التاريخ الشفهي
وجهات النظر الواردة في هذا اللقاء لا تعبر بالضرورة عن رأي هيئة الأفلام.
سيرة سينمائي الشعر وشاعر السينما
كل الحكايات التي تبدأ في الأحساء تعود بنا إلى حقول النخيل والعيون، إلى الأرض والزراعة، إلى الإنسان الذي طوع بيئته بيديه، ليتعايش معها ويحبها ويربط حياته ومصيره بها. الأرض هي الصورة وهي المعنى، من الصورة تنبثق السينما ومن المعنى يولد الشعر، وبين الأرض والسينما والشعر نشأ أحمد المُلا، الشاعر والسينمائي والفنان، عاش حياته كلّها يصيغ من الكلمات والصور معاني جديدة ويقتحم آفاقاً بعيدة، حالماً بلا حدود، ومجتهداً يحوّل الأمنيات والآمال إلى واقع. رحلته الطويلة من بساتين النخيل في الأحساء وتذليل العقبات أمام السينمائيين في مهرجان الأفلام، كانت رحلة تدور حول المعاني، تمتزج فيها الأفكار والمشاعر والرؤى، فتنتج دواوين شعرٍ ونصوص أفلامٍ وقيادة لحركة ثقافية وسينمائية كاملة.
ضمن سلسلة لقاءات التاريخ الشفهي للشاشة العربية، استُضيف الشاعر والسينمائي أحمد الملا يحاوره الإعلامي الثقافي طارق الخواجي في لقاء تناول السّيرة الذاتيّة والمهنيّة الطويلة للضيف في عوالم الشّعر والسينما، بكل معانيها المثرية والجمالية، منذ طفولته الحالمة في الأحساء عندما التقى الشعر والصورة للمرة الأولى، وحتى عمله الإداري الفريد ليكون أحد القادة البارزين للحراك السينمائي في المملكة.
في بداية اللقاء أخذنا أحمد الملا إلى طفولته وإلى البيئة التي نشأ بها ومنها بدأ يستكشف العالم ويفهم الحياة، ثم اتجه إلى بيت عائلته الهادئ ووالده قليل الكلام، الذي تعلم منه قيمة الكلمات الــــــــــتي ســــيصــــبح بفضــــلــــــها شاعــــــــراً يطــــــــوّع المـــعاني بـــلغــــــــته الموجزة. وبعد الطفولة دار الحديث عن الانتقال بعيداً عن الأرض التي عرفها حـــتى ينـــضـــم إلى جامــــــعـــة الملك سعود طــــــالباً، هنـــــاك حـــــــيـــــــث بـــدأ نشاطه الثقافي بصورة جادة، وبدأ يتعرف على الوسط الذي يصبح جزءًا أصيلاً منه.
الأسلوب الهادئ للضيف في تناول الأحداث التاريخية التي كان شاهداً عليها عن قرب، أعطى اللقاء صبغة أرشيفية مميّزة، فمن حديثه ننفذ إلى خبايا الشعر والسينما والمشهد الثقافي في المملكة خلال الثمانينات والتسعينات وبداية الألفية، ومنه يمكن أن نرسم صورة مقرّبة عن بداية عرض الأفلام في النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية، النواة التي نبت منها مهرجان أفلام السعودية في دورته الأولى التي أقيمت في العام 2008، والتي مثّلت حدثاً فارقاً في مسيرة السينما السعودية، ثم استمر الحديث ليتناول ما خلف كواليس توقف المهرجان ومن ثمّ عودته ليستأنف عمله من جديد بداية من دورة العام 2014.
بين الشعر والسينما والأرشيف الثّري سار اللقاء إلى كل التفاصيل التي يتناولها الحديث بين الضيف والمحاور، وما عزز من جمالية اللقاء هو لحظات الاستطراد التي كان يسرد فيها الملا بعض الحكايات الخفية من سيرته الطويلة، مثل حكاية الرسالة التي كتبها حينما كان شاباً إلى الشاعر والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي، وكذلك رحلته الساحرة إلى السودان أواخر السبعينات. أحداثٌ كثيرة وتفاصيل خفيّة، بين الماضي الذي أصبح تاريخ وحاضر اليوم المشرق.