شارك
«كان كائنًا أنانيًّا إلى حدِّ الجنون» هكذا وصف كاتبُ السيناريو (جون مايكل هايز) المخرجَ العبقري الشهير (ألفريد هتشكوك) حينما اندلع خلافٌ حادٌّ بينهما أدَّى إلى انفصالٍ تامٍّ بعد تعاون ناجح واستثنائي بينهما قدَّما من خلاله عدة أفلام رائعة، مثل: «النافذة الخلفية - 1954» (Rear Window)، «للإمساك بلص - 1955» (To Catch a Thief)، «الرجل الذي عرف أكثر مما ينبغي - 1956» (The Man Who Knew Too Much).
ولعل السبب الحقيقي وراء هذا الخلاف هو غيرة هتشكوك من هايز وحرصه الدائم على أن يكون هو النجم والسبب الأوحد لنجاح الفيلم، خاصةً بعدما ارتفع شأن هايز، وهذا ما دفع هتشكوك لأن يقول في لقائه الشهير مع المخرج الفرنسي (تروفو): «هايز كاتب حوارات موهوب جدًّا، وقادر على أن يجعل الشخصيات تتحدث بذكاء، لكنه بدأ يظن أن نجاح أفلامه يعود إليه أكثر من المخرج، مع أنه لم يكن يفهم تمامًا البِنية البصرية، ولم يدرك أن السينما لا تُكتَب بالكلمات، بل تُرى بالعيون». لكنَّ القشّة التي قصمت ظهر البعير بينهما هي أن هتشكوك وضع اسم الكاتب (أنغوس ماكفيل) ككاتب مُشارك في سيناريو أحد الأفلام، مما أغاظ هايز الذي رأى أنه هو من كتب السيناريو ولم تكن مشاركة ماكفيل كبيرة إلى هذا الحد، وأن هتشكوك قام بهذا الأمر للتقليل من دوره في كتابة النص وليعود الفضل في نجاح الفيلم إلى هتشكوك وحده. وقد لجأ هايز لنقابة الكُتَّاب فحكمت لصالحه في النهاية.
هتشكوك في موقع تصوير فيلم «النافذة الخلفية» يُشرف على عالمه البصري، مُطبقًا فلسفته التي همّشت دور الكاتب وأشعلت الخلاف بينهما.
والحقيقة أن هذا الخلاف لم يكن مُفاجئًا أو صادمًا؛ فكاتب مُبدع ومخرج موهوب يملكان تلك الشخصية القوية والاعتداد الذاتي، سيحتاجان بالضرورة إلى الكثير من الانسجام، وهو ما لم يتوفَّر بينهما. وعلى الرغم من أن المخرج حاليًا يتمتع بالقدر الأكبر من الشهرة والثناء ويُنسَب نجاح الفيلم إليه أولًا، فإن المدقّقين جيدًا في هذه الصناعة السينمائية لا ينكرون الدور الكبير الذي يلعبه الكاتب في مساعدة المخرج ونجاح الفيلم.
وجديرٌ بالذكر هنا أنه بعد انفصال (باول شرودر) عن المخرج العظيم (مارتن سكورسيزي) اللذين قدَّما معًا روائع لا تُنسى، مثل: «سائق التاكسي - 1976» (Taxi Driver)، و«الثور الهائج - 1980» (Raging Bull)، قال بعض النقاد عن أفلام سكورسيزي التالية، إنها رغم جودتها لم تعد تحمل عمق الاغتراب والروح الوجودية التي ميَّزت كتابات شرودر.
كما أن كثيرًا من النقاد يرون أن (تيم بورتون) أصبح يُكرّر نفسه بصريًّا وفقد العاطفة الغريبة التي تُميّز أفلامه وتجعلها أكثر تأثيرًا حينما توقَّف عن التعاون مع (جون أوغست) كما في أفلامهما: «السمكة الكبيرة - 2003» (Big Fish)، «جثة العروس - 2005» (Corpse Bride)، «تشارلي ومصنع الشوكولاتة - 2005» (Charlie and the Chocolate Factory).
والأمثلة كثيرة حول التغيّر الذي يُصيب المخرجين حينما ينفصلون عن الكُتَّاب الذين صنعوا معهم نجاحات مشهودة، وهو ما يؤكّد على أهمية النص وكاتب السيناريو إلى الحدِّ الذي أُثير معه في فترةٍ ما السؤال الجَدَلي: «مَن هو صانع الفيلم، المخرج أم الكاتب؟»، وخاصةً في الحقبة المعروفة بـ (نظام الاستوديو) حيث كان يُمكن استبدال المخرج في أي لحظة أثناء إنتاج الفيلم، وقبل تعزيز مرحلة (سينما المؤلف) التي مكَّنت بعض المخرجين من فرض رؤيتهم وإحكام سيطرتهم على الفيلم. وكذلك يؤكِّد على صحة العبارة الشهيرة: «لا يُمكن صناعة فيلم جيد بنصٍّ رديء». هذه العبارة تبدو حقيقة مُطلقة في عالم السينما، حتى لو تولَّى الإخراج أحد المخرجين المميّزين والناجحين على الدوام، ومما لا شكَّ فيه أن جزءًا كبيرًا من نجاح المخرج هو قدرته على العثور على نصوص جيدة تُلبّي تطلعاته وتُحقِّق رؤيته الخاصة.
وفي هذا المقال سنرصد عددًا من التعاونات الشهيرة بين كُتَّاب السيناريو والمخرجين، والتي أدَّت في النهاية إلى إنتاج العديد من الروائع السينمائية.
إذا ما أخذنا جولة سريعة في عددٍ من السينمات العالمية، سنجد مثالًا شهيرًا في السينما اليابانية بين المخرج (ياسوجيرو أوزو) والكاتب (كوغو نودا)، فقد تعاونا معًا لأكثر من ثلاثة عقود بدءًا من ثلاثينيات القرن العشرين وقدَّما عددًا من أشهر روائع السينما اليابانية والعالمية، مثل: «أواخر الربيع - 1949» (Late Spring)، «أوائل الصيف - 1951» (Early Summer)، «قصة طوكيو - 1953» (Tokyo Story)، «شفق طوكيو - 1957» (Tokyo Twilight)، «صباح الخير - 1959» (Good Morning)، «بعد ظهر خريفي - 1962» (An Autumn Afternoon).
أوزو ونودا.. ثلاثة عقود من التناغم لصنع الوجه الأبرز للسينما اليابانية.
قدَّم هذا الثنائي الأسطوري الوجه الأبرز للسينما اليابانية برؤية (الزن) المتسامية، حيث البساطة والهدوء والجمال الكامن في الاعتياديات، وقدسية القيم العائلية، ويابان ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي السينما اليابانية أيضًا نجد تعاونًا شهيرًا آخر، بين أحد أعظم مُخرجي السينما العالمية (أكيرا كوروساوا) وبين الكاتب (شينوبو هاشيموتو)، فقدَّما معًا عدة أفلام هي من روائع السينما اليابانية والعالمية، مثل: «راشومون - 1950» (Rashomon)، «إيكيرو - 1952» (Ikiru)، «الساموراي السبعة - 1954» (Seven Samurai)، «عرش الدم - 1957» (Throne of Blood)، «القلعة الخفية - 1958» (The Hidden Fortress).
لقد كان تعاونًا فريدًا بلا شك، ساهم بقدر كبير في إرساء مفهوم السينما الملحميَّة بقصصها الشبيهة بالميثولوجيا الإغريقية، فتجاوزت هذه الأفلام حدود السينما اليابانية وألهمت المُشاهدين وصُنَّاع السينما من مختلف أنحاء العالم. إذ كان هاشيموتو يهتمُّ بشكلٍ دقيق ببناء شخصيات مُركَّبة غالبًا ما تُواجه تحدّيات أخلاقية حتى يصل في النهاية لخلق حبكات مُعقَّدة يمتزج فيها المفهوم الفلسفي بالحوارات العميقة.
وبعيدًا عن السينما اليابانية، تبرز ثنائية أخرى شهيرة بين المخرج الإسباني «لويس بونويل» والكاتب الفرنسي «جان كلود كاريير»، إذ قدّما معًا عددًا من الأفلام البارزة، منها: «يوميات خادمة - 1964» (Diary of a Chambermaid)، «حسناء النهار - 1967» (Belle de Jour)، «سحر البرجوازية الخفي - 1972» (The Discreet Charm of the Bourgeoisie)، «شبح الحرية - 1974» (The Phantom of Liberty)، و«ذلك الشيء الغامض المسمّى الرغبة - 1977» (That Obscure Object of Desire).
وهناك بعض النقَّاد يرون أنهما أعادا معًا ابتكار السريالية في سينما ما بعد الحداثة، فبقدر ما كان بينويل يدفع بالأمور نحو الغرابة المثيرة، كان كاريير يُشكّل صوتًا سرديًّا مُفعَمًا بالعقلانية، ولذا لم يذهب الكثير من النقَّاد بعيدًا حينما رأوا أن بينويل في فترته الفرنسية لم يكن ليذهب بعيدًا لولا وجود كاريير.
وإذا ما عدنا إلى مطلع هذه المقالة التي بدأت بالمخرج الكبير (ألفريد هتشكوك)، سنجد أنه تعاون في بداياته البريطانية مع كاتب آخر هو (تشارلز بينيت) في عدة أفلام مُهمَّة مثل: «ابتزاز - 1929» (Blackmail)، «الخطوات التسع والثلاثون - 1935» (The 39 Steps)، «العميل السري - 1936» (Secret Agent)، «التخريب - 1936» (Sabotage)، «مراسل أجنبي - 1940» (Foreign Correspondent).
وفي السينما الإيطالية نجد المخرج العظيم (فيديريكو فيلليني) قد تعاون مع الكاتب (إنيو فلايانو)، إذ كان فلايانو يُشاطر فيلليني تلك الروح السردية والجاذبية الساحرة، والتي لم تكن لتصل للمشاهد من دون الاستعانة بـفلايانو في هذه الأفلام الأفضل والأشهر في مسيرة فيلليني: «إي فيتيلوني - 1953» (I Vitelloni)، «لا سترادا - 1954» (La Strada)، «ليالي كابيريا - 1957» (Nights of Cabiria)، «لا دولتشي فيتا - 1960» (La Dolce Vita)، «ثمانية ونصف - 1963» (8½).
وفي السينما الكلاسيكية الأمريكية سنجد المخرج الكبير (فرانك كابرا) قد تعاون مع (روبرت ريسكين) في عدد من الأفلام الرومانسية والكوميدية والاجتماعية الجميلة، مثل: «الشعر الأشقر البلاتيني - 1931» (Platinum Blonde)، «الجنون الأمريكي - 1932» (American Madness)، «سيدة لمدة يوم - 1933» (Lady for a Day)، «حدث في ليلة ما - 1934» (It Happened One Night)، «برودواي بيل - 1934» (Broadway Bill)، «السيد ديدز يذهب إلى المدينة - 1936» (Mr. Deeds Goes to Town)، «الأفق المفقود - 1937» (Lost Horizon)، «لا يمكنك أن تأخذها معك - 1938» (You Can't Take It with You).
وكذلك تعاون المخرج العظيم (جون فورد) مع الكاتب (دادلي نيكولز)، كما في فيلم «عربة البريد - 1939» (Stagecoach)، حيث يرى النقَّاد أن نيكولز هو كاتب مرحلة الصعود الكلاسيكي لجون فورد.
وقد تعاون المخرج (هوارد هاوكس) مع الكاتبة (لي براكيت) التي عُرفت بلقب (ملكة الفضاء) لعملها في أدب الخيال العلمي، وكان تعاونها مع هاوكس مُمتدًّا عبر أنواع مختلفة، خاصةً أفلام النوار والويسترن، مثل: «السُّبات الكبير - 1946» (The Big Sleep)، «ريو برافو - 1959» (Rio Bravo)، «إل دورادو - 1966» (El Dorado).
كما قدّم هاوكس فيلم «فتاة الجمعة - 1940» (His Girl Friday) وهو مأخوذ عن مسرحية شارك في تأليفها (بن هيكت)، ضمن مزاج الكوميديا السريعة والحوارات الحادة الساخرة.
ولدينا مخرج عبقري آخر هو (بيلي وايلدر) وتعاونه مع (تشارلز براكيت) الذي يُعدُّ الشريك الأبرز لـوايلدر، خاصةً في مرحلة النضج الكلاسيكي، فأبدعا معًا: «عطلة نهاية الأسبوع الضائعة - 1945» (The Lost Weekend)، «شارع الغروب - 1950» (Sunset Boulevard).
مباراة ذهنية مُزدوجة بين بيلي وايلدر وشريكه الأبرز تشارلز براكيت
كما تعاون (وايلدر) أيضًا مع الكاتب الآخر (آي. إيه. إل. دياموند)، فأضاف دياموند بُعدًا كوميديًا ساخرًا لصياغات وايلدر في الفيلمين الشهيرين: «البعض يفضلونها ساخنة - 1959» (Some Like It Hot)، «الشقة - 1960» (The Apartment).
والأمثلة كثيرة؛ فهناك (أندريه تاركوفسكي) مع (ألكسندر ميشارين) في فيلم «المرآة - 1975» (Mirror)، وبينهما تعاون فلسفي وجودي يندر مثيله في السينما. و(إيتوري سكولا) مع (روغيرو ماكاري) في فيلم «يوم خاص - 1977» (A Special Day)، إذ ساهم (ماكاري) في جعل (سكولا) صوتًا لضمير إيطاليا بعد الحرب. و(رومان بولانسكي) مع (جيرارد براش) في فيلم «المستأجر - 1976» (The Tenant)، حيث يُقال إن (براش) ساهم في بناء المزاج النفسي المشحون في سينما (بولانسكي) خلال السبعينيات والثمانينيات، و(كريستوف كيشلوفسكي) مع (كريستوف بيشيفيتش) في ثلاثية الألوان الشهيرة، والتي تُعدُّ إحدى أعمق ثنائيات التعبير الرمزي في السينما الأوروبية. والمخرج التايواني المُميَّز (هو هسياو-هسين) مع (تشو تيان-ون) في فيلم «ميلينيوم مامبو - 2001» (Millennium Mambo)، بوصفهما ثنائي الحداثة التأملية في السينما التايوانية. والبريطاني (كين لوتش) مع (بول لافيرتي) في فيلم «أنا دانيل بليك - 2016» (I, Daniel Blake)، وقد مثَّلا ثنائيًّا اشتراكيًّا حادًّا ساهم في إبراز أصوات الطبقة العاملة البريطانية.
وبالنظر إلى السينما العربية فلن نعدم أيضًا بعض الأمثلة على مثل هذه الشراكات، ففي مصر مثلًا سنرى أن المخرج الكبير يوسف شاهين وعبر أفلامه الأكثر ذاتية مثل: «الوداع يا بونابرت - 1985»، «إسكندرية كمان وكمان - 1990» قد تعاون مع المخرج والسيناريست يسري نصر الله، كما سبق له التعاون مع السيناريست محسن زايد في فيلم: «إسكندرية ليه - 1979» والذي استطاع أن يُضفي بناءً دراميًا مُحكمًا لكل المعاني الرمزية والذاتية التي سعى شاهين للتعبير عنها، فيما نلحظ أن من أكثر التعاونات هي ما كانت بين المخرج شريف عرفة والكاتب وحيد حامد بخمسة أفلام من بطولة عادل إمام، وهي: «اللعب مع الكبار - 1991»، «الإرهاب والكباب - 1992»، «المنسي - 1993»، «طيور الظلام - 1995»، «النوم في العسل - 1996». حيث كانت هناك قدرة لافتة في الوصول للجمهور من خلال مزيج الكوميديا السياسية بالنقد الاجتماعي اللاذع، مما ساهم في تحقيق نجاحاتهما الفنية والتجارية. وفي الخمسينات والستينات كانت ذروة الواقعية الاجتماعية بتعاون المخرج صلاح أبو سيف مع الروائي الشهير نجيب محفوظ في أفلام مثل: «لك يوم يا ظالم - 1951»، «ريا وسكينة - 1953»، «الوحش - 1954»، «شباب امرأة - 1956»، «الفتوة - 1957»، كما تولَّى صلاح أبو سيف تحويل بعض أهم روايات محفوظ إلى تحف سينمائية باقية مثل: «بداية ونهاية - 1960»، «القاهرة 30 - 1966 ».
صورة تجمع بين الكاتب الكبير نجيب محفوظ ومخرج الواقعية صلاح أبو سيف.
أما في السينما السعودية فلن نحصل على الكثير بسبب حداثة التجربة وجدة الإنتاج لكننا يمكن الإشارة لنموذجين: الكاتب فهد الاسطاء مع المخرج عبد المحسن الضبعان في ثلاثة أفلام: «آخر زيارة - 2019»، وهو الفيلم الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان مراكش السينمائي، وفيلم «الخطّابة - 2023» كتجربة إثارة نفسية، «ثقوب - 2024». بينما نجد تجربة أخرى مهمة واكتسبت شهرتها الخاصة بين الكاتب مفرج المجفل والمخرج عبد العزيز الشلاحي، وحقَّقا من خلالها العديد من الجوائز والإشادات بل وحتى النجاح التجاري بداية من الفيلم القصير «المغادرون -2017»، ثم فيلم «المسافة صفر - 2019»، ثم «حد الطار - 2020»، وهو الفيلم الفائز بجائزة صلاح أبو سيف في مسابقة آفاق السينما العربية في مهرجان القاهرة السينمائي وقد حاز كذلك على جائزة أفضل فيلم في مهرجان أفلام السعودية، ثم فيلم «هوبال - 2024» والذي حقَّق نجاحًا تجاريًا ببيع أكثر من 580 الف تذكرة، وأخيرًا فيلم الأكشن الكوميدي «عكس سير»، وهو الفيلم المُقرَّر عرضه خلال هذا العام. ويمكن الملاحظة هنا بأن الروح الأدبية والمسحة الرومانتيكية التي يملكها الكاتب مفرج وطبيعة المعنى الشاعري في قصصه استطاع المخرج الشلاحي تحويلها لصورة متوائمة وجميلة لتعزيز المعنى المطلوب.
والآن.. إلى ماذا ينتهي هذا الحديث بعد هذه الجولة السريعة التي تُشير إلى أهمية الكتابة ومحوريتها في تميُّز الكثير من الأفلام، وأهمية الشراكات الناجحة واستمراريتها؟ أعتقد، من وجهة نظري، بأن هذا يشير إلى أن كُتَّاب السيناريو هم من يُحدِّدون المسار الفكري والمحاججة الذهنية والعقلية في الأفلام، ويُحدِّدون أيضًا موضوعاتها، لكنَّ المزاج الفني والطريقة الجمالية في تقديمها تتعلَّق دائمًا بالمخرجين، ولذا فإننا حينما نحصل على كاتب واحد جيد مقابل مُخرجَيْن اثنين مُتميّزَيْن سيكون هذا رائعًا، والأكثر روعة حينما يحدث نوع من الانسجام والتوافق بين المخرج والكاتب كما رأينا في الأمثلة السابقة، أو يتمكَّن صانع الفيلم من أن يكون كاتبًا ومخرجًا بالمستوى نفسه من القدرة والإبداع، ولا شكّ أنه حدث كثيرًا أيضًا في السينما العالمية.
وعليه، فإننا من أجل صناعة سينما حديثة في المملكة العربية السعودية ربما علينا أن نُولي اهتمامًا أكبر لموضوع الكتابة، والذي لن يتوقَّف بطبيعة الحال على وجود كُتَّاب ذوي مُخيّلة قصصية لافتة وقدرة سردية مثيرة للاهتمام، بل الأمر يجب أن يتجاوز ذلك إلى مستوى مُهم ومُعيَّن من الوعي الفكري والنباهة الذهنية والنفسية لدى الكاتب، وهو الشيء الذي لا يمكن تجاهله، وتحديدًا حينما أُشاهد الكثير من الأفلام السعودية والعربية أيضًا تمتلك الحد الأدنى من التوظيف الجيد لعوامل الإخراج، لكنها لسوء الحظ تعتمد على نصوص رديئة أو تقليدية للغاية لا تملك أيَّ حِسٍّ فنيٍّ مُؤثّر، مما يُجبرنا على القول إن الصورة الجيدة والعناية الفائقة في التنفيذ إخراجيًّا مجرد جهد ضائع ما لم يتكئ على نصٍّ جيد ينبض بحسٍّ فنيٍّ وتأثيرٍ ملحوظ، والسبب في هذا التأكيد هو ما لاحظته دائمًا من شدة العناية إنتاجيًّا وإخراجيًّا في مقابل التهاون أو التسرُّع في اعتماد نصّ الفيلم، وكأننا نصنع السينما بطريقة معكوسة.
