في تقييم ما يُعرض، مما ساعده لاحقاً في تكوين ذائقة فنية تميّز الجيّد من الرديء وتُدرك مواطن العمق والبساطة في آن.
تُعدّ الموسيقى والأغنية جزءاً أصيلاً في تجربة أحمد المقلة الفنية، وقد كانت محوراً مهماً في اللقاء، حيث سُبرت الأفكار التي بزغت في ذهنه والآليات الإبداعية التي شكّلت مشاهد درامية صعبة النسيان.
وشاركنا الضيف كواليس عمله الأول «غناوي بو تعب»، فبعد دخوله لعالم الفيديو كليب ومسيرته في التلفزيون وتدرجه في المناصب والمهام، تولَّدت لديه رغبة إنجاز عمل يستند إلى التراث أولاً، ويُقدَّم بطابع فلكلوري غنائي يغوص في المعاش اليومي، ويُعرّف بالمهن المختلفة.
استكشف الحوار خبايا هذا العمل الاستعراضي، الذي يُعد اليوم عملاً أنثروبولوجياً يؤرخ لحياة الناس، بما فيها من مشاق وتعب، وعادات وتقاليد، وفنون فلكلورية. وقد أسفرت الشراكة الفنية الناجحة بين الثلاثي أحمد المقلة مخرجاً، وعلي الشرقاوي مؤلفاً، ويعقوب يوسف ملحناً، عن ولادة أعمال تركت أثراً واضحاً في الدراما البحرينية والخليجية على حدّ سواء.
وامتدت مسيرة المخرج أحمد المقلة لتمثل علامة فارقة في تاريخ الدراما الخليجية، حيث تنوّعت الأعمال التي قدّمها للشاشة العربية، حاملةً بصمته الإخراجية الخاصة. وتوقّف هذا اللقاء عند محطات مهمّة في تجربته، من علاقته مع الفنانين، إلى تحضيراته الدقيقة للمشاهد، وصولاً إلى الحيل الفنية التي يوظّفها لمعالجة الموضوعات الحساسة، كاستخدامه الذكي للظل في مشاهد العنف. واستعرض اللقاء جوانب من ذاكرته الشخصية، ورؤيته التي ستُلهِم أجيالاً قادمة من صنّاع الدراما في الخليج والوطن العربي.