التاريخ الشفهي
وجهات النظر الواردة في هذا اللقاء لا تعبر بالضرورة عن رأي هيئة الأفلام.
من الأدب إلى الإنتاج السينمائي
منتجة غير تقليدية، دعتها السينما إلى عوالمها، فلم تتردد في تسخير إبداعها لإنتاج أعمال سينمائية تجاوزت حدود موطنها تونس، لتصل للعالمية. انطلقت مسيرتها في الإنتاج منذ تسعينات القرن الماضي، وشاركت بدأب في تطوير المشهد السينمائي، مقدمةً بذلك أعمالاً تركت أثرها في الذاكرة.
هي اليوم من أهم رموز السينما العربية وأبرز روادها، مؤمنةً بأن الإنتاج يتطلب رؤية وابتكاراً، فالمنتج ليس مجرد ممول أو منفذ؛ بل هو أول قارئ للسيناريو وأول متفرج، وعليه أن يكون قادراً على التقاط جوهر القصة وتحويلها إلى تجربة بصرية تخاطب العالم بعمق وأصالة.
ضمن سلسلة لقاءات التاريخ الشفهي للشاشة العربية، استُضيفت المنتجة وأستاذة الأدب الإنجليزي درة بوشوشة في حوار مع الإعلامي طارق الخواجي، تناول فيه السيرة الذاتية والفنية الطويلة للضيفة. ابتداءً من طفولتها في محافظة منوبة، التي اشتهرت بمستشفى الرازي حيث عمل المفكر والطبيب فرانز فانون، مروراً بسنوات دراستها المختلفة، ودخولها للسينما عبر بوابة الأدب والترجمة، وشغفها العميق بالإنتاج السينمائي.
تضمن اللقاء سرداً شيقاً لتجربة درة بوشوشة كرئيسة لمهرجان قرطاج السينمائي في عدة دورات، حيث أجرت تغييرات مهمة أثناء توليها المنصب، من بينها: إدخال السجادة الحمراء، وتنظيم ثاني سوق إنتاج بعد مهرجان روتردام السينمائي الدولي. كما شمل اللقاء جهودها في إطلاق ورشة تكميل لتقديم التمويل لأفلام ما بعد الإنتاج، إلى جانب تأسيس مهرجان منارات للسينما المتوسطية، ومشاركتها في لجان تحكيم بعدد من المهرجانات البارزة، مثل: مهرجان برلين السينمائي الدولي، ومهرجان البندقية السينمائي.
قدّم اللقاء رؤية شاملة حول النهج الفني لدرة بوشوشة في مجال الإنتاج السينمائي، مسلطاً الضوء على فلسفتها في انتقاء المشاريع، حيث تؤمن بقوة النية كدافع جوهري وراء قراراتها. كما استعرض اللقاء مبادرة "كتابات الجنوب"، التي أسستها لدعم المواهب السينمائية الواعدة، مشيرةً إلى أن اختيارها لمصطلح "الجنوب" استُلهم من مفهوم "أفلام الجنوب" الذي تعرفت عليه في فرنسا. هذا المفهوم يشير إلى المناطق التي تفتقر إلى حضور سينمائي قوي، إلا أن بوشوشة وسّعت دلالته ليشمل الجنوب الجغرافي للعالم.
تناول الحوار الشراكات الفنية التي جمعتها مع إبراهيم اللطيف، التي أثمرت عن تأسيس شركة الإنتاج "نوماديس إيماج"، إلى جانب علاقتها المهنية والإبداعية مع مخرجات مثل: مفيدة التلاتلي ورجاء عماري. ولعبت هذه الشراكات دوراً محورياً في إنتاج أعمال سينمائية حصدت اهتماماً واسعاً، من أبرزها: "صمت القصور" و"موسم الرجال" و"الدوّاحة" و"الستار الأحمر". أيضاً، أشارت بوشوشة إلى أن العمل على السلسلة الوثائقية "Africa Dreaming" كان تجربة تعليمية مكثفة حول آليات الإنتاج السينمائي متعدد الثقافات.
عملت درة بوشوشة على طيف واسع من الأفلام، وحرصت من خلالها على تقديم أعمال تستحق المشاهدة، مع مراعاة انسجام القصة والشخصيات مع السياق العام للحكاية. كان اللقاء غنياً بالمحطات المهمة في مسيرتها السينمائية، واختتم بالإشادة بثراء السينما العربية التي تطرح مواضيع مختلفة بلغة سينمائية متجددة، إضافة إلى التأكيد على أهمية المهرجانات العربية، مثل مهرجان البحر الأحمر، في توفير الدعم والتمويل لإنتاج أفلام عربية متميزة.