شارك
يأتي عنوان فيلم «العقل المُدبِّر - 2025» (The Mastermind) كعنوان مُضلِّل وساخر في الوقت نفسه. إن الانطباع الذي يتركه هذا العنوان وحبكة الفيلم يجعلاننا نظنُّ للوهلة الأولى أننا أمام فيلم سرقة مكتمل العناصر، لكننا نكتشف بعد حين أن الفيلم لا يعدو أن يكون دراما تدور حول رجل في مطلع الثلاثينيات من عمره ارتكب خطأً ساذجًا قلب حياته رأسًا على عقب، تحديدًا في عام 1970. هكذا صنعت المخرجة الأمريكية (كيلي رايكارد) آخر أفلامها بإنتاج شركة (Mubi)، وبطولة (جوش أوكونور) في دور (جيمس بلين موني).
يُفتَتح الفيلم بزيارة جيمس موني مع عائلته المكوَّنة من طفلين وزوجة لمعرض رسومات معاصرة، ونرى بعد لحظات جيمس يتأمل صندوقًا بداخله بعض القطع الفنية، فيُدرك حينها أن الصندوق قابل للفتح، وما هي إلا لحظات حتى يقوم خلسة بفتح الصندوق والتقاط مُجسَّم صغير ليضعه لاحقًا في حقيبة زوجته وهما يهمُّان بالخروج من المتحف. يُقرِّر بعدها تنفيذ عملية سرقة أكبر: أربع لوحات شهيرة للفنان الأمريكي (آرثر دوف). تَذْكُر كيلي في مقابلاتها أن الفيلم مستلهَم من قصة حقيقية لعملية سطو وقعت عام 1972 في متحف ووستر للفنون، حيث سُرقت أعمال (بيكاسو وغوغان ورامبرانت) . [1]
لقطة من فيلم «العقل المُدبِّر - 2025» (The Mastermind)
في هذا الفيلم تقوم كيلي بتوظيف موسيقى الجاز من تأليف (روب مازوريك) في أغلب المشاهد، على عكس بقية أفلامها التي عادةً ما تميل إلى الصمت أو استخدام أصوات الطبيعة، وقد جاءت موسيقى مازوريك مُناقِضة لما يُستَخدم عادةً في أفلام السرقات المشهورة كأفلام (مايكل مان) وغيره من المخرجين الذين اشتهروا بأفلام الجريمة والسطو. لم تكن الموسيقى وحدها النقيض لهذا النوع من الأفلام، بل إن الإيقاع الذي سار عليه الفيلم أبطأ مما نعرفه في أفلام السرقات، فهو أقرب إلى فيلم درامي من أن يكون فيلم جريمة، إذ لم تكن العلاقة بين المشهد والمشهد الذي يليه علاقةً تقوم على بناء الإثارة والتوتر اللذين اعتدنا عليهما، بل إننا في أحد مشاهد الفيلم نستغرق ما يقارب ست دقائق نرى خلالها جيمس يحاول نقل اللوحات الأربع إلى عُلّيّة الحظيرة بوتيرة يغيب عنها أي نوع من الإثارة.
كما ذكرنا في البداية، لقد كان الفيلم ساخرًا وتهكميًّا من الظرف الذي وقع فيه جيمس موني بعد أن قام بسرقة اللوحات الأربع برفقة اثنين من أصدقائه في وضح النهار دون أي مقاومة أمنيَّة. وجيمس زوجٌ عاطل عن العمل، ينتمي لعائلة ثريَّة، ولديه علاقة متوترة مع والده الذي يعمل قاضيًا في المدينة، وقد دفعته السذاجة إلى أن يظن بأن وضعه الاجتماعي سيحميه من أي عواقب لعملية سرقة كهذه، بل إن الأمر لم يكن بتلك الجدِّيَّة بالنسبة له؛ لدرجة أنه وهو في طريقه لارتكاب عملية السطو اصطحب طفليه إلى المدينة ليلعبا ويأكلا في مطعم وجبات سريعة بينما يقوم هو ورفاقه بعملية السرقة. لم يستمر الوضع طويلًا حتى جاء محقِّقان إلى بيته يخبرانه بالقبض على أحد المشاركين في الجريمة، وأن الأخير شهد ضد جيمس بأنه العقل المدبّر للعملية. يُنكر جيمس فورًا هذا الادعاء، فيطلبان منه أن يأتي معهما إلى مركز الشرطة لاستكمال الإجراءات، يُبلغهما بأن والده هو القاضي موني فيسمحان له حينها بالبقاء. لقد اتخذت حياة جيمس بعد هذا اللقاء منحًى آخر، حيث إن كل شيء حوله بدأ يتهاوى وبدأت عائلته وأصدقاؤه بالتخلِّي عنه واحدًا تلو الآخر، ثم أصبح اسمه يُتَداول عبر الصحف، وأصبح حينها مطلوبًا أمنيًّا شهيرًا دون أن يرى أيًّا من هذه النتائج الوخيمة التي انتهى إليها الأمر.
لقطة من فيلم «العقل المُدبِّر - 2025» (The Mastermind)
لقد عكست شخصية جيمس الجانب الآخر من أبناء الطبقة الثرية لجيل الستينيات والسبعينيات الذين شهدوا الكثير من الحركات الاجتماعية والحقوقية دون أن يكونوا جزءًا منها. اتَّضح هذا من خلال الأحداث التي تُحيط به من المظاهرات المناهِضة لحرب فيتنام وحركات طلابية وحقوقية دون أن تكون له أي مشاركة أو تعليق على أيٍّ منها، وكانت هذه الأحداث تدور حول الشخصية طوال فترة الفيلم، فنرى والده في بداية الفيلم يشاهد الأخبار التي تناقش قضية المظاهرات الطلابية في الجامعات، بينما نشاهد المظاهرات في الشوارع عندما ينتقل فيها من مكان إلى آخر. في أحد مشاهد الفيلم بعد أن انضمَّ جيمس إلى صديقيه في الجامعة الواقعة في إحدى المناطق الريفية هاربًا من الشرطة، يعرض عليه صديق الجامعة أن يسكن في (كومونة) كندية لمجموعة من المنتمين لحركة الهيبي، ليردّ حينها جيمس بأن هذه التجمعات لا تناسبه على الرغم من أن حياته كانت على المحك.
يطرح الفيلم مقاربة مختلفة لفكرة البطل في أفلام الجريمة، حيث لا تُقدِّم كيلي شخصية جيمس موني كبطل مضاد يسعى إلى التمرد أو الانتقام، بل يظهر كشخصية فاشلة عاجزة عن التعلم من أخطائها ولا تحمل أي رغبة واضحة في التغيير، ويستمر في اتخاذ قراراته بدافع السذاجة واللامبالاة وكأن الفشل ذاته أصبح حالة طبيعية بالنسبة له. يتضح هذا من خلال مشاهدتنا له وهو يستخدم مال والدته لتغطية تكاليف السرقة أو حتى من خلال فشل علاقته مع زوجته وتكرار المواقف المُذلَّة أمام أبنائه. هذه المقاربة تُبعد الشخصية عن منطق التصاعد الدرامي القائم على الخلاص أو العقاب، فتُصبح أقرب إلى دراسة لشخصية تعيش في منطقة رمادية وغير مسؤولة نتيجةً للامتياز الطبقي. ونشير هنا إلى الأداء الرائع الذي قدمه جوش أوكونور دون تكلف أو مبالغة في انفعالاته، بل إن المُشاهِد يمكن أن يلاحظ في الرُّبع الأخير من الفيلم خسارة وزن ملحوظة للممثل.
على الجانب الآخر، عملت كيلي رايكارد على ضبط تصوير السبعينيات من خلال الاعتناء الشديد بكل تفاصيل الحياة اليومية لتلك الحقبة، ولم تكن هذه المرة الأولى التي تقوم فيها كيلي بتصوير فيلم عن حقبة مُعيَّنة، حيث إنها قامت بتصوير عدة أفلام عن حقب مختلفة، من ضمنها فيلم يدور في مطلع القرن التاسع عشر بعنوان «البقرة الأولى - 2019» (First Cow) يروي قصة رجلين يسرقان الحليب.
في فيلم «العقل المدبِّر» لم تتردَّد كيلي في جعل كاميرتها تتجوَّل في ضاحية بولاية ماساتشوستس لنشاهد فيها أماكن وأحداثًا هامشية لا تُغيّر ولا تُسهم في قصة الفيلم سوى كونها تسجيلًا للحضور واحتفاءً بزمنٍ عاشت طفولتها فيه. لم تكن الصورة في الفيلم متكلِّفة بتفاصيلها أو بتكوينات الكادرات ولم يكن هناك توظيف مكثَّف للقطات مُقرَّبة أو «close-ups» مثلما نشاهد عادةً في أفلام السطو، بل إن الكاميرا تميل إلى أن تكون واسعة، بألوان دافئة وتأثير ضبابيّ يجعل كل لحظات الفيلم حميمية بطريقة تُذكِّرنا بأفلام الميلودراما لـ (دوغلاس سيرك).
يقول المخرج ألفريد هيتشكوك في إحدى المناسبات: «الغموض عملية فكرية، أمَّا التشويق فهو في جوهره عملية عاطفية»[2] . وعلى الرغم من أن هاتين السمتين من بديهيات سينما الجريمة، نجد أنهما لا تنطبقان على فيلم كيلي رايكارد، حيث إن المقاربة التي اتبعتها رايكارد مختلفة عما هو تقليدي لمثل هذا النوع من القصص، وإننا في هذا الفيلم نشاهد دراما البطل الواحد، وهي في جوهرها رحلة بحث عن ذاته الضائعة. ولو تأملنا حال السينما اليوم نجد أننا أحوج إلى هذا النوع من الأفلام التي تكسر القواعد في السينما النوعية وتُقدّم شكلًا جديدًا غير تقليديٍّ لهذا النوع من الأفلام التي تُنتَج سنويًا عبر الاستوديوهات. لم تتوانَ كيلي رايكارد يومًا عن تقديم سينما مستقلَّة متميِّزة عن غيرها من الأفلام الأمريكية المستقلَّة، ويمكن أن نلاحظ هذا في عدم تكلفها في تقديم سرديات اجتماعية وسياسية، فأفلامها تكتفي بالحالة الإنسانية، وكل هذا يُقدَّم بسينما واقعية، من خلال استخدام ممثلين غير معروفين وأحيانًا غير مُدرَّبين.
في نهاية المطاف، يكشف فيلم «العقل المُدبِّر» عن جوهر حكاية جيمس موني بوصفها مفارقة ساخرة أكثر منها سردية جريمة. فمن انزلاق عابر نحو سرقةٍ صغيرة، إلى تحوّله غير المتوقع إلى مُلاحَق بارز، تتجلَّى رحلة رجلٍ تائه عن ذاته قبل أن يكون هاربًا من العدالة. وفي المشهد الأخير، حين يُقدِم جيمس على سرقة محفظة امرأة مسنّة ثم يجد نفسه محاصرًا وسط مظاهرات تُندّد بحربٍ لا يعيرها أدنى اهتمام، يبدو وكأن العالم يُطْبِق عليه بما صنعته يداه. وعندما تُلقي الشرطة القبض عليه، لا يجد جيمس سوى جملة مرتبكة يقولها دفاعًا عن نفسه: «حدث خطأ ما». هنا تبلغ السخرية ذروتها؛ فهذه العبارة، التي تأتي كخاتمة للفيلم، لا تُعبّر عن لحظة إدراك أو ندم، بل عن استمرار حالة الضياع نفسها التي حكمت اختياراته. وهكذا تُغلق كيلي رايكارد فيلمها بإشارة دقيقة إلى عبثية البطل وعجزه، مؤكدة أن المأزق لم يكن في الجريمة، بل في الإنسان الذي يمارس حياته وكأن الخطأ قدرٌ يوميٌّ لا فكاكَ منه.
[2] Alfred Hitchcock: The Difference Between Mystery & Suspense https://www.youtube.com/watch?v=-Xs111uH9ss
