عودة

«The Pervert's Guide to Cinema دليل المنحرف إلى الفهم» نحن مسؤولون عن أحلامنا


مينا ناجي

7/7/2026



يسير بنا (جيجك) سيرَ الجِمال في صحراء الواقع، مُشيرًا تارة بطرف إصبعه إلى سراب، وتارة إلى نبع ماء رائق، وتارة إلى أُفق غير مرئي بالكامل، مُتزوّدًا في مسيرته تلك بمؤونة من مفاهيم التحليل النفسي، والنقد الأيديولوجي، وكلاسيكيات السينما العالميَّة، ليُقدّم لنا عبر رحلتين -الأولى مدتها ساعتان ونصف، والثانية ساعتان وعشر دقائق- ما يمكن اعتباره خلاصة فلسفته.

هناك تقاطع أصيل بين الفلسفة والسينما، فالسينما تطمح دومًا إلى إثبات قدرتها على مناقشة أعمق الأفكار والنظريات، شأنها شأن الأدب والمسرح والفنون التي سبقتها، لا أن تظل مجرد وسيطٍ للتسلية والترفيه. غير أن هذا المنحى الترفيهي يُلازمها منذ نشأتها بطبيعة الحال، لأنها «صناعة» ضخمة الإنتاج تحتاج إلى الربح كي تستمر وتزدهر.

هناك الكثير من المحاولات الفلسفيَّة الشهيرة في تاريخ السينما، مثل: «الحبل - 1948» (Rope) لهيتشكوك، «الختم السابع - 1957» (The Seventh Seal) لبيرجمان، «لا دولتشي فيتا - 1960» (La Dolce Vita) لفيلليني، «مُطارِد - 1979» (Stalker) لتاركوفسكي، وأفلام عن كثير من الفلاسفة مثل (سقراط، وباسكال، وأغسطينوس، ونيتشه) وغيرهم. وعلى الرغم من أن بداية الألفية الثانية دشّنت هذا التقاطع بفيلم الرسوم المتحركة «الحياة اليقظة - 2001» (Waking Life)، من تأليف وإخراج الأمريكي (ريتشارد لينكليتر)، الذي يُسائِل طبيعة الواقع، والأحلام، وأحلام اليقظة، والوعي، ومعنى الحياة، والإرادة الحرة، إلخ... من خلال عدَّة لقاءات وتتابعات سورياليَّة، إلا أن تماسّ السينما مع الفلسفة بشكل رئيسي يأتي عبر الشقّ الوثائقيّ منها؛ لقدرته على السرد غير التخيُّلي (Nonfiction Narrative)، القادر على طرح مسائل فلسفيَّة أو محاورة الفلاسفة أنفسهم بشكل مباشر ومفتوح.

«الحياة اليقظة - 2001» (Waking Life)

في العام التالي مثلًا، 2002، صدر الوثائقي الأمريكي «دريدا - 2002» (Derrida) من إخراج (كيربي ديك، وآمي كوفمان)، عن الفيلسوف الفرنسي/الجزائري (جاك دريدا). وفي عام 2008، صدر الوثائقي «حياة مفحوصة - 2008» (Examined Life) من إخراج الكنديَّة (أسترا تايلور)، الذي يضمُّ ثمانية فلاسفة معاصرين مؤثّرين، من بينهم (بيتر سينجر، ومايكل هارت، وجوديث باتلر، وبالطبع سلافوي جيجك)، حيث يظهر في المشهد الشهير داخل مكب النفايات. وفي عام 2010، صدر الوثائقي «الوجود في العالم» (Being in the World) المستوحى من فلسفة هايدجر، و«لقاء مع سيمون فايل» (An Encounter with Simone Weil) المبني على حياة وفلسفة المتصوفة الفرنسيَّة سيمون فايل.

في العقد الثاني، صدر «ماركس مُعاد تحميله - 2011» (Marx Reloaded)، وهو فيلم وثائقي ألماني من تأليف وإخراج البريطاني (جيسون باركر)، الذي يدرس أهمية أفكار ماركس بعد الأزمة الماليَّة عام 2008، ويتضمن مقابلات مع العديد من الفلاسفة البارزين من بينهم (مايكل هارت، وأنطونيو نيجري، وجاك رانسيير، وبيتر سلوترديك، وسلافوي جيجك). وصدر أيضًا فيلم «هل الرجل الطويل سعيد - 2013» (Is the Man Who Is Tall Happy) من إخراج الفرنسي (ميشيل جوندري) عن فلسفة اللغة، محاورًا المفكّر (ناعوم تشومسكي) من خلال وسيط الرسوم المتحركة.

المخرجة والمنتجة الإنجليزيَّة (صوفي فينز)

حاولت المخرجة والمنتجة الإنجليزيَّة (صوفي فينز) أن تستعرض بصريًّا في الرحلة الأولى «دليل المنحرف إلى السينما - 2006» (The Pervert’s Guide to Cinema)، إنجازَ الفيلسوف السلوفيني (سلافوي جيجك)، المولود في لوبيانا سنة 1949، في فهم عدد من مفاهيم التحليل النفسي الفرويديَّة واللاكانيَّة، وشرحها بأمثلة من الثقافة الشعبيَّة وفي قلبها السينما، وذلك من خلال التصوير في المواقع الأصليَّة لأفلام أيقونيَّة أو مواقع مُستنسخة منها. من ضمن قائمة هذه الأفلام التي تُغطّي فترة زمنيَّة واسعة من تاريخ السينما: «فرانكنشتاين - 1931» (Frankenstein)، «ساحر أوز - 1939» (The Wizard of Oz)، «الديكتاتور العظيم - 1940» (The Great Dictator)، «الوصايا العشر - 1956» (The Ten Commandments)، «دوّار - 1958» (Vertigo)، «دكتور سترينجلوف - 1964» (Dr. Strangelove)، «بيرسونا - 1966» (Persona)، «سولاريس - 1972» (Solaris)، «طارد الأرواح الشريرة - 1973» (The Exorcist)، «مخمل أزرق - 1986» (Blue Velvet)، «المصفوفة - 1999» (The Matrix)، «نادي القتال - 1999» (Fight Club)، «عيون مغلقة على اتساعها - 1999» (Eyes Wide Shut)، «دوجفيل - 2003» (Dogville)، «حرب النجوم: الحلقة الثالثة - انتقام السيث - 2005» (Star Wars: Episode III – Revenge of the Sith).

لقطة من فيلم «دليل المنحرف إلى السينما - 2006» (The Pervert’s Guide to Cinema)

لكن لماذا سُمِّي هذا الوثائقي بـ «دليل المنحرف إلى السينما»؟ يشرح جيجك في بداية الفيلم أن السينما تشكِّل الرغبة الإنسانيَّة، لذا فهي مُنحرفة لأنها تقول لنا كيف وفيما نرغب. ويقصد جيجك أنها تُحرِّف مسار رغبتنا وتُعيد تشكيلها مرة أخرى. حسنًا، كيف تُشكّل السينما رغباتنا الشخصيَّة؟ ببساطة عبر عرض موضوعات مُعيَّنة بصفتها موضوعات للرغبة، يمكننا هنا أن نتذكر مثلًا مقولة هيتشكوك: «إن المشاهد من السهل أن يتعرَّف على بطلة فيلمي من لون شعرها؛ فهي دومًا شقراء». تُخبرنا السينما في هذه الحالة أن المرأة المرغوبة هي البيضاء، الشقراء، ذات القوام الرشيق، إلخ... وهناك معنى آخر لهذا «الانحراف» يُفهَم ضمنًا من الفيلم، وهو أن الخيال السينمائي يبوح بما لا يُقال في الواقع، يبوح برغباتنا المكبوتة والمستثناة، وبذلك فهو المنحرف الذي يبوح بأكثر رغباتنا انحرافًا وسريَّة، ولذا أيضًا فهذا البوح الخيالي بشكلٍ ما هو أكثر واقعيَّة من الواقع نفسه!

يُبيِّن الوثائقي قدرة الأفلام على نمذجة وإعطاء أمثلة حيَّة على مفاهيم التحليل النفسي، ويوضِّح لنا كيف يُبنى الواقع الذي نعيشه. ولجميع هذه الأسباب يتضح لنا مدى تأثير فن السينما، بل هناك مثال حَدّي يُذكَر في الوثائقي يختبر مدى هذا التأثير، وهو فيلم «دوجفيل - 2003» (Dogville) بطولة النجمة (نيكول كيدمان)، وكتابة وإخراج الدنماركي (لارس فون ترايير). يتعمَّد الفيلم تجريد وسيط «السينما» إلى أقصى حد؛ فالأماكن فيه ليست أماكن حقيقية وإنما هي ديكور مكشوف للمُشاهِد في موقع تصوير داخلي، والجدران مجرد خطوط مرسومة على الأرض. ومع ذلك يراهن فون ترير بذكاء على أن السينما لا تزال قادرة على سحب المشاهد داخل تخيُّلاتها، صانعة ما يُسمّيه الشاعر والناقد الإنجليزي صمويل كولريدج «تعليق عدم التصديق»، مما يُرينا القدرة الرهيبة للوسيط السينمائي في الاستحواذ، المبنيَّة بالأساس على رغبة الإنسان في معايشة رغباته المكبوتة حتى لو على مستوى خيالي.

ليست هذه المرّة الأولى التي يظهر فيها فيلسوفنا العجيب على شاشة السينما، فأول ظهور له كان في الفيلم الوثائقي «لايباخ: فيلم من سلوفينيا - 1993» (Laibach: A Film from Slovenia) عن الفرقة الموسيقية السلوفينية «لايباخ» المثيرة للجدل في الثمانينيات، وبعدها بثلاث سنوات سيظهر الوثائقي عن الفرقة نفسها «تنبؤات النار - 1996» (Predictions of Fire). وفي العام ذاته، سيُصنَع أول فيلم عنه شخصيًا بعنوان «أحبَّ عَرَضَك كما تُحبّ ذاتك - 1996» (Thou Shalt Love Thy Symptom as Thyself)، وهو وثائقي ألماني يبدأ بالمشهد الشهير لجيجك وهو يقف على الجسر النهري الذي يفصل خليج البلقان عن وسط أوروبا، والذي شكّل لحظة تدشين شهرته عالميًا. وفي عام 2005، ستُصدِر المخرجة أسترا تايلور الفيلم الوثائقي «جيجك! - 2005» (Zizek!).

بعد الرحلة الأولى بست سنوات، خرجت الرحلة الثانية «دليل المنحرف إلى الأيديولوجيا - 2012» (The Pervert’s Guide to Ideology)، بتنسيق مماثل؛ يتحدَّث جيجك من داخل مشاهد أُعيد بناؤها من الأفلام، لكن هذه المرة عن الأيديولوجيا وكيفية عملها. هنا نرى جيجك يرتدي زيَّ قِسٍّ كاثوليكي أو بذلة سوفيتيَّة مُتحدّثًا من قلب أفلام مثل: «انتصار الإرادة - 1935» (Triumph of the Will)، «سقوط برلين - 1950» (The Fall of Berlin)، «صوت الموسيقى - 1965» (The Sound of Music)، «البرتقالة الآلية - 1971» (A Clockwork Orange)، «الفك المفترس - 1975» (Jaws)، «سائق التاكسي - 1976» (Taxi Driver)، «برازيل - 1985» (Brazil)، «سترة معدنية كاملة - 1987» (Full Metal Jacket)، «الإغواء الأخير للمسيح - 1988» (The Last Temptation of Christ)، «إنهم يعيشون - 1988» (They Live)، «تايتانيك - 1997» (Titanic)، «أنا أسطورة - 2007» (I Am Legend)، «فارس الظلام - 2008» (The Dark Knight).

لقطة من فيلم «دليل المنحرف إلى الأيديولوجيا - 2012» (The Pervert’s Guide to Ideology)

يجب أن نوضِّح، على عكس الحدس المباشر، أن الأحلام ليست مساحةَ هروبٍ من واقعنا المتخم بالأيديولوجيا، وليست فضاءً خاليًا من القواعد والقوانين والأفكار التي تحكمنا؛ بل إن الأحلام -وبالتالي السينما بوصفها ماكينةَ صنعِ الأحلام- هي المكان الأيديولوجي النموذجي. فطريقةُ عمل الأيديولوجيا الأساسية تقوم على تشكيل أحلامنا وصياغتها؛ إذ إن أحلامنا ليست سوى ممارسةٍ للرغبات المكبوتة، وهذه الرغبات تُشكّلها -كما فهمنا من الرحلة السابقة- ماكينةُ الأحلام المنحرفة، سواء كانت السينما أو الدعاية أو غيرها من القنوات الأيديولوجية، مثل مواقع التواصل الاجتماعي. بل إن الخيال نفسه هو المادة التي تُصنع منها الأيديولوجيا؛ فالخيال، وظيفيًّا، يملأ شقوق عدم اتساق الواقع وتصدّعاته، وهو المسعى الذي تستهدفه كل أيديولوجيا حين تربط الذوات بالواقع عبر التعمية على تناقضاته ونواقصه.

لكن، بماذا تأمر الأحلام اليوم؟ تأمر بتحقيق الذات، الوصول إلى المتعة، الثراء، والشهرة. لماذا؟ لأنها بهذه الطريقة تتحكّم فينا داخل عجلة الاستهلاك. والشعور بالذنب اليوم، في التحليل النفسي، هو عدم القدرة على الاستمتاع. يذهب الناس إلى المعالج النفسي لا لأنهم يشكون من أعراض مرضيَّة، بل لأنهم غير قادرين على الاستمتاع بالمتع المتاحة كما هو مطلوب منهم، وهو ما يُمثّله في حدّه الأقصى الموقف «الميلانكولي» الذي هو خسارة الرغبة نفسها. عجلة الاستهلاك الدائرة عبر الاستمتاع هي آلية عمل أيديولوجيا الرأسماليَّة لتحقيق غايتها: رأس المال لا بد أن يُتداول، يتوسَّع، يُعيد إنتاج نفسه، ولهذه الغاية يمكن التضحية بأي شيء.

يمكننا أن نرى هذا في عالم الأعمال، فرجل الأعمال الناجح على عكس المتوقع، بخيل ومُتقشّف في حياته الشخصية، وأغلب أرباحه تدخل مُجدَّدًا إلى الأعمال في هيئة استثمارات وتوسُّعات جديدة، ولا يتبقَّى إلا هامش ضئيل للإنفاق أو للاكتناز الشخصي، ويُنهَك في العمل لساعات عمل أسبوعيَّة غير معقولة حتى يسقط من الإعياء أو يموت من فرط الإجهاد (يمكن متابعة أي بودكاست اقتصادي مع رجل أعمال معروف لإدراك ذلك بسهولة، فهم يتفاخرون بأنهم جنود صالحون ومتقشّفون لرأس المال). ويمكننا أن نراه في المجال البيئي، حيث يتم التجاهل بشكل أكثر فجاجة لكل الدلائل على الانهيار البيئي الشامل الذي يُسبّبه الإفراط في الإنتاج والاستهلاك المتزايد دون توقف. في الحالة الأولى تعمل الأيديولوجيا على تصوير أن ذلك السلوك هو «تحقيق للذات وإمكاناتها» والذي يؤدّي موضوعيًّا إلى تراكم رأسمال وإعادة إنتاجه. في الحالة الثانية، والتي تُعتَبر تصدّعًا في علاقة الذات بالعالم، لأن فعل الذات هنا فعل تخريبي سلبي، يقوم المخيال الأيديولوجي على الإيحاء بأن مجرد استخدام شفَّاطة معدنية بديلًا عن البلاستيكية، أو التبرع بجزء من ثمن القهوة (كمثال ستاربكس في الفيلم) سينقذ الغابات والمحيطات والغلاف الجوي والبلدان الأفريقيَّة.

لقطة من فيلم «دليل المنحرف إلى السينما - 2006» (The Pervert’s Guide to Cinema)

هل يعني هذا أننا نقف مكتوفي الأيدي بلا حول ولا حلم؟ لا، يُخبرنا جيجك في الفيلم أن هناك أحلامًا صحيحة، وأحلامًا خاطئة. الأحلام الخاطئة هي مجرد انعكاس استهلاكي مثالي لمجتمعنا، ومثال على ذلك مشهد الاتصال الجماعي في فيلم «نقطة زابريسكي - 1970» (Zabriskie Point) المذكور في الوثائقي، من إخراج الإيطالي (مايكل أنجلو أنطونيوني)، حيث يتصوّر أنطونيوني أنه يُمسك بروح حركات حِقبة الستينيات التمرديَّة والتحرريَّة، لكن في الواقع تكون قد بدأت عملية إدماج تلك الممارسات التمرديَّة والمناوئة للتقاليد داخل المنظومة المجتمعية المنادية بالاستهلاك، وبالتالي تحولت إيماءة التمرُّد السينمائيَّة إلى انعكاس لاستهلاك التجارب والمُتع بشكلٍ حِلميٍّ ومثاليٍّ مفيد لعجلة الرأسماليَّة (الإنتاج/الاستهلاك). فلكي تُمارِس العلاقات بحريَّة مثلًا، يجب أن يتوفَّر لك دخل مادي مُريح، ومكان خاص، وقدرة شرائيَّة ومعيشيَّة معينة، وبالتالي عليك العمل باجتهاد ودأب حتى يصل دخلك الشهري إلى الدخل المطلوب، أي أن تكون تِرسًا مُخلِصًا ومُجِدًّا في الماكينة الكبيرة.

أمَّا بالنسبة للأحلام الصحيحة -سياسيًّا بالطبع- فهي التي تُشير إلى بُعد موجود خارج مجتمعنا الحالي؛ يوتوبيا ليست انعكاسًا مرآويًّا لواقعنا الصعب، بل هي تجاوز حقيقي له. يُخبرنا جيجك في النهاية أن الدرس المشترك بين التحليل النفسي والخيال السينمائي هو أننا مسؤولون عن أحلامنا، لأن أحلامنا تُمسرِح رغباتنا، ورغباتنا ليست حقائق موضوعيَّة، رغم أن البنية الأساسيّة للواقع تدفعها في اتّجاه مُعيَّن، فهناك على جانب «الذات» دور خلق الرغبات الخاصة والحفاظ عليها، وأول خطوة للحُريَّة، بمعانيها المختلفة، ليست فقط تغيير الواقع ليناسب الأحلام، بل تغيير طريقة الحلم نفسها، وهي العملية المؤلمة حقًّا، لأننا نأخذ إشباعاتنا من الأحلام المطروحة لنا ونعيش داخلها أغلب الوقت.

دليل المنحرف إلى السينما والأيديولوجيا هو في الحقيقة دليله إلى الفهم كي يتجاوز واقعه إلى واقع أفضل!